الرئيسية / احدث التدوينات / تراتيل الصحابة*… زنازين الغفاري

تراتيل الصحابة*… زنازين الغفاري

FB_IMG_1453491938153

      مقعد للحزن، لوحة للغياب، وقصيدة لشاعر بلغ سن الحكمة في العشرين. سافر في الحاضر بإمكانيات الماضي، حين كان هو الضجة التي في المستقبل البعيد. مل العلانية الهامسة، وأجاد التخفي دون حوجة لهروب، ولأننا برفقة رجل أفاض نيل الشعر شعوراً باليأس والأمل المتوتر، ها نحن نفتش عن ضحكة تلقائية تظهر مقدار الألم الذي ينتابنا عندما نصادف فجأة صدقه المنفلت، وعواصفه الهادئة، في غابة الحرف، حيث تداخلت مواقفه الصاخبة، في حوار هادئ مع النفس، وارتباط وثيق مع المبادئ، وتعلق بوطنية صارخة، يقودها انتماء واضح للأرض المتعبة، والشعوب النازفة.

إلهي…

أحيني اهـٍ…

وأمتني اشتراكياً…

واحشرني على دين الكفاف!!

اخلع جراحك لا تمل

وارفع صلاة الاحتجاج بلا وجل

وارفع يمينك باليسار هويً وقل

للكانزين رحيق دمك – على البسيطة – أننا شركاء

نحن الكادحون تجلياً في الماء والكلأ المباح

      في معمعة البحث خارج الزمان، مارس فينا عملية التنقيب في مناجم الأحاجي الشاردة من المكان، المتمردة على الأفكار التقليدية، ومن ثم استلهم الحقيقة من قلب الضباب الذي في المرايا.

توكل بالذي في القلب

وانتبذ المسافة والحدود

صدقت نبوءتك

ابتليت بنا

لم نورد إليك سوي الوعود

كم كنت في دمنا

وفي غدنا

وفي العصب المجمر

في ارتعاشات الرعود

كم كنت هطّالاً

كأن على يديك العشق مكيالاً

فبايعناك اهـَ

كم أضعناك ابتذالاً

واختزلنا صوتك الممدود فينا

اعتزالا للردود

      كان الإرهاق والتوتر ملازمان لقصيدته اليومية، ودفتره المتقد، لتحرير الدمع والشك والوطن، وذلك استعداداً منه للقيد المتمركز في الجرح القادم من أعلى طريق الحياة، الملمع بالشوك والألغام، فكان لابد من إتكاءة قبل أن ينزاح الستار عن مشهد هو للألم أكثر منه للورد، وللانفعال دون هتاف، وللانتصار دون معركة وسيف، ومن ذاك المقام، غنى للفقر والخبز، مذ كان حبة قمح، ونادى لانكسار الخوف فينا، دون أف، أو تململ.

الأرض ظامئة لخطوك

والجبال بلغن شأواً

من تنزّل كاحليك لها

وجمهرة النساء جلون زينتهن

وسيّرن العروسة بالزغاريد الطوال

الكل يخرج من دواخله ويشدو

بالتي في القلب

يا وطني

تغني

للذين تعفروا

في راحتيك وبايعوك بأن لا

إلا التوهج في ترابك

أو رضابك

أو كتابك

أو على دين البنفسج شاطروك

الجُرح

والخبز النقيّ

وكرنفالات النضال

      عمل بقوة ليحافظ على الاتزان النفسي للنص، فحين كان للأوجاع كرسياً في قصيدته، صنع للنهاية سريراً من التباشير والزغاريد، في لحظة تفاؤلية، وفرضية تدعمها العافية، والطمأنينة، استدعى فتاة الحقل كي تقيم لنا كرنفالاً تتصبب الشوارع فيه عرقاً، وتنتشي بفعل الجماهير العريضة.

يا قادمة

برّي تحية عاشقيك

وكابري جهراً شراهة كانزيك

واشهري صوت الغفاري يا صبية

ما اتيناك فرادي

كي نرد الصاع صاعاً

إنما جئناك جمهرة … وساعة

كي نقيم الأرض عرساً للجميع

وزفة المأوى لأولاد الحلال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تراتيل الصحابة: قصيدة للشاعر السوداني أبو ذر الغفاري

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان