الرئيسية / احدث التدوينات / تنقيب في ذاكرة عبد الجليل

تنقيب في ذاكرة عبد الجليل

ad_1374670006_224

     ” السؤال الذي يمس الروح ويعبث بالجسد في الان نفسه متاهة مرعبة، عدم القدرة على إيجاد إجابة مأزق أكثر رعب!” ماذا حدث؟ يجلس متقرفص يتأرجح جيئة وذهابا، كسنبلة تتلاعب بها الريح تلاعبت به الهواجس، يهتز وجهه بعنف وتوتر قلب أم تنتظر خبر من غرفة يستلقى على طاولتها ابنها الوحيد بدماغ مفتوح تعمل فيه مدية طبيب مرتبط اسمه بعمليات فاشلة! يجث على ركبتاه ممساكا جهاز التحكم عن بعد، تبدأ أسطوانة بإصدار صوت ميكانيكي خافت بينما تدور داخل جهاز التشغيل، الصوت ناعم  تنامى إلى سمعه ضجيج صاعق، للحظة أحس بأنه عالق في قلب طاحون غلال عجوز مقيد الأسنان بالصدأ! لم يحتمل، بضغطة واحدة تجاوز موسيقى هادئة مصحوبة ببيانات عن صانع الفيلم وأخرون، تفاصيل ليست تعنيه في شيء الآن! مع حالته تلك كل ما يشغله التحقق! ما يريد، التأكد؟ رغم شعوره بأنه ليس بخير البته! إلا أن ما يتمناه أكثر من الحياة نفسها أن يكون على ما يرام. هاجسه الأوحد، القدرة؟ أن يصبح أي شيء في الوجود أمر يستطيع التعاطي معه، لكن وصمة عاجز مسألة تفوق طاقة الاحتمال.

      بانفعال نصب عيناه بكامل اتساعهما على الشاشة، بحساسية استقبلت أذناه تأوهات لذة، صور عارية بثها الفيلم استخدمها عقله لحقن الأعصاب بالحرارة، لكن الدماغ لم يرسل أي إشارة! يتدحرج المقطع وما يزال البنطال زابل، لم يتحرك ما تحته! عصفت بالذهن احتمالات باتت الأن أقرب إلى اليقين، ارتجف القلب بالظنون، لم ييأس مع أن النتيجة مخيفة، الجسد قال كلمته: “قضي الأمر!” يرفض عقله تقبل الوضع، تماماً كملك اعتاد الطاعة، خسر جولة حاسمة في الحرب، لكنه يأبى ابتلاع الهزيمة، يجهز جنود مساكين، يزج بهم في جولة أخرى خاسرة، يلقون حتفهم، بمجرد أن تصل أشلاء الجنود قلعته يرسل آخرين، يلاقون نفس المصير!

      الحلق جاف، مسدته عبرة حامضة، حفرت ثقب أعاق مرور الهواء فاختنق، تلوت روحه عند طرف أنفه كما أفعي تبدل جلدها، تفصد الجبين بالعرق، انفجرت العيون ينبوع دموع حارة، بلا شعور منه بدأ بكاء مسموع وشخير متقطع، نهض كأن به مس شيطاني، أمسك دليل الهاتف، رنين خافت أثار في القلب خوف مبهم له جذور قديمة، صوت أنثوي ناعم من الجهة الأخرى يقطع الرنين: “صباح الخير… عيادة باريس سان جريمان التناسلية!” دقيقة ونصف كانت كفيلة بأن يحصل على مقابلة مع الطبيب في أقرب وقت، أنهى المكالمة بعد أن دون مواعيده على أجندة كانت أمامه، بصوت متحشرج واهن سأل نفسه: “ماذا يحدث لي؟ أين ضاع انتصابي؟”

      في لجة انفتاح التساؤل، يشرع باب الذاكرة على مصراعيه، تنسل ذكريات من العدم، أحداث عمل بجهد لينساها، استخدم حيل بسيطة وأخرى مركبة لتفاديها، كذب على نفسه مرة وكذبها مرات، عند الأوقات الحالكة يقنع نفسه  بأن تلك الأحداث مجرد أحلام فتى صغير، لسبب أو لآخر اختلطت بالواقع، في أوقات احتدام الصراع كان يتلو المصيبة على وعيه كمأساة صديق لا يتذكره، صديق رحل مع أسرته لبلد بعيد، اخذاً معه الملامح، رغم جهده إلا أن الأحداث تنشط داخل رأسه، هي الذاكرة وخدعها ترسل جنودها وقتما تريد دون أن نملك حيال المعركة سلاح، تنفتح نافذة على الذكرى المريرة المريعة، صوت خرير الماء المتدفق يصل آذانه بوضوح: كان في الخامسة من العمر عندما سأل “خاله” وهما يتشاركان الحمام، لماذا تدلق الماء على الأرض؟ يجيب بمكر مدهون بذرات البصاق المتطاير من فمه: “هكذا أفضل، ما رأيك في لعبة بسيطة سهلة، ستكون سرنا الصغير والخاص، تدفق الماء أهم جزء في اللعبة، لأنه يغطي سرنا، يمنع اكتشافه، تلمع عيناه بينما يطلق عبارة حاسمة: “بدأت اللعبة!”

     كانا عاريين من كل شيء، الطفل عاري الذهن من مهارة التكهن، وعيه الأخضر سهل سقوطه في إيهام خرير الماء، أما خاله فقد كان عاري من قيود الأنا، حراً من الخطاب الجمعي، غارق في “الهو”، يجده كاف لمنح الارتعاش، يعين على التخلص من حمل زائد.

      متخذا وضعية جنين في رحم يرقد في استسلام، كصهارة بركان جن جنونه تتدفق الأحداث في عقله، وضع كلتا يديه فوق أذنيه كأن لحظة انفجار عظيم دنت، لوهلة ظن أن الصوت يأتي من الخارج، لكن هدير خرير الماء لم يتبدد، زاد من قوة يديه، انخفض الصوت فقط ليسمح لآخر بأخذ مكانه في اللحن، سرت في الجسد قشعريرة كتيار ضرب جميع اوصاله، دمعت عيناه تقاوم رياح عاتية تضرب بلا هوادة. الريح الآتية من الخارج نستعين عليها ب ملجأ، لكن أين المفر حين تضرب عواصف الداخل؟ يزداد المشهد قتامة، التجارب المؤلمة هي الأقدر على حجز مكان دائم في رؤوسنا، تنفضح الذكرى أكثر، أصوات لم يظنها ما تزال مختزنة هناك، لكنها الذاكرة معطونة بطين المفاجأة! وتلك خواصها.

      الخال يرتجف، يبصق آهات لم يفهمها طفل الخامسة، ارتعاشات صحبها ماء دبق أصاب الطفل بالغثيان، طقطقات الخرير إذ يلفظ اخر أنفاسه مطرقة ثبتت مسمار احتكاك اللحم باللحم عميقاً في ذاكرة الطفل، منذئذ تفتق ثقب ينفث الألم في روح الصبى حتى اليوم وقد بلغ من العمر الثلاثين.

     الأحداث تتداعى داخل رأسه، أصدر ثلاث صرخات مدوية عل الصوت يتوقف، أو عله يخفت،  بالجدار المقابل اصطدمت واحدة تلو أخرى، سقطت متكسرة، كان صوت الذكريات أقوى، لم يغطيه الصراخ!

     ما تزال الأسطوانة تدور وتدور دون جدوى، كاد يفقد صوابه، مترنحاً بأطراف تتشنج فتح البراد، أخذ زجاجة كانت بالمتناول، صب كامل محتواها في جوفه. تصاعدت غازات الخمر ضاغطة على عقله، تحرر لسانه انفلت يطلق الشتائم، سب “ماري” بألفاظ رخيصة  – حتى أنها لا تستحق أن نذكرها – شتمها وكامل الأسرة إلى جدها الرابع “جيروم”، ووصفهم بالأنجاس الزناة! لعن يوم التقاها، ويوم زار بيتها واصفاً الأول ببداية الكابوس، وسمى يوم الزيارة “المقصلة”، مملوء فمه بالشتائم حذف صورة تجمعه و”جيروم” من هاتفه، ثم سقط في بحر السكر مغشياً عليه، توقفت أصوات الخارج، ونامت الأصوات داخله في هدوء!

     ” ثمة بدايات موجعة وأخرى لطيفة، إنتبه… تلك اللطفية تخبئ وجعاً أكبر!”

“عبد الجليل آدم”

     شيء غامض كان يقوده إليها، احتلت تفكيره، استحوذت عليه تماماً، وقته يتبخر بالتفكير فيها، خياله لم يعد ينتج غير صور تتجلى فيها وحدها، أذناه في غمرة الصمت تلتقط صوتها، في أتون الضجيج ترقص باجترار ذكرى تحية صباحية منها في يوم بارد مثير للتوتر! حالة أشبه بالصعقة الكهربائية تتلبسه حال التقاها، وحين تقابله مبتسمة تلك حالة أخرى، أضحت مركز يدور حوله كل شيء، روحه المترددة، عقله المرتبك، جسده الناحل، أحلامه المعطلة، خياله الماجن، طعامه، منامه، صحوه، يقظته بأحلامها، ادعاءه المتناقض مع ما يدور بخلده، كل شيء يدور عنها، بها وفي فلكها، “فلكها هنا لا تشير بالضرورة إلى جسدها العامر كحديقة، لكن لسبب انفتاح النص على التأويل للجميع الحق في إعطاء الكلمة، أو كامل النص المعنى الذي يروق له”

     قبل ساعات من الآن هاتفته، لم يكن ينتظر مكالمة، مع ذلك كان يمسك الهاتف بيده!

     -هل أنت بخير؟ أنا قلقه عليك، بالأمس لم تكن مبتسما كالعادة.

     -انا بخير، أشتاقك جداً!

     أجابت ضاحكة بمرح:

     – هل ترغب بأن تزور بيتي بعد غد؟

    مبهج! بكل سرور، أجاب بصوت متوتر وحبال صوتية راقصة، تغذيها خيالات طرية لها من العمر شهرين، تاريخ أول لقاء جمعهما، انتهت المحادثة، تمدد على ظهره يردد مقولة بات أكثر يقيناً بمدى حقيقتها: “استثنائيون نحن باجتماع أنبل الخصال فينا!”، وصدق قول الشاعر: “نحن من نفر عمروا الأرض حيثما قطنوا” ابتسامة مرحة خبيثة أشرقت مضيئة شفتيه، أخذ منشفة، توجه إلى حمام بيته الضيق، رغبة منه في الحفاظ على خيالاته طرية لزجة!

     “السبت 5 أغسطس، أول زيارة لمنزل “ماري” التقيتها في حفل قبل شهرين – دون تفاصيل حسب الاتفاق، ما يهم الذروة – كان أجمل الأيام على الإطلاق هذا أقل ما يمكن أن أقول، وقت حافل بالسعادة مشحون بالمرح…”

     ساعة متواصلة قضاها “عبدالجليل” بالتدوين من أجل الأصدقاء، وفاء بعهد قديم – أن يكتب كل منهم تفاصيل تجاربه الحميمة – كان يتوهج مشحون الرأس بالزهو، ثمة ما يلوح في الأفق، زاد من سرعة قلمه رغبة في إنهاء القصة.

     ملحوظة: “أيها الأوغاد مثلتكم بشكل مشرف، برهنت صحة ما يتناقل عنا، نحن المترعون بالقدرة صنعنا للممارسة و… “

     قلق مجهول يعبر رأسه، يتفتق شعور مفاجئ كئيب، يغمض بتركيز ليكتشف ما وراء هذا الانقباض؟ أحداث الليلة الماضية تمانع الظهور، تحجبها سحب من دخان اشعل الخيال بالأمس، ذهابه إلى المطبخ مشهد يعاد كلما حاول اجترار التفاصيل، لماذا؟ “لا يهم لا يهم”. سحب الدخان تنقشع رويداً رويداً، عاد إلى الغرفة، كانت “ماري” خارج الفراش، عارية تنكب على دفتر صغير… يواصل الإغماض يسأل نفسه: ماذا بعد؟ بحركة آلية يضغط على صدغه، تنجلي الذاكرة أكثر، تخرج للحظة فيأخذ دفترها الصغير، كان أبيض إلا سطران اثنان في أول صفحة، يستعرض عقله مشهد يستخدم فيه كاميرا هاتفته “مارى”، مرتجف الأطراف يقرأ جمل قصيرة نافذة: “5 أغسطس، “ماركو”، عملت بنصحك، خضت التجربة، معتداً بنفسه كثيراً اسمه “ادم”، الأمر ليس ممتعاً البتة، ربما لأنه لا يجيد ال… !”. أداة التعريف المنتصبة وحدها في السطر كوت قلبه، بتوق ليعرف ما تعتقد “ماري” أنه لا يجيد، واصل القراءة: “كما آخر مرة تمكنتِ من خداعي هذه المرة أيضاً يا وغدة، لا بأس سوف أردها مضاعفة، قبلاتي “ماري””. يعيد فحص الصورة بحثاً عن الكلمة الضائعة، كل قراءة تضخ وهن أعظم ينخر في الجسد أعمق، ألم أحس به أسفل البطن تضاعف، ببطء يفقد هويته! “هل انا رجل أم امرأة؟”، سؤال ضرب أركان جدار حصين أسسه عبر سنوات يحمي به نفسه، فتح البراد مجدداً، بعد يومين استيقظ في المشفى.

     يصغي الطبيب لشكوى مريضه بينما يحدث نفسه: “يبدو أنها حالة خصاء! لو صدق حدثي فإنها أول حالة اقابلها خارج قاعة الدرس!”، نظر إليه الطبيب وهو يعيد طرح سؤال… لم يجب لأنه ما عاد هنا.

    يتمدد “عبد الجليل” على الفراش خائر العزيمة، كشخص انهكته تجارب تنويم مغناطيسي، علق عينيه على السقف، تبث الذاكرة ما ثبت على جدرانها، طفل في الخامسة يستفسر خاله عن ما حدث، يربت على كتفه بحنو ويجيب: “إنها لعبة، ما رأيك أن نجربها مرة أخرى؟”.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان