أحلام محرمة

متوكل

     للبلدة منفذ واحد يستخدم للدخول إليها كما للخروج أيضاً، كُتب على الجزء الأعلى من جانبي المنفذ: “إحترام تقاليد البلدة إلزامي، خذ علبة الدواء قبل كل شيء، مسموح قضاء ليلتين فقط خارج الأسوار!”

      بالداخل كان الوقت يمضي مريضاً كسولاً يجرجر خطواته الثقيلة على الأرصفة، الأيام مشبعة بالهشاشة تعيد نفسها برتابة وقحة، اللحظات كلها متشابهة تشير فقط إلى النهاية، لم يعد ثمة ما يثير الفضول، نافذة العدم فم ضخم يتسع بتواتر مرعب يبتلع البلدة شيئاً فشيئاً، ليس ثمة ما يحرض المخيلة لتتفتق، لا وجود لما يزرع في الأدمغة القلق، ذلك النوع المفضي إلى طرح التساؤل، قرائح المفكرين نضبت، تعطلت قدرتهم على الإنتاج، شجاعة متبقية مكنتهم من ابتداع نشاط جديد – رياضة الألسن –  مضغ السنوات المتباطئة بأحاديث معادة حول أفكار قديمة صدئة، ضرورة مبهمة تدفعهم لممارسة تلك الرياضة، تتخذ حواراتهم عمق غرائبي مرة تلو أخرى، أخيلة الكتاب ضجت بسخافات لا تحصى، تبقى لهم أمل! قادهم إلى تسويد مئات الصفحات دون قول شيء يجدر ذكره، مادة الشعر نفدت بشكل تسبب في حسرة الشعراء فانتحروا في أكبر تجمع انتحار جماعي، ندم الفقهاء على إضاعة أسلحتهم، مرضت صدورهم حسرة على فقدان أهم استراتيجية لهم “الحذلقة الماكرة”، ثم تفجرت قلوبهم سعادة إذ علموا ألا حاجة اليوم إلى استخدام حيل البيان المضللة للعقل، ف الأذهان ضائعة استحالت صناديق فارغة جاهزة للتعبئة، الجنود المثاليون بغبائهم المضحك بهتت لمستهم الخاصة كحال ضياع متعتهم في القتل، تحولوا إلى آلات مملة ملولة تقتل ببرود، لا خوف، لا حزن، لا صرخات تطعن عنان السماء احتفاءاً بانتصارات متوهمة، البلدة اليوم تبدلت كلية بلغت مرحلة يستحيل معها الوصف، لتأكيد ذلك ها هم السياسيين يبصقون خطاباتهم كيفما أتفق، تخرج من السنتهم عارية قبل دهنها بالتشويش! أي أن البؤس أصاب قلوبهم أيضاً، دفعهم لترك أكثر ما يبرعون فيه، “تقديم الأكاذيب القديمة والادعاءات الفارغة بأغلفة جديدة زاهية”.

      مائة وخمسون عام مضت على البلدة دون أن يخالف أيا من القاطنين تقاليدها، تلك القاضية بأن “الحالم” مذنب يستحق العقاب، وأن “الأحلام” مهما كانت تافهة جريمة، سيطر الناس على عقولهم أثناء المنام، هذا الفعل كان نتيجة خوف له مبررات مقنعة، نجد أنفسنا مجبرين على احترامها حين نعرف أن أحكام قاسية نفذت في حق عدد مقدر من الذين خانتهم ادمغتهم، بثت في نومهم الأحلام، ثم تتابعت الأجيال كل جيل وضع على القوانين لمسته، اليوم الأحلام ليست ممنوعة فقط، بل أضحت وصمة عار، جريمة اجتماعية، وانتهاك لقيم مقدسة!

     قبل أربعة عقود ومع تطور العلم وصل أرض البلدة أناس جدد، عملوا على تسويق عقارات طبية بأسماء ونكهات مختلفة، تأثيرات متباينة، تهدف كلها إلى إغلاق بوابة الأحلام في العقول، فاعلية الدواء المجربة جعلت عقاراتهم منتجات وطنية، وتناولها أمراً إلزامي يفرضه القانون، قدسية قيم البلدة التي جعلت مجلس عمدتها يطلق على الواصلين اسم “الأذكياء الوطنيون”.

     حلم أول:

     “على رصيف مهجور جلس يرسم لوحة متقنة، الأزرق السماوي الشفاف سيد الألوان فيها، لطخات طفيفة بتدرجات الأزرق المختلفة، عند شرفة مقابلة للرصيف كانت تجلس فتاة هادئة، رمقته بحنو بينما كان ينهمك في رسم لوحة لا يعرف ما ستكون حين تكتمل، رفع رأسه للأعلى لوحت له الفتاة مبتسمة”.

      لا يعرف ما حدث له في المنام؛ أستيقظ يتصبب منه العرق، تيارات الصباحات الصيفية الحارقة عبرت فوق جلده المتقيح جراء تذمر كريات الدم البيضاء، شعر بالاختناق، صرخ كي يفتح معبر للهواء ليدخل صدره، هرولت والدته ناحية فراشه مرتجفة مسدت على رأسه تتلو تعاويذ!

     قص عليها رؤياه، قبل أن يكمل سقطت على الأرض تتمرغ بالتراب، شقت جيب قميصها، انهمرت من عينيها انهار من دموع سخية ساخنة، ما فعلته الأم ألهب الحيرة في رأسه، راقبها في ذهول يتناسب وصغير في العاشرة، برهة بعدها هدأت انتهز الطفل الفرصة سأل بحذر: “هل ألم بي أمر خطير؟ ردت عليه بنظرة متورمة بالرعب، منتفخة بحسرة تشبه التي احتلت وجهها يوم إعدام أبيها لأنه كتب عن الأحلام، حذف من ذاكرة البلدة منذ عشرين سنة لنفس السبب، خرج صوتها جاداً كما لم يسمعه “الابن” من قبل: “إنها لعنة جدك انتقلت إليك، الأحلام لعنة! ولأنها تجلب الموت والشقاء حرمها أسلافنا المبجلين، صنعوا ترياق وتمائم تمنع حلولها”.

      سيل من الأسئلة المتتالية تدفق من فم الطفل نتيجة إحساسه بالوقوع في مأزق لا يفهمه،  تحدث دون أن ينتظر إجابة :

     ماذا تعني لعنة؟

     “أحلام” ما هذا الشيء؟ ماذا تعنى؟

      كيف نتخلص منها؟

      هل حلت هذه اللعنة من قبل؟ كيف نشفى منها؟

      مشقة بالغة واجهتها الأم كي تكفكف الدموع، بحزم أمرت ابنها بالصمت والكف عن طرح الأسئلة، طلبت إليه أن يتهيأ للخروج قبل أن تخاطب نفسها وجلة: “علينا معاودة “شيوخ البلدة” حالاً، صباح الغد نذهب لطبيب الحالات الطارئة تجنباً لأي سوء فهم محتمل، تقدير خاطئ واحد سبب كاف يعلق أبني على المشنقة!

     شهرين من المتابعة اليومية تردد الطفل بين شيوخ القرية بوجوههم السمينة المنعمة، واطباءها الذين تفننوا في تجريب وصفات جديدة من عقار منع الأحلام، في النهاية جاء قرار يجمع توقيع الجهتين يعلن اكتمال تعافي الصغير، عقد مؤتمر صحفي لتنوير القرويين وطمأنتهم بأن المختصين الحادبين وبرعاية كريمة من العمدة تمكنوا من احتواء الموقف، عند ختام اللقاء أشاد المسؤولين بشجاعة الأم واخلاصها، أشاروا إلى تماسك الطفل، صبره على العلاج، ووصفوه بالبطل الجسور، لقب لم يشفع للطفل أمام خوف القرويين على أطفالهم من العدوى. عشر أعوام تمر أصبح معها الطفل مراهقاً، تجدد معها ايضاً قلق القرويين، هذه المرة خافوا على بناتهم والأحفاد لذا نسجوا حول “المراهق” قصص مرعبة، منفرة.

      يمضي الوقت بطيء مسمم بالكسل دون أن يشعر بثقله أحد غير الصبي، ألعاب المراهقين الماجنة المصممة خصيصاً للحد من خيالهم لم تتح له، ابتكر حيل خاصة تعينه على تحمل وطأة البلدة، تسرية للوقت انهمك يتدرب ليلج دنيا الأحلام.

      بعضا من ملامح البنت الجالسة على الشرفة ما تزال تعلق بذاكرة المراهق منذ حلم الطفولة، الصورة الضبابية كانت أول خطواته ليخلق عالم ينشده، عام كامل قضاه المراهق ينقى الصورة من شوائب الزمن، تدرب على حراسة العزلة صوناً لمتعة خالصة تتولد منها، هذه الليلة نام دون أن يعلم أنه على موعد مع “حلم”، مأزق جديد أو ربما عالم جديد!

     “إمرأة في الثلاثين من العمر بملامح هادئة جلست على شرفتها، حدثته:

      – أيها المختار جهز نفسك حان الوقت، شيد جسرك للنجاة!

      مضطرب الفؤاد مرتجف القلب يسأل:

      – ماذا؟ لا أفهم. وكيف أقيم جسراً وأين؟

     أصدرت المرأة تنهيدة عادية أربكت بها كيان المراهق، في صمت مدت إليه فرش رسم، وألوان كلها تدرجات الأزرق، ثم اردفت:

     – هذا جواب كيف وأين تقيم معبرك؟ أما سؤالك عن ما سيحدث؟ لا أعرف.

     ردت بأدب جم، لحظة صمت سيطر فيها حزن بالغ على قلب المراهق، حاولت التخفيف عليه وضعت عينيها في مواجهة عيناه وبصوت خافت يشبه الهمس، علقت بما يدل أنه رأيها الخاص:

     – قديما وجدت أقوام تعرف الحب والرب رأى أنها لا تجيده فاهلكها، أنت في زمن لا وجود فيه للحب مطلقاً، تخيل ما يمكن أن يحدث؟ بالتأكيد لا أحد يريد أن يحضر وقت الحدث!

     أفاق متحرراً من خوف وقلق قديمين كانا قد  انتابا قلبه إبان حلم طفولته، جل تفكيره كان تركز على حلم الليلة الماضية، شعوره بتلقي رسالة خفية مرمزة نفخ في عقله دفقة من توجس، بصوت مسموع سأل عن كيف تم اختياره دون سواه نادتني ب”المختار”، ماذا يعنى ذلك؟ ثم من الذي اختارني؟

     التزم الصمت كما لو كان يتحر جواب يصدر عن الفراغ الماثل أمام عينيه، عبس حين لم يتلق رد، انصرف يتخيل ما قد يحدث، دون وعي منه – أو بوعي كامل – انشغل بصورة المرأة الثلاثينية، تأمل وجهها الهادئ كما لم يفعل مع وجه أحد من قبل.

     في اليوم التالي كان منهمكاً يرسم لوحة، يشيد معبراً، لن يعرف شكله وطبيعته إلا بعد اخر ضربة فرشاة على الحائط!

     أسبوع من العمل الدؤوب مكن المراهق من أن يرى بعينيه المعبر، وقفت والدته تشتل الرجاء أمام باب غرفته صباح مساء، دون فتح الباب كان يجيب أن كل شيء بخير.

     صباح اليوم أمام بيت المراهق وأمه اصطف رتل من القرويين المستشيطين غضباً، تجمعوا بعد أن سربت يد خفية تقارير “طبية … مشائخية”، جاء فيها تأكيدات وبراهين تثبت أن المراهق لم يكف عن الأحلام، وأن اللعنة التي حلت عليه في طفولته ما هي إلا روح جده التواقة للانتقام، عازمين على وضع حد لطيش المراهق النزق، إنهاء جنونه ومحو أثر تربيته الفاسدة، جاء القرويين يحملون عصي وأسلحة بيضاء، عمدة البلدة وأعوانه كان بحوزتهم سلاح ناري، هتف هاتف موجهاً اعتراضه في وجه أم المراهق قبل أن تفقد وعيها: “أين أبنك الزنديق عديم التربية، كيف يجرؤ على هكذا جرم؟”

     قال آخر بجملة حاسمة: “لو أنك أحسنت تربيته ولقنته جيداً طرائق حياة أسلافنا المبجلين والتزامهم الصارم لما فعل فعلته!”

     أما عمدة القرية جاء صوته واهنا مدهونا بالغضب، أصدر حكما نهائياً بجملة فقط: “المشنقة جزاء ما كسبت يداه، موت يخلصه من عذاب الضمير ويرفع عنا اللعنة المحتملة!”

     حطم الغاضبين باب الحجرة المقفلة، الجمهم ما وجدوه بالداخل، وقفوا صامتين متخشبين، سبهم العمدة الواقف بالخارج يأمرهم بالإسراع لأخذ الزنديق إلى المشنقة، لم يُطع العمدة ولم يتلق تبريراً، دخل الغرفة مندفعاً ليكمل المهمة بنفسه، عاجزاً كما كل القرويين وقف يتمتم بالتعاويذ! وهو ينظر إلى اللوحة المرسومة على طول جدار الغرفة: ” بحر أزرق شفاف بلا شواطئ، جزيرة نائية تتوسط الزرقة، سماء مبدعة تشكل سقفاً اخاذ، مركب جميل يمخر عباب الماء، قاصداً الجزيرة، رسم دقيق مكنهم بوضوح من رؤية المراهق يقف عند حافة المركب، يفتح ذراعيه كما لو أنه يتهيأ لمعانقة حبيب”

    يبدأ الماء يتقطر من اللوحة، تلفت القرويين إلى بعضهم البعض في حيرة غير مصدقين أعينهم، تقطر الماء يتحول إلى تدفق أعنف،  بتواتر تعلو أصوات الموج المطلاطم شيئاً فشيئاً، بحركة آلية قربوا وجوههم من الحائط، وفي لمح البصر تنفجر اللوحة! يغرق العالم!

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان