تداعي ظاعِن*

1235

“عُدَّ. مفرِّغٌ أنا جيوبَ الصِّفْر من كُسَارةِ الأرقام. الأعداءُ قساةٌ كالأساطير أيها البلدُ. لا أريد أرضاً بعد الآن. لا أريد سماءً فوقي بعد الآن. أوقفْ قلبي على قدميه. أوقفِ الطُّرُقَ المغمى عليها على أقدامها. أوقفِ النزوحَ من الوقتِ إلى ما لا يعرفه الوقتُ. أوقفْ خصومةَ التراب للترابِ، وشِجارَ الحدائق”.

سليم بركات

      تتحرك الجدة، فتتحرك الخواطر في أفضِيتها الشاسعة عبر طُرق الأطياف المشْوّكة، وتطوف العواطف بجنون في ساحات الضجر والوحدة، تلعن وحدتها والذباب العنيد على المنضدة الصغيرة التي تلازمها كالصديق، قبل أن تجرجر خطى اليأس نحو مغارة الطعام؛ ترفع صحن إطعام قطها الهرم، وتعدل من استقامة المكنسة اليائسة على كتف الحائط ثم تدلف؛ ثمة صحاف مرصوصة كيفما اتفق، علب لبن مجفف فارغة، تجلس في صف مثل ذكرياتها المنسِيّة، ترقد بداخلها الأغراض الأكثر أهمية، حبُ الشاي، السُّكر، الكمون، القُرنفل، الشيح والهبهان اللذان لا يُشرب الشاي بدونهما، القهوة بزوجيها القِرفة والزنجبيل، ووصفات عشبية تخصها وحدها، تخرج علبة الثقاب لتشعل لهب الموقد؛ يتحرك “ضب” متعجل بين ثنايا كراكييب الأغراض في الركن الشمالي الشرقي مع نزول “ود ابرق” بعشيقته على النافذة الضيقة، تركب الجدة قطار التداعي هرباً من خبث العاشقَين الذي يذكّرها بليالي الصبا على متن القوافل عبر ربى الفرقان والبوادي، تسقط الجدة في الفخ عندما تبالغ في التجنب؛ نيران “الظعينة” أُوقدت توا في تلك الليلة المليئة بالماء والترحال، الهوادج مازالت على ظهور جِمالها، والحيران تستجدي أمهاتها رضاعة أجلتها الرحلة الطويلة وعواصف الأمطار، رغي مهلك للنوق التي فقدت ولدانها في أخاديد وادي “أزوم” ورغي أكثر هلعا وزبد للأتلاب* ذات صِنان البول عندما صاح العمدة “مسار” بصوته الجهور من على دراه*:

      – يافانطي … فاطني أمبلموت* طرشة إتي؟.

     يأتيها صوت العمدة كالرعد الذي يكشف برقه ظلمة أمهات أشجار الصحب والحراز حولها، تتحرك برشاقة البدويات بعد أن خطفت غطاء رأسها لتقف بجوار عنقريبه ذا مسجل الناشيونال الضاج بصوت الهداي “ود الفكي”؛ تقترب أكثر عندما تهدأ ضجة ود الفكي المتضامنة مع لهب النار الرطبة، تجلس على طرف العنقريب حين يكون صوت زوجها أكثر حكمة وارتخاء “البنية أنطيناها لي ول أبوها” ثم سيل من الحكم والأمثال البدوية مع وميض البرق ولهب نار الحطب التعبة. تسترق” البنية” السمع من وراء نارها التي تقلي مياه العصيدة، تحرقها روحها المعذبة بكبرياء النضوج، تتوه ما بين الفرح والخيلاء، تستعيد صورته في ساحة الرقص، جلبابه الأبيض الناصع، قبعته الجالسة على رأسه بفخر، تسرها تلك الثقة قبل أن يزودها حياءها عن الرعي بأغنام إبليس، فتواري مبسمها بطرحتها خجلاً.

      الأيام الماجنة تخطفها، وتنهب بها الزمن برجة جنونية، تعصف بها رياح الوقت، تنثني لها طويلاً قبل أن ترحل لتتركها في صحراء وحدتها هذه، تضع القدر على لهب الغاز بعد أن قطّعت البصل بعينين تبكي القَدر، وليس حرارته، الزيت له صوت الضجة التي تمور في رأسها الهرمة، قلّبت الليالي دون هدى إلى أن استقرت بالليلة البهيجة، صوت نقارة القيدومة يضج بغنائها الخفيف

فرسه حدية حايمة

عروسه جدية نايمة

      الصخب والعويل يمنح خيمة البروش ذات المرايا قداسة دير، تبتسم مع المرايا لكلماته البدوية التي لا تناسب ما يحاول التعبير عنه في ليلة الميلاد الثاني، ميقات اكتشاف اللذة وعبق “الخُمرة” من بين ثنايا ثوب “القرمصيص”، خارج الخيمة؛ سوح مظلمة للسنجك والعريج* – يتنازع وصياحها الفضاء الغابة – محتفلة ببنت العمدة. تتدارك القِدر الذي يئن فوق شعلة الموقد تنزل طبختها اليائسة، الوحدة هي أن تتقاذفك الأحداث عبر أزقة الذكريات؛ يطير العاشقان هلعاً من ارتباكها الذي كسر أحد الصحون؛ يموء القط ليذكرها بوجوده في فضاء وحدتها، تضع مائدتها منزوعة الاشتهاء على المنضدة الصديقة، وتفتح التلفاز لتمر مشاهده الباهتة ببرود الأجانب، تتفرس الجدة سنينها الطويلة في صورتها المعلقة على حائط صالونها الواسع، امرأة شامخة في لباس ناصع، تمسك المقص بأحكام يظهر كفاءتها، تمر صور باهتة لأطباء أشادوا بها، صديقتها الملحاحة التي جعلت ذلك ممكن، تسمع: “يا بِطْمي* أنا يين والدكترة يين”.

      دوامات لانهائية من التداعي، سحبٌ تنخشع عن أيام مدرسة التمريض، قبل مدرسة التمريض، كورس الإسعاف الأولي، ورش التطوع عند حالات الطوارئ؛ ثم أخيراً يأتي الخبر اليقين: “يا يمة عادي والله أنا بعرف كم واحدة يوم ما دخلت مدرسة، وهسي ياهن يا يمة سسترات ليهن شنّة ورنّة”. تلتفت إلى صورة الصديقة المعلقة بالجانب الأخر لتقرأ أرق سنين الدراسة بالتلقين واندهاش المدربين، تزفر عليها بـ “الرحمة والسكنية”، مكفكفة دمع الوفاء؛ يمورون وراء شاشتهم البلهاء، صراخ وعويل لأزمات لن تنتهي، كل ذلك لا يعنيها، فالتلفاز ليس سوى صديق لجوج لابُد منه، تتكئ الجدة على الأريكة بعد أن يئست من كسر إضراب الحلقوم، تتخطفها خيول التداعي، تنهب بها المسافات، تعترضها غاباتٍ كثيفةٍ، مليئة بقطعان الإبل والضأن، تتخلص منها ببعض أشواك على القلب، تنهب خيول العذاب أزمان عنيدة، قبل أن تقذفها لاهثة على وقت المرام، تجتر لوحدها سنيناً طويلةً من الفرح ،ثم سني الفجع المبين، القدر لا يطرق أبواب القلوب، بل يدفعها ويخطف منها الجواهر، ثم يورثنا العذاب الساهد، سبع وتسعون ليلة تمر دون لقاء للجفون، وكيف يكون اللقاء وقد رحل كحلها!، سبع وتسعون من مطر الدموع الصيفي مع الظعن الجائل قبل أن ترميها الفواجع بأرض الوحدة الأبدية.

      تتأقلم مع الوضع، مثل أي حرباء أسقطتها العواصف بأرض غريبة؛ يموء القط بشجاعة عمال النقابات، ترفع صحافها البائرة، وهي تضيف “حليلك يا رفيق الروح”، تنهمر عيناها بلوعة العشق الصادق، تهرع إلى مسكن ألآمها السرطانية بعد إطعام القط، إلبوم صور الأحفاد، صورة لصغيرها وهو يداعب كلبه، أخرى لأخته وهي ساهمة تتفرس مجلة رسومات، أمهم وهي تبتسم، تتحرك اليد مع الابتسامات الجامدة، تنزل الدموع الثخينة، يرتجف الوجدان، تتقاطع دوائر البؤس في الفضاء، المرء يولد وحيدا ثم يشكو الوحدة!، تتهادى من أقاصي الذاكرة أصوات حلقة “العريج “بأغنية الرثاء الأبدي 

الجاموس الصِبَيّ

يا حِلو مالا جفيت علي!

حي و واي الفُرقة دِي حارة لَيّ

      تبكي الجدة بحرقة المكلومات، مزيداً من التداعي، مزيداً من الألم، الوحدة، الضجر، تمسح عينيها بحرمان يتيم ثم تتشهد وتستغفر ربها، يرن جوالها الأخرس بنغمته التي تفتقر أبداً للبشارات السارة، ترد ببرود من يتوقع اتصال خاطئ ليأتيها الصوت الذي لا يُنتظر

      – هلو أيا معاك أحمد 

      – أحمد!، حليلك يا “كحل الشيخات”؛ كيف عيالك؟

      – كويسين والله أمي؛ بكرة إن شاء الله أنا وعثمان وخديجة ومريم نازين السودان بطيارة المساء، ومعانا الأولاد وناس هادية وحسون كمان قالو نازين بعد أسبوعين.


هوامش:

– أتلاب: جمع تِلب، وهو فحل الإبل.  

– الدرا: مكان للسمر و استقبال الضيوف عند الرحل، وهو بمثابة صالون للفريق.   

– أمبلموت: عليك الموت؛ دعوة يطلقها البدوي للتعبير عن غضبه، أو عند ضيق ذرعه بأحدهم. 

– السنجك، العريج: رقصات بدوية جماعية، تعتمد على التصفيق؛ للمزيد ابحث عن الاسم على موقع اليوتيوب.  

– بطمي، يين: بنت أمي، أين.

* القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة في دورتها التاسعة (2016-2017).

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان