الرئيسية / احدث التدوينات / المراحل السبعة للعودة إلی الوطن … ومتتالیة الشتات

المراحل السبعة للعودة إلی الوطن … ومتتالیة الشتات

حجي1

البحث عن السؤال بین أکوام الإجابات في روایات الکاتب الأرتری حجي جابر!

      

       عماذا تبحث أیها العائد الی الوطن؟!

      القراءة لحجي جابر تشبه نزهة مجانیة حول جراحک .. رحلة مدفوعة التکالیف الی الوجع الأول .. الذي نتظاهر بنسیانه وتخطیه، فإذا هو یقابلنا الآن بین الحروف، کأننا نسینا أن الطریق دائري، وأن المسارات منه تبدأ والیه تنتهی .. الوطن .. نحن المصابین به وبتناقضاته، تعیدنا إليه الآن هذه الروایات في نزهة مجانیة .. إلا من الألم والدموع ..

         فعماذا تبحث أیها العائد الی الوطن؟

         حجي جابر .. أرتري .. من موالید مدینة مصوع الساحلیة، خرج منها رضیعا تحت القصف الأثیوبي الی مدینة جدة السعودیة، وقضی فیها معظم حیاته، ثم بعد زمن طویل من خروجه من أرتریا قرر في لحظة فارقة العودة إلیها، وهو لا یعرف حتی نشیدها الوطني ! .. فعماذا تبحث أیها العائد الی الوطن؟

         عن الوطن؟!

        عاد إلی أرتریا .. المکان الأول .. الجهة التي ینتمي الیها حقا .. ثم عاد منها محتشدا بکل ما هي محتشده به، مشاعر معقدة وتناقضات جمة أجبرته بأن یکون روائیا لیعبر عنها، ونتیجة لذلک سطر خلال ستة سنوات ثلاثیة روائیة عبرت عن الوطن، التناقضات والشتات .. (روایة سمراویت 2012 .. مرسی فاطمة 2013 .. لعبة المغزل2015) .. فلماذا عاد حجي منذ البدایة؟ .. وعماذا تبحث أیها العائد الی الوطن؟ عن الوطن؟! .. هل السؤال یجاوب نفسه إذا؟! .. أم هو جواب أصلا .. وإذا کان السؤال جوابا .. فما هو سؤاله؟!

        کلنا یحتفظ بمسافة من جرحه، تناقضاته، حقیقته .. والمسافة کما یقول محمود درویش “مثل حدادین ممتازین تصنع من حدید تافه قمرا”! .. لماذا لم یکتفي حجي بهذا القمر البعید، لماذا لم یکتفي وهو القائل: “المسافة کائن مراوغ، یرتدي أقنعة کثیرة، ويصبح لعنة حین ینغرس بیننا وبین ما نرید، لکننا نشتهی قدومه لیریحنا من جرأة القرب ورهقه، ولیمنح قلوبنا فرصة أن تختار دون أن یحکمها عطف أو خوف” .. وهو القائل کذلک عن إحتلال إثیوبیا لأرتریا: “التجارب أثبتت أن أي تعدیل علی خریطة العالم ولو بالقوة قد یکتسب مشروعیة یصبح معها التغیير معقدا جدا” .. أولیس الرحیل من الوطن في سن مبکر والعیش خارجه لعمر کامل هو تعدیل علی خریطة العالم أیضا یصبح معه التغیير معقدا ! .. کیف إستطاع العائد إذا أن یتجرأ ویقترب مقلصا المسافة بینه وبین الوطن؟! .. وهل هو الحنین الخفي الذی یردنا دائما الی أماکننا الأولی؟!

        ثم في البدء کانت سمراویت .. الروایة الأولی .. أوبریت العودة الی المکان الأول .. القطعة الشاعریة التي کتبها لأنه لا یستطیع ألا یکتبها، واضح فیها قلبه الملآن المحتشد بأکثر مما یجب، کفی به هویتان نصف سعودي ونصف أرتري، وکفی بقلبه مدینتان جدة وأسمرا، وکفی بکلمتین تلخبطتا في أبجدیته وتداخلت معانیهما، الذهاب الی أرتریا والعودة الی جدة، فأیهما الذهاب وأیهما العودة؟! .. جاءت سمراویت هکذا واصفة أکبر مظاهر العالم الحالي؛ تشظی الهویات، أسئلة الوطن، مجد الذاکرة علی لسان جدته والتمسک بالحاضر علی لسان أمه والذهاب الی أسمرا علی لسان قلبه وأسئلته الملحاحة، الرغبة والرهبة، الحب والرعب،  منذ أن اکتشف أنه لیس سعودیا وحتی هبط علی أرض وطنه الأول أرتریا، سبع مراحل شکلت عودة الراوي الی الوطن .. فما هي مراحل العودة:

         (الإکتشاف .. حب الإستطلاع .. الإعجاب .. الخیار .. الضرورة .. الرجوع .. الحقیقة)

         أولا .. مرحلة الأکتشاف:

         الشرارة الأولی وبدایة الوعي، حین یکبر الطفل ویعرف أنه لیس سعودیا، بل أجنبیا، “من الغریب أننا حینما نکبر تغیب البصیرة ویشتغل البصر بالظواهر” .. یبدأ أصدقاءه بالنقصان والتغیر .. ویوما بعد یوم یزداد إدراکا لهذا التغیر؛ أنه مواطنا ثانیا، ضیفا عابرا، ولیس صاحب مكان، وهذا الجزء الأول من الإکتشاف، أما الجزء الثانی حین یعرف أنه أرتري ! .. ویتلمس هویته الجدیدة مرعوبا، هكذا یدخل الی محک التشظي؛ فهو الآن لا سعودي ولا أرتري .. “لي وجهان ولي لغتان” .. ولابد أن یتخذ جانبا، والجانب السعودي القریب کان بعیدا ویبعد في کل یوم بسبب ثنائیة الأجنبي والسعودي التي تقابله في شکل مواقف صغیرة، مما دفعه الی الجانب الآخر .. أرتریا .. وأشعل في قلبه حب إستطلاع تجاهها، وتلک هي المرحلة الثانیة: (حب الإستطلاع) .. إذ یبدأ فیها الراوي بفتح باب التعرف علی الوطن الجدید المجهول، دون إندفاع، إذ یبدأ بقبول دعوة صدیقه لحضور حفل في السفارة الأرتریة، ثم تجمعات الأرترتیین والإستماع لونساتهم والتفکر فیها ومحاولة تشکیل صورة للبلد، ثم مع الوقت یصبح أقل رفضا لدعوات صدیقه الأرتري حتی یصبح شبه أساسي في الفعالیات الأرتریة، فتأت المرحلة الثالثة: (مرحلة الإعجاب) و یتنقل فیها من الإعجاب بفکرة الوطن الی الأعجاب بالوطن ذاته .. بعد إعتقاده أنه شکل عنه صورة لا بأس بها .. بلد مناضل، ثار علی الإیطالیین ثم علی الإثیوبیین حتی نال إستقلاله، فتیاته جمیلات، لیس به هذا التحفظ الدیني الشدید کالسعودیة، والأهم أنه لن یکون فیه مواطنا ثانیا ! .. ثم مع اتساع دائرة معارفه ومعرفته عن البلد وکذلک ذاکرة جدته وأحادیثها الدائمة عن أرتریا خصوصا مع تمسکها الأزلي بأمل العودة فتقول أنه لا ینبغي التورط أکثر في عادات وطباع السعودیین، کل ذلک أدی الی تکون فکرة في رأسه .. فکرة الرجوع “أو الذهاب” الی أرتریا، وهذه هي المرحلة الخامسة ؛ (الخیار) .. إذ بدأت فکرة الرجوع کخیار أقرب الی عدم التحقق منه الی التحقق، لکنه مع إستمرار إنغماسه في المجتمع الأرتري في السعودیة وتکاثر الروایات المتناقضة لأصدقائه عن البلد وآراهم السیاسیة ومواقفهم وأحزابهم المختلفة جدا، وحتی الکتب الأرتریة التاریخیة التي وجد أنها شکل من أشکال تصفیة الحسابات وتأریخ المنتصر .. کل ذلک أدی الی تحول رغبة الذهاب الی أرتریا من مرحلة الخیار الی المرحلة الخامسة: (الضرورة) .. فما بین القناعات والآراء الکثیرة کان لابد أن یکون قناعته وروایته الخاصة، وما بین الأخبار الکثیرة والقصص کان لابد أن یری الأشیاء بنفسه، هذا بالإضافة الی الرغبة العاطفیة العارمة والأمنیة بأن یجد وطنا یحتویه، فکانت المرحلة السادسة: (مرحلة الرجوع) .. الی هناک .. تأهب لها أولا بإقناع أمه بالموافقة علی سفره والتي ما إن وافقت الا ودلفت توصیه بالبحث عن جارة قدیمة لها إسمها زودیتو، کذلک تأهب للسفر بمشاهدة القناة الأرتریة وقراءة کتب عن أرتریا، وأمه لا تنفک تکرر جملتها “لا تنس البحث عن زودیتو”، تدسها بین کل جملة وأخری، وکما قال الراوي؛ ربما هکذا تحافظ علی علاقة ما مع الوطن، ربما کلهم یحتفظون بالوطن من خلال الحفاظ علی علاقه بشئ ما فیه؛ جدته مثلا من خلال ذاکرتها وحبها للأغاني الأرتریة القدیمة، أصدقاءه من خلال إنتمائاتهم السیاسیة، أمه من خلال زودیتو، فأي علاقة سیکونها هو مع الوطن؟ .. وأی شئ علیه أن یبحث عنه هناک غیر زودیتو وبیتهم القدیم؟ .. لیزید موظف المطار تشتته حین سأله: “إیش عندک هناک؟!” .. فود لو أعلمه کم هو هناک ممتلئ بالأحلام المؤجلة والأوجاع المکدسة التی تنتظرنا کلحظه برء أخیرة، .. ثم كان السفر .. والاقتراب من الوطن .. “کثیرة هی الأشیاء التي ینبغي البحث عنها في أرتریا، أولها البحث عني، فمجرد أن یتوقف الشتات ستبدأ ملامحي في التشکل” .. فهل سیتوقف هذا الشتات؟

             الرجوع لم یکن سهلا .. تحاصره التوقعات وترمیه بین مسالکها المتشعبة، یخاف أن تعامله أسمرا کمسافر الترانزیت ولا یجد فیها وجهته الأخیرة، یخاف من إنطباعها الأول، ومقولة کالفینو تلح علی رأسه؛ “المدن کالأحلام .. وما یبهرک في مدینة لیس روائعها السبع، بل الجواب الذي تعطیه عن أحد أسئلتک” .. فأي سؤال ستجاوبه أسمرا ؟!

           أسمرا .. شوارعها النظیفة .. شارع کمتشانو .. مرسی فاطمة الذی ینتهي طرفاه بمسجد الخلفاء الراشدین الترکي والکنیسة الإیطالیة .. تجول في أیامه الأولی بین هذه الأشیاء دون أن یعرف عماذا یبحث بالضبط، بحث عن جریدة باللغة العربیة ولم یجدها، بحث عن أشرطة لمحمد ادریس علي فخاف البائع والتفت یمینه وشماله! .. لکنه وسط هذه الحیرة وجد سمراویت .. الفتاة الجمیلة التي أحدثت فجوة في قلبه وامتلاء في المکان .. عرفت نفسها بجملة “أنا فقط سمراویت” .. لکنها أبدا لم تکن فقط کذلک .. بل أراد الکاتب أن یجعلها رمزا من الممکن أن نقول مباشرا للوطن و للعلاقة معه، تبعا للثنائیة المشهورة “الحبیبة والوطن”، سالکا هذا المسلک في روایاته الثلاثة، فسمراویت کانت الفتاة الجمیلة القویة العنیدة التي وقع في حبها أثناء بحثه عن الوطن، کأنه وجد علاقته الخاصة بالوطن وشیئه الخاص به .. مثلما أمه لدیها زودیتو ومثلما جدته لدیه ذاکرتها وصوت محمد إدريس ومثلما أصدقائه لدیهم إنتمائاتهم السیاسیة .. هو لدیه الآن “سمراویت” .. رغم أنه لم یکون بعد روایته الخاصة عن تاریخ أرتریا والصح والخطأ لکنه یملک الآن سمراویت .. رغم أنه وجد عشرات الحکایات المتناقضة في الوطن ولم یزدد إلا حیرة وتشتتا لکنه وجد سمراویت .. رغم أن نظافة الشوارع کان خلفها فعل إجباری و رغم الضرائب المتشددة ورغم أن الوطن لم یتعرف علیه ولم یعطه رقم هاتف حتی لکنه أعطاه سمراویت! .. رغم أنه لم یجد سوی الخیبة في وجوه الناس، سوی التاریخ الجمیل والحاضر الضائع، لم یجد سوی الدکتاتور یتحکم فی کل شئ لکنه وجد سمراویت .. لم یجد مصوع التی یشتهي، لم یجد زودیتو رغم ابتهالات أمه، لکنه وجد سمراویت .. لکن حتی سمراویت لم تستمر معه سوی لبعض الوقت ثم تتلاشت مثل کل شئ .. هنا یواجه الراوي المرحلة الأخیرة من مرحلة العودة الی الوطن: (مرحلة الحقیقة) .. مرحله مواجهة الوطن بتناقضاته وقصصه وخیباته، مرحلة الأسی، ويتسآل .. هل صار الوطن مثل کل هذه الأشیاء السابقة .. شیئا طارئا ؟!

           ثم أتت الروایة التالیة .. (مرسی فاطمة) .. إختفت منها شاعریة سمراویت لتأت کبکائیة وتحسر علی وضع أرتریا الحالي، بعد تبحر الکاتب فیه، فقد قال أنه کتبها بمزاج ناقم علی الوضع، فکانت عن رحلة الأرتریین الطویلة للهروب من الوطن والدیار التي لم تعد تنتمي لهم، وعن عصابات الإتجار بالبشر ومخیمات اللجوء والشتات الذي لا تنتهي، لذلک جاءت البدایة تحمل الجمله الآتیة: “الوطن کذبة بیضاء یروج لها البعض دون الشعور بالذنب ویتلقفها آخرون دون الشعور بالخدیعة” ! ..

لکن رغم هذه الحیرة والخيبة والتشتت لم یکن قد فقد الأمل تماما بالوطن وإیجاده .. فالروایة کانت عبارة عن رحلة بحث الراوي عن حبیبة تدعي “سلمی”، إلتقاها یوما في مرسی فاطمة ثم اختفت، وکما أسلفت الذکر فالحبیبة في روایات حجي هي رمز للوطن ولحبه السري والعمیق له .. فنحن لا نستطیع تشریح الحب أو شرحه، لکننا نستطیع أن نشبهه بحب آخر، فنقرب الفهم، لذلک نربط حب الوطن والحبیبة، ولذلک الراوي بینما یبحث فی روایة مرسی فاطمة عن حبیبته يبحث فیها عن الوطن .. ولذلک یقول فیها: “المرأة کما الوطن، حین لا تأت تضاعف من وجع الإنتظار” .. وهذه کانت أول المراحل الخمسة للبحث عن الوطن في هذه الروایة ..والمراحل هي:

         (الحب .. المخاطرة .. الحیرة .. الخیبة والإنهزام .. الحب مجددا)

         الحب هو الأول .. وهو أتم الإیمان بالأشیاء .. یأتي لأسبابه المعقدة واللا منطقیة أحیانا، لکنک لا تملک سوی الإذعان له وطاعته .. کذلک وقع الراوي فی حب الوطن “أو الحبیبة”، ولهذا سیتجرأ الی المرحلة الثانیة من مراحل البحث عن الوطن؛ (المخاطرة) .. وهي بالإنضمام الحر الی معسکر الخدمة الوطنیة “ساوا” لحاقا بحبیبته! .. رغم أنه معفي من الخدمة الوطنیة، لذلک سأله الحراس باستغراب “هل أنت سکران؟!” .. فقال لهم: “لست سکرانا ولا مجنون، أنا مواطن، أرید تأدیة الخدمة الوطنیة” .. لکنه لم یجد حبیبته هناک “ولا حتی الوطن” .. بل وجد المزید من الألم والشتات وحکایات الظلم والقهر التي کرهته أكثر في الوطن، جنود مقهورین، شباب یأتون بهم الی هنا لکسر إرادتهم وتعویدهم علی الطاعة والتبعیة، والوطن لیس سوی کل ما یأمر به الضابط الأعلی، ولم یکن هذا هو الوطن الذي یبحث عنه، لذلک هرب من المعسکر حین أتاه خبر أن حبیبته من الممکن أن تکون قد هربت الی السودان، فکانت المحطة التالیة أنه قبض من قبل الشفتا مهربي البشر في الحدود السودانية، والمحطة التي بعدها کانت معسکر بشائر للاجئین لیتزود من کلا المحطتین بقصص التشتت والهجرة والهروب من الوطن الذي لم یزدهم إلا ظلما، فکانت المرحلة الثالثة: (مرحلة الحیرة) .. التشظي والشتات الأعظم بین کل هذه الحکایات المحزنة” وهنا أیقن بالمقولة القائلة: (لا تستند کثیرا الی ماضیک، إلم یکن لک حاضر مماثل فکل ذلک لا معنی له) .. لیصل تماما لمرحله (الخیبة والإنهزام) .. ویفقد الأمل في إیجاد حبیبته “وکذلک الوطن”، فیقبل بعرض الطبیبة الإیطالیة للسفر معها الی إیطالیا وبدء حیاة جدیدة، ثم حین یأت الوقت یصعد الی الحافلة، ثم تهاجمه الذاکرة والمقولة التي قالتها له سلمی مرة عن دروس الکشافة؛ “إذا افترقنا لأي ظرف طارئ فلنعد الی آخر نقطة جمعتنا” .. حینها نهض عن مکانه کالملدوغ، ونزل من الحافلة قائلا: “لن أذهب معکم .. سأعود الی مرسی فاطمة” .. مرسى فاطمة .. حیث لاقی حبیبته أول مرة وآخر مرة کذلک .. وحینها تأت المرحلة الأخیرة للبحث عن الوطن فی هذه الروایة وهي نفس المرحلة الأولی .. (الحب مجددا) .. فکل المسارات دائریة، وکل شئ سیعاود المرور بمساره الذی سلکه أول مرة، الوطن وحبیبته، لذلک عاد الراوي الی مرسی فاطمة والی الحب مجددا .. فالحب تبدأ منه کل المسارات وإلیه تنتهي ..

              الروایة الثالثة .. (لعبة المغزل) .. أتت مختلفة عن الروایتین السابقتین في شکلها، فأولا اختفی الراوی “کأنه ما زال منتظرا الحیوات الدائریة في مرسی فاطمة” .. بینما جاء السرد في هذه الروایة في شکل أشرطة تتحدث فیهن فتاة عن نفسها کأنها شخص آخر، لذلک من باب رمزیة الوطن والحبیبة یمکننا القول أنه الوطن یتحدث عن نفسه! .. ویبحث عن نفسه بنفسه وسط الحکایات .. لذلك سميت لعبة المغزل .. لعبة الحکایات المتشابکة المتناقضة .. والقصة عبارة عن فتاة جمیلة تعمل في مصلحة الوثائق في طبع وتنصیف الوثائق وتخزینها، فیدفعها عملها الممل الی العبث بالوثائق وإعادة کتابة القصص التي بداخلها وتغییرها، وأيضا الإطلاع علی وثائق أشد أهمیة وخطورة، ثم الإکتشاف أنها معدلة سلفا من أیدي خفیة، بمعنی أن هناک من یعبث بتاریخ الوطن وبحکایاته علی هواه، لتکتشف اللعبة الکبیرة التي أدخلت نفسها فیها .. حکایات متناقضة عن الوطن” کذب وتزویر وتعدیل .. إحتارت .. کأنه الوطن ینظر لنفسه بین الحکایات المختلفة هکذا ولا یجدها .. أي الحکایات صحیحة وأیها خاطئة؟! .. أیهم الوطني وأیهم العدو؟! .. قصة المطرب الذي کان رمزا للثورة ثم بعد الإستقلال سجن لأسباب غیر معروفة .. قصة المرأة الأرترية التي عملت مع الأثیوبیین في رمي الحلوی المسممة في القری الأرتریة بسبب إغتصابها في یوم ما من قبل الثوریین بعد أن إستضافتهم في بیتها .. القداسة التي إکتسبها الثوار وفعلو باسمها الأفاعیل في بني وطنهم وخصوصا بعد الإستقلال وحکومة الدکتاتور .. قصة الدکتاتور ذاته الذي عدل حکایته لوحده قبل أن یبعثها لمصلحة الوثائق .. قصص الحروب الأهلیة الکثیرة التي شکلت عشرین سنة من الثلاثین سنة للإستعمار الأثیوبي .. “أي أن الإستقلال تأخر عشرین سنة” .. فتبدو هذه الروایة کسیرة مختصرة للشتات الأرتري، وکنتیجة للروایات السابقتین، وما اکتشفه من حکایات وحفریات في مسألة الوطن .. لیأت الشتات هنا کثلاث مراحل:

          – مرحل إيجاد الوطن أو تکوینه أو الرجوع إلیه أو طرد المستعمر منه، کل هذه هي أشکال من المرحلة الأولی للشتات والتي عبرت عنه الروایة الأولی “سمراویت” ..

           – المرحلة الثانیة هي البحث في هذا الوطن عن الوطن، أو تأهیله لیصبح وطنا، والتي عبرت عنه الروایة الثانیة “مرسی فاطمة”

         – أما المرحلة الثالثة للشتات فهي الشتات نفسه .. مرحلة تضییع الوطن وفقدان الأمل فیه .. والحیرة بین أوجهه الکثیرة .. وهي التي تعبر عنها “لعبة المغزل” .. خصوصا مع نهایة الروایة الغریبة والذي یتبین فیها أن الراویة هي فتاة قبیحة الشکل ولیس کما تدعي أنها جمیلة، مما یطرح سؤالا أساسیا؛

          هل الوطن شئ قبیح وکذبة فعلا یحاول أن یتجمل بالحکایات؟! .. أم هو شئ جمیل محاط بالدروب الوعرة والأیادي الأنانیة السیئة؟! ..

         وهل الشتات هنا هو متتالیة تنزلق نحوها کل المراحل! .. متتالیة ریاضیة طبیعیة ولابد من حصولها .. فهناک سبع مراحل للعودة للوطن، وخمس مراحل للبحث عنه، وثلاث مراحل لتضییعه ! .. کل مرة ننقص عددین فتبدأ مرحلة حتی نصل الشتات .. هل کلما اتسع الشتات قلت الطرق والإحتمالات؟! .. وماذا بعد مراحل الشتات الثالثة .. ماذا لو نقصنا إثنین من ثلاثة! .. کیف ستستمر المتتالیة؟ وما المرحلة الجدیده التي ستبدأ؟! .. وهي المرحلة التي ستتکون من خیار واحد فقط! .. هل یکون “الأمل” .. ربما هو الأمل فعلا .. فالأمل لا یحتاج لمراحل أخری معه .. الأمل یأتي وحده دائما .. ربما مازال الراوي هناک منتظرا للوطن والحبیبة .. واقفا في مرسی فاطمة .. حیث تبدأ کل المسارات وإلیه تنتهي ..

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .