الرئيسية / احدث التدوينات / الكوزموبوليتيّ إدريس محمد علي

الكوزموبوليتيّ إدريس محمد علي

إدريس

بقلم: أحمد شيكاي*

      واثق أنا الآن أنه يقف بطول قامته المعهودة، يُرهب السجَّان والسجن نفسه، يرهب العتمة والحوائط المغطية بأننين الضحايا، وروائح التبغ، وصدأ المحابس. ليس مثل إدريس من يحدّ من حلمه واقعاً مريراً كالزنزانةٍ مثلاً، كيف ترهبه مجرد سياج أوجدها عاجز ما، إدريس حلم فسيح، ووردة نبتت برُغم جدب الصحراء. عندما تغنى بأغنيته الشهيرة “أمشي على قدمي حافياً دون حذاء”، كانت العزيمة تتجلى في أبهى صورها وأشكالها، كان عبوراً واضحاً وقويًّا لكل منقصات الواقع يومها، وهاهو أحسّه الآن في محبسه الانفرادي، يمشي على ذاته دون ساقين، بل على أملين: الوطن الفسيح والحريّة.

      وُلد إدريس محمد علي  في منطقة (قامجيوا) بالساحل الإرتريّ، في منتصف الخمسينيّات من القرن المنصرم، ضمن أسرة كبيرة كان يحتل فيها الرقم السابع والأخير، أبدى منذ نعومة أظافره ميل واضح للموسيقى وشغف بالغناء، لتصبح في ما بعد أهم أدواته النضالية ضد كل ما هو قبيح وسيئ في الحياة، بدءاً من الاستعمار الإثيوبي لإرتريا، ومروراً بذم تناحر قيادات الثورة الإرترية، وتشرذمهم، وتمييز أبناء القيادة على أبناء الجنود، ليحصل أبناء المجموعة الأولى على رغد العيش، بينما الآخرون يموتون من أجل الوطن، لم يكن أمراً سهلاً أن توجِّه النقد لمن يحمل السلاح بيديه، وأنت لا تحمل غير صوتك المعبأ بالأغنيات، لكنه إدريس؛ الشجاعة والإيمان بذاته أبرز ملامحه. كلمات ومفردات أغانيه مختلفة ومميزة عن الكثيرين من الفنانين الذي تغنّوا بلغة التجرايت. يقول العارفين عن لغة (التجرايت) التي تغنى بها إدريس في معظم أغانيه بجانب اللغة العربيّة، في هذا الاختلاف والتميّز، أنها؛ أي لغته، مختلفة تماماً عن غيرها، فإدريس نشأ في منطقة تعتبر التجرايت فيها مختلفة، لغة مميزة لم تخضع لأي تداخل لغويّ يمكن أن يظهر فيها بشكل ما؛ بإعتبار أن اللغات تتأثر بالجوار الثقافي واللغوي، منطقة الساحل كل ما تتاخمه يتحدث التجرايت، برغم أن إرتريا تمتاز بالثراء اللغوي والثقافي؛ إذ تتحدث المجموعات السكّانيّة تسع لغات من ضمنها العربية، وعدد قليل يجيد الأمهرية؛ اللغة التي فرضها المستعمِر الإثيوبي على إرتريا، فلذلك جاءت أغنياته مميزة وثرى في مفرداتها وعمقيّة مقاصدها.  

      إدريس لم يجد المساحة الكافية للتعبير عن الروح الإنفتاحيّة التي تسكنه وتتلبّسه مُذ وعيّه الأول؛ الروح المنفتحة على كل الثقافات والناس والاعراق، الجغرافيا، لكنه طوّعها حسب مساحات واقعه البسيط؛ إذ جمع بين اللغتين: لغة أهله المحليين والعربية، لغة المحيط الأوسع والأكثر انتشاراً، لذلك جاء تتلمذه ورغبته في أن ينهل من الفنان  السوداني الكبير في المنطقة، وأحد الأصوات العالية في رفض الاستعمار: حسن خليفة العطبراوي مترجمة لهذه الرغبة! العطبراوي، يسجّل له  في التاريخ صوته المقاوم، الذي قال فيه “يا غريب يلا لبلدك” وهو ما يقابله صوت إدريس محمد علي (شكناه لكريي إتْ مدرنا، إساتو إبْ إسات نأقسنا) أي؛ من  يضع قدمه في أرضنا نطفئ ناره بالنارِ فيما يتعلق بغازييّ خارجي، و(أي نكافلا) الاغنية الأكثر شهرةً، في إشارة واضحة لرفض أي دعوة لتقسيم ارتريا على أساس طائفي، أو مناطقي، أو ثقافوي! ثم انفكاكه عن كل قيّد تنظيمي وسياسي يربطه بمجموعة ثورية دون الأخرى، وهو ما عرف عنه بوقوفه عند منطقة حياديّة من  الجميع حتى تحررت البلاد التي نادى معظم عمره بتحريرها، هذا الحياد أمتاز بالاّ يخلط بين الانتماء للوطن، والرغبة في تحرره، لكنه كان منتمياً حد الاكتفاء للثورة الارترية، للوطن للحريّة والاستقلال. حينما كان يشعل المسارح بالأغنيات الوطنية الواصلة للقلبِ والضمير، كانت شاحنات الجنود تصطف خلف المسارح، والشباب من المسرح إلى ميدان المعارك ضد المستعمِر دون أن يحدد لهم في أي جبهة يقاتلون: كان يكفيه شرف أنهم يقاتلون من أجل حريّة إرتريا وشعبها؛ وكانت الثورة يومها فُرّق ومجموعات وما زالت!

      الجبهة الشعبية، النظام الحاكم في ارتريا، حينما قنص إدريس محمد علي فقد قُنص شخصاً بارزاً في موقعه، شخص كان واضحاً أنه سيقنص يوماً ما طالما هو بهذا الوضوح والبروز والمجاهرة برأيه، كان مثقفاً عضوياً بين شعبه، مثقفاً مشتبكاً في الحياة اليوميّة، وليس مجرد مغني، أو فنان يطل على شعبه من خلال المنصة والمسرح، بل كانت يديه ملتصقة بطين الارض وناسها، كان قريباً من أحلامهم وآلامهم، كان ثورياً بامتياز؛ الثوريّ الذي لا يهادن حتى في لحظات الاستراحة. فمنذ ديسمبر في العام 2005 هو بين الناس الذين نذر عمره من أجلهم، طبقة المظلوميين والمسحوقيين، الناس التي تتخذ من الحياة هناك مجرد طريق طويل للوصول الى الحياة الحقة، الناس الذين غدرت به الثورة المشتهاة. 

      إدريس اعتقلته الشعبية حتى تحدّ من مده الثوري وتأثيره على الناس هناك، في ارتريا، لم يكن بطل خلقه الاعتقال، بل هو بطل حجَّم الاعتقال من امتداد روحه في الشعب والناس والشباب الناشئين. لكنه، فكرة، ترعرعت وتربت في أذن مستمعيه ومن ثم قلوبهم، هذا الفكرة عبرت الآن بسلام، هي حيث لا يمكن للديكتاتورية أن تصلها؛ أنها في قلوب الشعب والناس، أنها شرارة الثورة وطريقها: الوطن للشعب، الوطن للجميع، مناضلاً عسكرياً ثورياً ومن هو مدنيّ منذ يومه، هذا الوطن واحد موحّد لن تهزمه الديكتاتورية، ولا دعوات التثبيط والانشغال عنه بأشياء أخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*صحفي من إرتريا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة