الرئيسية / احدث التدوينات / إيقاع و أنين..

إيقاع و أنين..

6CA0AA49-D646-41CE-B170-8E3A83C74829_cx0_cy8_cw0_w1023_r1_s

متكئًا على عصاته.. تناول شوالًا من البلاستيك كان يحتفظ به داخل شوال آخر يستخدمه كحقيبة يدس فيها بعض أشيائه.. فجلسته هاهناك تطول.. نفض بقعة من الأرض تحت عمود الكهرباء الكائن قرب مدخل الشارع الرئيسي حيث يزدحم المارة على أرجلهم وعلى السيارات.. أخذ يزيل الأوساخ العالقة من أكياس متطايرة وبعض قارورات الماء وتلك الأوراق التي تحملها الرياح دونما اتجاه.. انحنى قليلًا وطرح ذلك الشوال نفسه على الأرض.. ثم وضع على أطرافه بعض الحجار لتقيه الحراك.. ألقى عصاته جانبًا.. واستدار ليرتمي ببطء على الشوال.. أسند ظهره على العمود.. وتناول في حركة سريعة طرفه الاصطناعي المثبت على ما تبقى من فخذه الأيسر.. وضعه أمامه ثم خلع حذاءه الأيمن لتظهر أصابع قدمه من طرف الشراب المهترئ الذي يرتديه.. أخرج صحنه المعتاد وجعله أمامه.. كان صحنًا صغيرًا يميل في لونه إلى السواد تظهر عليه بعض الشقوق وعلامات الصدأ.. ربما كصاحبه يحكي أثر الزمن..

***

انتصف النهار.. خفت الأقدام المتحركة من أمامه.. ومازال صحنه يشكو الصمت.. لم يكن يرهق نفسه لابتكار ترنيمات تلفت انتباه المارة.. لم يكن يدعوهم ولا يدعو لهم.. كان صامتًا كصحنه مراقبًا.. يتهلل وجهه ويطرب أحيانًا لارتطام بعض قطع النقود بالصحن.. مصدرة تلك الموسيقى الزائفة.. صدى رقصها وهي تدور بداخله.. يزيد نشوتها بُعد مسافة إلقائها.. فيراها تصدر صوتًا أعلى وتدور مرات أكثر لتسكن بعدها وتستقر على إحدى جوانبه.. ويصادف أحيانًا أن تسقط مغشيًا عليها داخل الصحن فيبرز لها صوت واحد مدوي.. لا تقوى بعده على الحراك.. وهنالك تلك التي تأتي على استحياء فتنسحب داخل الصحن في هدوء لا يعلم متى وجدت طريقها إليه.. كان هكذا يجد في مراقبة القطع المعدنية بعض التسلية.. لم يعتد أن يحصيها كان كلما اجتمع قدر منها أسرع بها إلى حقيبته شوالية الصنع.. وعندما يشتد عليه الحر يتناول قطعة من الكرتون لا يزيد حجمها عن دائرة رأسه كثيرًا.. يثبتها على عصاته بسلك من الحديد الرفيع أعده لذلك خصيصًا.. يضع العصا بين ظهره وعمود الكهرباء فتكون له ظلًا يجابه به عين الشمس الحارقة.. لا يخلو إحسان الطريق من جرعة ماء عابرة أو بقايا طعام يتركها أحدهم.. وإن لم يسعفه الطريق ذلك تناول بعض الخبز البائت من حقيبته ليسد به رمقه..

***

كان الوقت يمر بطيئًا.. يقتطعه أحيانًا باستراق السمع لأحاديث من حوله.. لا ينبهه سوى صوت النقود أو صوت سيارات الإسعاف في ذلك الشارع الضاحك الباكي.. فقد كان المستشفى قبالته من اليمين.. يقرؤه الحياة والموت طيلة النهار.. بين أصوات الحامدين سلامة مريضهم.. والباكين وجعة فقيدهم.. فيما بين ذلك كان يقضي وقته مداعبًا سبحته التي تكاد تكون بطوله.. يأخذها رويدًا رويدًا مكبرًا تارة ومستغفرًا تارة أخرى.. وبينهمًا تنسحب في صمت لا تسبيح لا وجود  فقط حبات من الخشب المنحوت تنحدر بين يديه في صوره تلقائية واعتيادية.. يغفو قليلًا ثم يصحو لينظر إلى صحنه فيجده كما تركه قبل سويعات.. أما الشمس فقد إلتفت مبتعدة ليلقي الحائط من خلفه الظل عليه.. فيجمع مظلته ويحرر العصا من خلف ظهره.. ثم يمسك سبحته من جديد..

***

“حسنه لله…”.. صوت يافع يتردد مع تداخل الأصوات.. التفت اتجاه الصوت.. كان طفلًا لا يعدو عمره الحادية عشر.. يرتدي بنطالًا مدرسيًا وقميصًا ملونًا سقطت بعض زرائره فأستعيض مكانها بخيط أسود بارز بعض الشيء .. يضع على قدميه حذاء منتفخ القاعدة.. ربما تثير ملامحه الشفقة ولكن صوته يثير الحنين.. أرجعه لذكرى خروجه من دياره قبل أكثر من عشرة سنوات.. حين قرر الخروج إلى غير عوده مخلفًا وراءه زوجة وابنًا ربما في عمر هذا الصبي الآن.. ترك زراعته وجاء باحثًا عن شيء لا يدري ما هو ربما حياة أفضل.. همس حينها لزوجته مودعًا “لن أغيب كثيرًا”.. فطال غيابه سنوات.. لم يكن يعرف من أين يبدأ طريقه عمل بغسيل السيارات.. ثم أجيرًا بالسوق.. تنقل كثيرًا لم يعرف لنفسه عملًا ثابتًا.. إلى أن استقر كعامل في مجال البناء لأكثر من عام.. وكان ذلك آخر عهده بالعمل حيث سقط من إحدى البنايات وفقد ساقه اليسرى.. مكث فترة بالمستشفى على نفقة صاحب البناية وعون بعض المحسنين.. ومن هناك إلى الشارع لم يقوى على العودة إلى دياره.. تنكر له معارفه.. فقد العمل.. فقد المأوى.. نال منه الإحباط والعجز فانقطع عن أهله.. عرف حائط المستشفى.. ركن إليه فاحتواه.. لم يدر متى تحول إلى سائل.. لا يذكر انه قال  يومًا لله يا محسنين.. لا يذكر انه  قال لأحدهم أعطني مما أعطاك الله.. حاله نطق سائلًا لا لسانه.. تحول هكذا دون أن يدري.. فوجد في عطاء المارة مُتكئًا.. فأحسن الاتكاء عليه.

***

كانت الشمس ترسل خيوطًا ذهبيه آذانًا بالرحيل.. وصوت الطفل يبعث في نفسه الكثير..

ناداه “أنت.. يا ولد”

تلفت الطفل ورجع ينادي بصوت منخفض “لله يا محسنين..”

رماه بحجر صغير مناديًا إياه.. فانتبه إليه هذه المرة وتقدم نحوه سائلًا ” أنا ؟؟! “

“أىانت.. بتقرأ فى المدرسه ؟؟”

أجاب الطفل متذمرًا “شكلى دا بتاع مدارس !!”

“لا شكلك بتاع شحده” أجابه ضاحكًا..

فضحك الطفل “المدرسه صرفها كتير”..

أراد أن يُحاججه.. أن يُحدثه عن العلم.. أن ينهاه عن السؤال.. أراد أن يحكي قصته.. أن يَعِظ فيه ابنًا لا يعلم عنه شيئًا.. تردد صدى كثير من الأحاديث في رأسه.. جميعها تصلح لأن تُصبح جملًا للوعظ.. نظر إلى سبحته الجائلة بين يديه.. ونظر إلى الطفل “ياولدى إشتغل وأسأل الله”..

انحنى رجل أربعيني قربه ملقيًا بقطعة معدنية على الصحن “وانت الله مابتعرفه..”

تردد صدى صوت القطعة التي نزلت مدوية ثم أغشى عليها في داخله وهو يجيب في نبرة ملؤها الحزن “أنا الله بعرفنى..”

ضحك الرجل ساخرًا وأخذ الطفل من يده وتحرك..

إلتفت الطفل إليه.. فكرر العجوز له بحركة الشفاه مشيرًا إلى السماء “إذا سألت فأسأل الله”

***

امتلأت السماء من فوقه بأصوات المآذن.. وبدأت الصورة من أمامه بالاهتزاز مائلة إلى اختفاء.. فأسرع بلملمة ما بعثره من أشياء في المكان.. ارتدى حذاءه وطرفه الاصطناعي.. توسد عصاه.. والتقط شواله..

ثم اختفى في الزحام..

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .