الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: هوج النيازك … محاولة لاقتلاع الأحلام من فك الأمواج الشرسة

قراءات: هوج النيازك … محاولة لاقتلاع الأحلام من فك الأمواج الشرسة

هوج النيازك

    

      تفتح هذه الرواية لكاتبها مهند رجب الدابي باباً واسعاً من التأملات حول الحياة والموت، وذلك بتفاصيلها الإنسانية التي تتناول أحلام المهاجرين الذين يبحرون بقارب إلى القارة الأوروبية، بحثاً عن حياة حقيقية لم تمنحها لهم أوطانهم!.

     من الناحية الشكلية تتكون الرواية من قسمين، كل قسم يندرج تحته عدد من العناوين، فالأول يحتوي على 14 عنوان، والثاني على 9 عناوين. وهذه العناوين بعضها يتعلق بمضمونها، وبعضها أحس بأنه ليس لديها ارتباط وثيق بمحتواها من أحداث. وقد جاءت افتتاحية الرواية متضمنة تهيئة لجو الرواية العام (البحر)، بصيغة شاعرية تحتوي على الخطوط العريضة لها.

     يكمنني أن أقسم الرواية من ناحية اسلوب إلى جزئيين أولهما يحمل تعليقات الراوي، والتي أدرجها تحت بند الخواطر، وهي بلا شك مرتبطة بالجزء الثاني (الحدث) الذي يكون بعدها، أو قبلها، حيث تسير في موازاة مع القصص التي وزعها الكاتب بذكاء على طول الرواية. وهذه التقنية، أي تعليقات الخواطر التي تكون للراوي من غير أي تذييل لإحدى الشخصيات، أجدها في القسم الأول للرواية تسرب الملل إلى نفسي، بحيث أنني كقارئ أود الحصول على اكبر عدد من التفاصيل القصصية التي تحدث في القارب، لكنها كانت في نظري ذات تأثير جيد على الشعور في القسم الثاني، بسبب أنه يتضمن القصص الكاملة للشخصيات المذكورة في الرواية، عبر تقنية الاسترجاع، مع موازاة التعقيد الذي مضمونه نهايات رحلة الهجرة والاحلام بغرق القارب. فقد كانت الخواطر ذات تأثير في وصف أحلك اللحظات الإنسانية التي تتشبث بها كل شخصية لتنقذ حياتها من الغرق, مع طفو مشاهد الذاكرة للماضي، وبحنين للغاية يقربني كقارئ من هذه الشخصيات، وتحمل في نفسي معاني التعاطف معها لتشبثهم المميت بالحياة، وهروبهم من بؤس تركوه وراءهم.

    على مستوى الشخصيات، فقد كان (ناجي) هو الشخصية المحورية في الرواية، بسبب أن الراوي وزع قصته متضمنة كل تفاصيلها على طول الرواية، وهذا على عكس باقي الشخصيات التي ضمن معلومات قليلة عنها. وقد كان أكثر الشخصيات رسماً من ناحية نفسية، عبر أحداث الرؤى التي تحدث له في أحلامه, وتمظهر الرسم الذي كان يمارسه برمزية البومة التي أولها ناجي لمعني الخوف, وكذا رسمت العلاقة المتوترة التي كانت بينه وبين والده، وما حدث من تعقيدات إثر ذلك، وهذا هو السبب الرئيسي في الهجرة. فقد كان رسم هذه الشخصية جيداً، ويعبر عن هم يستطيع القارئ لمسه. أما بقية الشخصيات فقد كانت مساعدة في تحريك النص الروائي، وابرزها (جابر) الذي وصف بأنه داعية، ومارس سلطة الدين والعنصرة في القارب، ومن ثم قام بتقسيمه لمؤمنين وكفار!. وأيضاً نجد (آدامو)، والذي كان رمزاً للوحشية، وشخصية مضادة لجابر، بحيث أنهما كان زعيمان في القارب. وفي أحلك لحظات الحياة، في مواجهة الخطر، لا تُنسي هذه العنصرية، سواءاً لصالح الدين، أو القوة. وهنا إحالة ضمنية للراوي بالأنسنة التي تزيل كل الحدود بين البشر، سواءا الدين، أو الهوية، في سبيل ايقونة وحيدة الا وهي الحياة , عبر بؤرة القارب كموازي موضوعي، سار عليه تقاطيع النص راسماً أسئلة عديدة عن معني الحياة/ الموت/ سبب الهجرة/ وغيرها من الأسئلة، والتي ضمنها تحت تقنية تيار الوعي، وأسئلة الذات، والوجود، وأكثر هذه الأسئلة خرجت من شخصية (ناجي)، والقليل من شخصية القائد (عبّاد)، أما بقية الشخصيات فقد كانت موزعة بين (حمزة الصومالي)، و (ناني) التي تحررت من اسرتها الرأسمالية، و (سيف) الأمنجي الذي انقُلب عليه بحبائل السياسة، والحبيبان (اسلام) و(مستو) من الحبشة , وبعض الشخصيات التي لم يكن لها اسم فقط جنسيتها سوري، أثيوبي، وغيرها.

      فلسفة العنوان التي ضمنت في متون الرواية، بحيث أن الغرقى في البحر يذهبون إلى أعلى بلمحة البصر كما النيزك، وهي مفارقة عجيبة بين ( النيزك = للعلو/ والبحر = رمزية للأسفل)، وأنا أحمل شكاً مستبطناً في هذه الفلسفة للعنوان، والتي يمكنني أن أصل إلى مرحلة بعيدة بأنه عنوان لا يحمل أي سمات مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالمعاني والأحداث في الرواية.

      في سياق أحداث الرواية تظهر الثنائية في شخصيات (ناجي/عبّاد)، والتي تتمثل في الهروب من الذكريات، والإشتراك في تسمية البومة، فناجي كان يرسم البومة، وعبّاد قاربه اسمه بومة البحر. وفي شخصيات (جابر / آدامو) زعيما التعنصر في القارب, حيث استغلال الطفلة للنجاة دون البقية, وتوحدهما في هذه الجزئية، رغم خلافهما المؤثر في القارب. مما يمنح قراءة واسعة لتقلب هاتين الشخصيتين، من افقهما الضيق الذي ظهر في بدايات الرواية، إلى  خبثهما عندما يتعلق الأمر بالنجاة في هذه الحياة عبر طفلة صغيرة.

     السرد في هذه الرواية كما قلت حمل تقنية التوازي ما بين الخواطر كتعليقات للراوي، والتي كانت كثيرة للغاية على حساب رواية الحدث المجرد, وكمعالجة ذكية لعدم التلهف والتشويق التي تتضمنه بدايتها، مما يسرب الملل للقارئ، خصوصاً لأنها أصبحت واضحة منذ البداية كقصة مهاجرين في القارب، بتوزيع الأحداث عبر متون النص الروائي, وتصاعدها في القسم الثاني, وتقسيمها لعناوين كثيرة توحي بأن هنالك ما هو قادم.

      وختاماً يمكنني القول بأن موضوع الرواية يستحق النقاش باستفاضة، خاصة أنها تحمل توترات إنسانية تظهر في أحلك اللحظات، كما نجد الأسئلة التي تنبثق من لحظة فارقة بين الحياة والموت، عبر مخاطر البحر وهموم الهجرة.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان