الرئيسية / احدث التدوينات / غيبوية السرد….فن السرد والعزلة والموت في أدب غابرييل غارسيا ماركيز (4)

غيبوية السرد….فن السرد والعزلة والموت في أدب غابرييل غارسيا ماركيز (4)

89

يعبر غايريل غارسيا ماركيز عن حبه للحياة قائلًا: / أنا مولع بالحياة، الحياة هي أفضل ما وجد على الإطلاق، بهذا المعنى يبدو لي الموت شيطانًا رهيبًا، إن الموت بالنسبة لي هو النهاية، إنتهاء كل شيء، إنه أكبر مصيدة على الإطلاق/.

يقول رولان بارت في كتابه لذة النص: 
(عندما اقرأ بلذة هذه الجملة، هذه القصة، أو هذه الكلمة، هذا يعني أنها جميعها كتبت بلذة).

العزلة هي ما ضاع عن القلب بالحرقة والألم، والكاتب الذي يشتغل في الكلمات المضيئة، ويخشى الموت هو متمسكٌ بالعزلة ولا يخشاها بل يطوعها ليعيشها وليصفها، والموت هو العزلة بشان الإقبال على الحياة ودفع مشاعيل الإضاءة لبث روح النهارات في جسد تقدم عنه العمر.

سيكون لدي متسع للراحة عندما أموت، وحتى هذا الاحتمال، ليس ضمن مشاريعي في الوقت الراهن غابريل غارسيا ماركيز.

خطوط ما على بساط خزفي مصنوع من جدائل عذارى نعيم العالم الآخر، فراغ ما ينشأ من على نقطة رقطاء تحت قاع هاوية الخاطر في تلك الخطوط، أشياء متداعية تكثر من كثافة جماعها مع ذاك الفراغ، إستدعاء تغسله الحبكة المنسوجة فيخرج من بين صلبها وترائبها تماسكية الأحاجي الريفية التي رسمت شقًا رتقًا وكفافًا لونيًا فتطلع عن عمد برغبتها الصارمة فلا حاجز يوقفها أو مترس يعيقها أو مضيق يمنعها لولوج ما يسكنها في بينية تلك الخطوط، وهي غيبوبة السرد، أي مشاهدة البحث عن الغيب عن قرب وفي عالم آخر.

/ إنني أرفض أن أخلق أبطالي وأدعهم يتطورون كي يموتوا فقط، إنني لا أخلقهم من أجل هذا الغرض، إنهم يتطورون كي يعيشوا، لكن فجأة يظهر هذا الموت المقيت ويفسد كل شيء / غابريل غارسيا ماركيز عن لسانه يتحدث عن أبطال روايته مائة عام من العزلة.

الوقت لضخ مسيرة السرد في الذهن، لا يحتسب ولا يقاس، للأشياء وقتها في الفناء والغياب، وما لا يتم دمجه فيها يضل عن طريق فقره الذاتي لرؤية المسيرة السردية، التفكيك المضني بداخل هذه المسيرة المتدفقة تكثر فيه العثرات وتسقط عنه بعض التراكيب، الجمل التي تنادت ببطء لتجميع دقيق الأجزاء من فكرة ما أو تصور مفتعل أو واقع على حال رخيم من الإعياء، الآن تناست صميم الفكرة لتجميعها، فعلٌ هو ما يأخذ جل عجاج الذهن ويحرك طاحونة التفكير بداخله، الترابط ما بين سنوات مضت وأخريات قادمات في غيب المسرود من المسيرة وهن على وهن، وهو ما يسمح بزوال الوقت وغروبه.

“ولا يزال ينتابني حتى الآن في أحلامي ذلك الإحساس المنذر بالشر ليلًا، الذي خيم على مجمل طفولتي حتى أرى الفجر يبزغ من خلال الباب المتصدع” غابرييل غارسيا ماركيز عن حياته.

ما يبعثرني هو ما يدق باب على مقبض، ما يحرك جسدًا فوق ملاءة بيضاء ممدودة على سطح فراش منسي، ما يغيرني هو ما يحذفني كطوق العقاب من على رقبة المتغير، ما يأسرني هو ما يفك قيدي حين أكتب، كليّ هناك على الربوة الوحيدة، أعاني رهق الوحدة والبعاد، ولا أستطيع الحياة بلا عقاب، وما يعتريني هو الرعشة الخفيفة حين تصيب أصابعي حمى الحبر والتساؤلات الحبيبة.

الكاتب لا يُنهي روايته أبدًا لكنه يتخلى عنها غابرييل غارسيا ماركيز

فن السرد لدى ماركيز هو إتقان الجلوس خارج الدائرة، هو كيفية التلاعب بالنص وتغريمه بالجرم الكتابي، وهذا النوع من الفنون مربوط بخلفية ماركيز كقارئ وصحفي وكاتب محترف، فن السرد عند غابرييل هو التعرف على التجريب ومحاولة تجاوز النمط الكتابي، هو محاولات تلو محاولة قادمة لتجميع وحبك مكامن نشوء اللكمات وربطها مع معانيها وحلقاتها، وبمثابة بث الحياة في الجسد بعد تشكيله، لا يهتم ماركيز بحشو العبارات بالمعاني الزائفة أو ترديد ما هو محببٌ للقارئ، ماركيز يكتب ليسرد ما يراه جميلًا ويثير حميمية قلبه الدافئ، وينقل الواقع بصورة سحرية ورائعة، وهو ما جعل معظم العالم يعرفه بكاتب الواقعية الساحرة.

“لكن رعبي الحقيقي كان خلف شرفة بلا حواجز خشبية، على بعد ثلاثة أمتار من النافذة: رجل ناضج ووحيد ويرتدي بدلة بيضاء وربطة عنق، داكن البشرة وشعره جاف وأسود يشبه الهنود الحمر، كان يكتب بقلم رصاص على مكتب قديم بين أوراق متراكمة” من عشت لأروي – غابرييل غارسيا ماركيز – مدريد 2002

غابرييل غارسيا ماركيز يهتم وبشدة بكل التفاصيل التي لا يراها إلا هو، ولا أحد غيره يستوعبها أو يفهم كيانها، تفاصيل عميقة ومجيدة غارقة في العزلة الذاتية، الحياة في سردياته تكاد لا تنطق عن حالها ولا تتحدث، النص المسرود يعزز جمال الوصف للأشياء، ووظيفته هي دفعكَ كقارئ للالتفات إلى تفاصيل مأهولة بالحيرة، والحيرة هي ما يقارب عدم الاعتراف بقبول الموت في حالة وجود الإحساس بالأكسجين، وكالمقدرة على التنفس في وسط مائي لا يشبه كيان البشر، الإختناق هو منع الكلمات من التناسل مع غيرها من الأحرف بداخل النص، والسرد هو حالة فكرية مبدعة تساعد الكلمات على التوالد مع غيرها من الكلمات، السرد يفسح المجال في إنجاب المزيد من العبرات والمفردات والجمل النصية، ينشأ النص اليتيم بكل تعقيداته وجمالياته التي تدعو للبت في أمر الحياة وتجاوز عقبة الموت، السرد عند ماركيز هو القصة العظمى التي لم تكتب بعد، هو الحلم بكتابة صفوية باهرة المعنى، هو فن الفرار من العزلة لما بعد مقامها، أي لا يشعر بها أو يستشعرها إلا كاتبنا المميز.

ماركيز يكاد لا يلمسها إلا ليصفها كما يرغب في مشيئته السردية، وقد ينفث فيها بعضًا من ولعه العجيب بدقائق التراكيب والإنشاءات اللغوية، من المفردات الحية ليس لشيء إلا ليعيش فيها ويحياها إلا بنفسه، وهو المبدع نفسه الذي صاغها وكتبها، ثمة أسرار لا تنكشف إلا أمام روح المبدع ذاته، وهو ما يبرع ماركيز في صناعه وخلقه من العدم، وما ميله إلى العزلة إلا لرغبته في إنتاج سرده بصورة أقرب إلى الكمال الوصفي اللغوي.

كنت أعرف بشكل واضح أن الصحافة ليست مهنتي، كنت أريد أن أكون كاتبًا مختلفًا، ولكنني كنت أحاول أن أكون كذلك من خلال تقليدي لكتُّاب آخرين لا علاقة لي بهم ماركيز عن كتابته الصحفية – عشت لأروي.

للأشياء حياتها الخاصة بها وما القضية سوى إيقاظ أرواحها غابرييل غارسيا ماركيز

تعتبر العزلة الموضوع الرئيسي لعدد من أعمال ماركيز، وليس فقط “مئة عام من العزلة” الذي يعتبر من أهم الأعمال في تاريخ اللغة الإسبانية. وحمل خطاب قبوله جائزة نوبل للآداب عام 1982، عنوان “العزلة في أميركا اللاتينية” وقال فيه إن “تفسير واقعنا من أنماط عدة، وليس من خلالنا نحن، يجعلنا فقط نشعر في كل مرة وكأننا غرباء عن عالمنا، ونصبح أقل حرية وأكثر وحدة في كل مرة. مقال عن ماركيز بصحيفة الحياة اللندنية 17/4/2014

ولعل تمسك ماركيز العنيف بالحياة خلف رعبه الشديد من الموت، فالحياة تنبض في ثنايا سطوره، وتشع فيها الضياءات مشرقة وحالمة، وتكاد تشرق فيها الشمس من كل زاوية على النص،  وهو ككاتب مبدع بكل إمكاناته اللغوية والفنية والتقنية المتفردة يجنب شخوصه الروائية الموت حتى تنتصر إرادة الحياة لديهم، وهو ما يصور رغبته في التمتع بهذه الحياة والعيش فيها إلى أقصى حد ممكن.
ماركيز وإن عدنا لتفتيت صفحاته وقراءة مكتوباته بشكل دقيق وأعمق، فسنكتشف أن الموت لا يوجد له مقعد على طاولته السردية، بل ويكاد الموت يختفي في إبداعاته الروائية والقصصية، وهو من أشد المدينين للحروب مهما كانت أسبابها ودوافعها. يعلق ماركيز على هذه القضية قائلا: أنا لا أخلق شخصياتي ليموتوا .. أخلقهم ليعيشوا. ولكن ليس بوسع ماركيز عدم الاعتراف بالموت وعندما يضطر لقتل أحد شخوصه لن يحدث ذلك ككتابة أي مقطع آخر، بل يصاحبه ألمٌ وتعب وشقاء كبيرين لماركيز وقد يستمران لعدة أيام وينعكس ذلك على مجرى حياته اليومي.

 تقول ‘مرسيدس’ زوجة ماركيز بأنه في رواية (لا رسالة لدى الكولونيل) أطلق صراخًا ثم هرب من غرفته شاحبًا مرتعدًا، وعندما سألته عما حدث،  أجاب بإرباك كمن عاد للتو من اقتراف جريمة مروعة  لقد قتلت الكولونيل الآن“، يعلق ماركيز في ذات الرواية، لكن على لسان ساعي البريد بقوله: إن الشيء الوحيد الذي يصل دون خطأ هو الموت’.

ويمكن ملاحظة موقع الموت من موقع الحياة في عناوين رواياته الأكثر شهرة وبروزًا، فالموت يعني عكس الحياة،  فعندما يقول: ‘الحب’ فإنه سيضيف: ‘في زمن الكوليرا، وعندما يقول: أجمل رجل يضيف: غريق، وهكذا: الجنرال .. في متاهة، وقائع موت معلن، مأتم الجدة العظيمة، مائة عام من العزلة،  الساعة الرديئة، الحب وشياطين أخرى.

هنالك ما يعرف بملامح إستراتيجيات ما بعد الحداثة، أو ما يسمى بالميتاسرد Meta fiction حيث ينشأ النص وينعكس على نفسه، بما يخلقه من نشوء حوار داخلي معه. وما ظل ماركيز يدعو له طيلة سنوات أعماله الأولى، هو النمط الحديث من السرد والكتابة بما يطابق مبدأ الميتاسرد، وهو ما قامت له الصحافة وهاج مقامها، وما بدأت تبشر به في العام 1995م عنه حين باشر ماركيز كتابته لبعض المقالات في صحيفة لاتينية كولمبية، وما يقوله ماركيز هو أن كتابته لا تعترف بالحدود الجغرافية لأي نوع من الأدب، وإنما هي كتابة روحية سماوية لكنها مغلفة بأطواق من السحر الواقعي، بعيدًا عن المغالاة في التهريج وشحن النصوص بالأوصاف غير المرغوب فيها فتصاب بالكساد والخبول، وبالكاد تخرج عن نطاق المنطوق مسبقًا إلى منظومة إلغاء الحدود وكسر رتابة النصوص الإبداعية في فن السرد.

أن ماركيز يقودنا في رواياته وقصصه القصيرة إلى ذلك المكان الغريب الذي تلتقي فيه الأسطورة والواقعالأكاديمية الملكية السويدية عن غارسيا ماركيز عند منحه جائزة نوبل في عام 1982

ومن زاويتي كقارئ لماركيز، فإنه ليس باليسر العثور على كاتب حي متعلق بالحياة على قدر الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز.

/لا أحد يموت سعيدًا حتى أن معظم الناس لا يموتون وقد استبد بهم الغضب والاستياء واستاءوا أشد الاستياء لكونهم يجب أن يموتوا، وقد تبينت لي دائمًا الحقيقة التالية عندما يموت إنسان عزيز فإن الشعور الرئيسي الذي يحس به أهل المتوفي هو شعور الغضب والاستياء إذ أن موت إنسان هو خسارة لا يمكن تعويضها إطلاقًا /غابرييل غارسيا ماركيز عن مائة عام من العزلة.

وقد حققت العزلة لماركيز الخلود والهروب من الموت في نصوصه السردية الواقعية الساحرة.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان