الرئيسية / احدث التدوينات / عن نفي التماثل

عن نفي التماثل

2

 

في الفصل الثامن من رواية القضية لكافكا، يدخل جوزيف ك في حوار مع التاجر بلوك و الذي بدوره ينتظر موعدًا مع المحامي كما هو الحال معه، و يخبره التاجر بنوع من التعالي الذي ينتاب المرء حين يبدو أكثر خبرة ممن حوله في أمر ما، بأن الأفكار التي تراود جوزيف ك تكررت عنده حتى صارت من المسلمات. لم يعترض جوزيف ك، فقد كان همه الأول أن يستفهم أكثر عن هذه الأمور(1).

رغم ذلك، لم يوحِ لي كافكا بوجود أي تماثل بين القضيتين و إنما العكس، فلا توجد مساواة هنا للحالة، و إنما إعادة خلق لها و رؤيتها من منظور شخص البطل. تمامًا كمفهوم الصيرورة عند شخصيات كافكا المتحورة (الإنسان- الحشرة في “المسخ”، الإنسان- آلة الإعدام في “في مستعمرة العقاب”) فقضيته ليست الأولى، و رد فعله ليس متفردًا، و مع ذلك هناك نفي للتماثل. اختلاف منظور الشخص للشيء يدل بالضرورة على اختلافه و تفرده. هذه النظرة للإنسان ككينونة بهوية منفصلة عن محيطها العام هو ما يشدني في كتابات كافكا عن الإنسان، بعيدًا عن النزعة الفردية في مقابل الجماعة.

..

في بدايةِ ذات الفصل يذكرنا كافكا على غير مباشرة بأن الإنسان وحيد مهما اختلط بالآخرين، سواءً برغبة منه أو غير ذلك. فنجد جوزيف ك ينحِّي شكوكه ليتخذ ذاك القرار الجريء، كما سينحِّي المحامي ليتخذ قرار تولي مصيره بذاته.

فالصيرورة هنا تمثلت في فعل الانتظار الذي ارتبط بشخصيات كافكا الرئيسية من حيث استمرارية القلق، و عدم الوصول إلى نتيجة قريبة، وهذا الانتظار هو ما أراد البطل إنهاءه. فنجد الراوي هنا يقول: ( و لقد تطلب اتخاذ هذا القرار من ك، في اليوم الذي أراد أن يذهب فيه إلى المحامي، جهدًا كبيرًا. فلم يكن يستطيع أن يعمل إلا ببطء مسرف)(2).

..

في  رواية معاكسة بعنوان (هكذا كانت الوحدة) للكاتب الاسباني خوان خوسيه مياس، نجد أن هناك من يراقب بطلة الرواية- إيلينا- عن بعد، و يكتب لها تقريرًا من وجهة نظر تلك الجهة التي اختارتها بملء إرادتها، بينما في (القضية) يراقبك الجميع من قرب دون أن تعي ذلك جيدًا، و لا يوجد تقرير يمكنك أن تشير إليه بإصبعك يفصح عن وجهة نظر الجهة المجهولة.

كما يتضح التضاد بين الروايتين في تذمر إيلينا جراء طردها من العالم، بينما نرى هنا عملية إقحام جوزيف ك. بقوة إلى ذات العالم.

من جانب آخر نجد تشابها بخلق البطلة لعالم كافكاوي يتطابق مع الشخصية الكافكاوية في (القضية). حيث يبدأ ذلك منذ الاقتباس الافتتاحي للرواية المأخوذ من رواية (المسخ) لكافكا، إذ تتطابق في إشارتها لعدم جدوى بقاء المرء في منطقته الآمنة حيث لا مواجهة لشيء جديد أو خطر يحتاج تكيُّفًا. فغرفة جريجور سامسا المتحول تضمن له الأمان ما دام بقي بها، و كذلك الأمر مع حياة إيلينا قبل بدء تعيين محقق يراقب لها زوجها. تلتقي هذه النقطة مع إشارة التاجر بلوك لجوزيف ك أن لا سبيل لراحة البال إن بقى الإنسان في فراشه. فليس هذا إلا تمديدًا لفعل الانتظار ذاته حتى ينعم المرء براحة مؤقتة في مقابل نسيان كيانه داخل العالم، ثم تبين مدى هشاشة هذا الملجأ (3).

هذا التمدد يتكرر برواية (القضية) في أنواع التبرئة التي تشمل التبرئة الحقيقية، و التبرئة الظاهرية، و الجرجرة. و هكذا يبدو أن الحياة ليست إلا امتدادًا للحظة البعث الأولى من الرِحم حيث لا مناص من التسليم بالحكم النهائي لقضية وجوديتنا(4).

..

على صعيد شخصي و منذ قدومي إلى السودان في زيارة، تنتابني رغبة في الغوص عميقًا في لحظة التيه. فبينما أكون وحدي في أرض جديدة هي بذات الوقت قديمة- كقدم نظام القانون بالرواية- بحكم أنها أرض الوطن، و متجهة إلى مكان ما بواسطة المواصلات العامة أتمنى لو يستمر السائق في القيادة و لا يتوقف. أتمنى أن لا أصل لوجهتي، بل أكون في وضع الاستسلام للمسافة، التي بطولها قد تنتفي حينها الرهبة من الوصول. و هكذا أحاول بتمديد مسافة الطريق أن أنفي لحظة الوصول العدمية. و تتضاعف هذه الرغبة التي تشابه أنواع التبرئة تلك في عدة أمور أخرى حتى لا يعد لفعل الانتظار و ما أنتظره معنى. أجدني أترك ما يحدث يحدث، و أجلس مراقبة- كسلطة القانون- على هامش الحياة.

..

بنهاية الرواية، سألت نفسي كيف كان جوزيف ك قبل القضية؟ و هل كان سيثير انتباهي بذات القدر؟ اعتقدت أني أعرفه جيدًا بحكم وجود تلميحات إلى شخصيته و مكانته الاجتماعية، لكن هذا لم يفصح بما يكفي عنه بعيدًا عن التأثير الخارجي. هنا يتولد سؤال آخر فيم إذا بالإمكان أن تتشكل شخصية الفرد بمنأى عن العالم الخارجي. بالتالي، هل كان سيكون جوزيف ك مرئيًا بدون تلك المراقبة؟ فإيلينا مثلًا لم تحس بوجوديتها إلا بعد أن صارت مراقبة، فهي كانت تحاول أن تنفي ذات الشعور الذي انتاب السيدة دالاوي، أنها غير مرئية و غير معروفة. و هل كانت سخريته تلك في بداية القضية نابعة من جوهره،أم لم تكن سوى ستار يغطي به على قلقه من الاتهام؟ على كل، عرفت أني لن أستطيع التعرف على جوزيف ك إن قابلته يومًا ما صدفة خارج القضية.

هوامش:

(1) القضية، ص231.

(2) القضية، ص217.

(3) القضية، ص235.

(4) القضية، ص210.

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان