كساد العلم

1

حلت علينا ذكرى 16 أفريل ، ذكرى وفاة الإمام المجدد في الجزائر : عبد الحميد بن باديس ، الذكرى التي جعلناها عيدًا للعلم ، حلت علينا و الناس اليوم أبعد ما يكون عن العلم ، أبعد ما يكون عن معنى العلم ، فحتى الإحتفالات الشكلية التي كانت تقام فيما سبق ، و التي ترفع فيها صورة العلامة ابن باديس –رحمه الله- ، اختفت و لم يعد لها من ظهور !

و هذا إن دل فإنه يدل على ما يمكن أن نطلق عليه : “كساد معنى العلم في الأنفس” ، إذ أن الناس اليوم تراهم مستغنون عن العلم ، و خير مثال على ذلك أن الناس اليوم منصرفون عن العلم إلى الحملات الانتخابية ، و التي تقام و نحن اليوم على أبواب الانتخابات التشريعية في الجزائر … فضلًا عن انفضاض الناس عن العلم نحو الملهيات في سائر الأوقات

و قد يرجع بعض الناس سبب هذا الكساد إلى انتشار الجهل بين الناس ، رغم بعض التناقضات التي تظهر من وراء هذا التبرير ، بالاستناد على المفهوم الشائع للجهل … فإن كان يقصد بالجهل هو قلة المعرفة أو ندرتها ، فإن واقع الحال يخبر بأن غالبية الشعب اليوم متعلم في المدارس الحكومية ، فضلًا عن انتشار أجهزة التواصل و الإعلام ، و التي جعلت الوصول إلى المعلومة أسهل مما سبق … ثم إن علاج الجهل و بهذا الشكل ، يكون بمجرد نشر المعلومة ، و ما أسهل هذا في زماننا هذا …

إننا لا نعاني من نقص المعلومات أو نقص من المعرفة ، بل إننا نعاني من تقدير للعلم بحد ذاته ، و هذا هو المعنى الحقيقي لـ “الجهل” ، لذلك يصح أن نقول : متعلم جاهل ! … يمكن ملاحظة ذلك بكل وضوح من استغناء الشاب عن المعرفة بالكلية ، بعد انتهاء فترة تعليمه الأكاديمية ، رغم أن أجهزة التواصل و الإعلام كسرت هذا الحاجز ، إلا أنها أوبأت العلم بشكل أبشع مما قبله … ففتات العلوم التي تطرحها وسائل التواصل و الإعلام ، أعطت المتعاطي معها كمية من الغرور جعلته يظن بأنه لا علم بعد علمه ! أي أنها رسخت محدودية علمه بالترسانة المسلحة !

بهذا الشكل يتضح بما لا يدع مجالًا للشك بأن العلم يعاني من قلة التقدير ، و إلا لما كسدت تجارة الكتب !

إن نظرة الاستعلاء التي تطبع الشاب التي يعتقد بها ، بأن ما علمه هو أقصى ما يمكن تحصيله من العلم لم تأتي من فراغ ، بل هي تجلي من تجليات الاستكبار الذي اجتاح ثقافات الأفراد عبر العالم ، فمعنى العلم أصبح معناه مرتبط بالسلطان ، لذلك تجد العالم يبحث عن تفاصيل سنن الكون لا لكي يحسن التعامل مع الكون ، بل لكي يبسط سلطانه عليه ! … من هذا المعنى المغري ، و بما أن وسائل الإعلام و التواصل التي تعتمد اعتمادًا كليًا على أسلوب إغراء المتلقي بأنه هو الذي يتحكم بالمعطى المطروح من خلالها و ليس العكس ! كما أنها تعتمد على منهج التبسيط (تبسيط المحتوى) و التهويل (تهويل قيمة المحتوى) ، الأمر الذي يجعل المتلقي يظن بأنه ملك مقاليد المعلوم بأبسط السبل !

من هذا يتضح بأن كساد معنى العلم في جوهره فساد أخلاقي ، جعله يتشوه ، فعلى سبيل المثال ، بدل أن يكون العلم وسيلة توصل إلى الإيمان ، أصبح علة في جحود و إنكار الإنسان للإله ! أو على الأقل أصبح العلم وسيلة لاستبداد الإنسان في رؤيته الوجودية العامة . يتضح ذلك في طغيان الرؤية العلمانية الحلولية بطبعها ، و من المعلوم أن الرؤية الوجودية إذا فسدت عند الإنسان ، فسدت بالضرورة معها كل المعاني تباعًا ، و إذا فسدت فسد تعامل الإنسان مع كل الموجودات حوله …

إنه من الضروري أن تتجدد الرؤية الوجودية ، منكرة بذلك الرؤية العلمانية الحلولية ، و مؤصلة للرؤية الإئتمانية الاستخلافية ، لتتجدد بها كل المعاني تباعًا ، بما فيها معنى العلم ، مخلصةً إياه من النزعة الاستبدادية ، و التي هي بالضرورة تجلي من تجليات الرؤية العلمانية الحلولية

و لا شك أن أول ما يجب فعله في هذا السياق هو أخلقة النفس البشرية ، و التي تفضي بالضرورة إلى أخلقة الممارسة العلمية و الفكرية ، ذلك أن الإنسان لابد أن يدرك حتمًا بأن عقله لا يمكن أن يتحمل كل المعاني ، إذ أن العلم بطبعه متجدد تجددًا يجعله ممتنعًا عن العقل في الإحاطة به كلية ، و ما هذا إلا إشارة للإنسان ، مفادها بأن العلم في حقيقته وسيلة تسهيلية يسهل بها الإنسان على نفسه التعامل مع الكون ، لا لكي يستبد به على الكون ! بمعنى آخر : العلم وسيلة تسهل للإنسان لكي يندمج مع الكون في إطار ممارسته لوظيفته الفطرية ، كخليفة لله فوق الأرض …

ذلك أن الوجود أكبر و أعلى مما يتحمله عقله ، فليس كل ما يتراء للإنسان هو كل الوجود ، و حتى المرئيات له إن حسيًا أو عقليًا ، دائمًا هنالك من ورائها سر وجودي لا يمكن للعقل أن يدركه ، إنما يمكن للعقل أن يدرك الإشارات المشيرة إليه … فهي دلائل تدل على صحة الإيمان بالله و لكنها لا تعني أن الله قد حل في خلقه كما يزعم الحلوليون المعاصرون  ضمنيًا (أي العلمانيون) ، و بالأخص كثير من أبناء جلدتنا الذين وقعوا في فخ التأويلات الحلولية لنصوص الدين …

يتضح مما سبق بأن الإنسان ، إذا ما تخلص من نظرته الاستبدادية الاستعلائية للوجود ، انفتحت أمام أعينه آفاق الكون ، فعلم بأن ما علمه لا يساوي شيئًا أمام ما لم يعلمه ، و بأن من سبل استقامة وجوده : تعاطيه مع العلم بمعناه القويم ، المؤصل للإيمان ، و فضائل الأخلاق ، فانفتح لزومًا على الممارسة العلمية ، و رده إلى مكانته الطبيعية ، كقيمة عليا في حياته

و إذا تبين له كل ما سبق ، استغنى عن الملهيات بالضرورة ، إذ إن العلم بصيغته المؤمتنة ، يفتح آفاقًا للنفس فيها لذة لا مثيل لها ، و لن تبلغها مهما حاولت الثقافة الاستهلاكية التي أصبحت سائدة اليوم ، و التي روجت لها بطريقة غير مباشرة النظرة العلمانية الحلولية ، إذ إن ما تبشر به الرؤية العلمانية هو خلود في صيغة صراع من أجل البقاء ، فكان إدمان للاستهلاك لازمًا لهذه الصيغة ، بينما تبشر الصيغة الائتمانية ببديل كوني يحمل خلودًا ليس فيه مشاق الصراع …

فإذا تغير معنى العلم بهذا الشكل ، تعاطى معه بإطلاق ، و وجد فيه لذة تفوق لذة الاستهلاك الدنيوي ، أي استبدل ما هو أدنى بما هو خير منه ، فانصرف بالضرورة عن الاستهلاك و كل ما يدعوا إليه ، و لم يعد إليه إلا لحمل الصلب على أداء الوظيفة التي يؤصل لها المعنى الائتماني للعلم …

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .