الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : جوناثان كو: “أين أكتب؟ في القطار، في الحانة، وصالة مطار هيثرو الخامسة … “

ترجمات خاصة : جوناثان كو: “أين أكتب؟ في القطار، في الحانة، وصالة مطار هيثرو الخامسة … “

2560

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

في الرواية السريالية العظيمة ل”فلان أوبراين”: (الشرطي الثالث) ذلك الشرطي الغامض والمبهم “مكروسكين” عندما يأخذ البطل جانبًا وعند زاوية محددة ليقول له:

“تعال هنا، حتى أريك شيئًا لتخبر أصدقائك عنه”.

اتضح بعد ذلك أن هذه كانت واحده من نكاته النادرة. وكما قال بطل الرواية حينها:

” لأن ما أراني إياه كان شيئًا لا يمكنني أن أقوله لشخص، يبدو الأمر كما لو أن لا كلمات في العالم أجمع مناسبة لمعرفة ذلك المعنى “.

في الحقيقة، كان الشرطي يلفت نظر البطل لبعض “الأشياء” “أشياء كان يمكن لمحها وهي تسقط منحدرةً خلال ثواني نحو الشلال. أشياء ليس منها ما يشبه الآخر، أشياء دون أبعاد معروفة” دون شكل يمكن وصفه، ودون لون يمكن تحديده. وبعد ساعات فكر فيها البطل بعينين ذاهلتين وحلق جاف وجد أنه لا يمكن قول ما الذي جعل تلك الأشياء تبدو مذهلة سوى أنها ببساطة : “كانت تفتقر إلى ذاك العنصر الأساسي والذي هو ميزة وقلب كل الأشياء المعروفة “.

وهنا باختصار هي مشكلة شرح أيامي أثناء الكتابة, كما لو أنها أيضًا تفتقر للسمات الأساسية لباقي الأيام العادية: أيام تفتقر إلى الشكل, إلى البنية, أيام بفترات غير محددة, وقوام متغير ومتماوج على الدوام.” إذ لا يوجد يوم واحد منها يمكن أن يشبه الآخر”.

قد تبدأ الكتابة عند السادسة صباحًا, وأحيانًا بحلول الساعة الخامسة بعد الظهر. قد تستمر لمدة 12 ساعة، وقد تؤدي إلى كتابة 5000 كلمة، ولكن هذه الكلمات قد تكون معرضة لخطر الرمي بعيدًا في اليوم التالي، وقد تكون فترة كتابتي وبدلًا من كل ذلك عبارة عن ثلاث ثوان فقط، ثلاث ثواني تتآلف مع جلوسي على السطح العلوي للحافلة حيث يمكن أن تزورني فكرة لحظية وخاطفة يمكن أن تحل المشكلة برمتها لرواية ما زالت تحت التنفيذ, فكرة لامعة قد تجعل من الكتابة في الأشهر الستة المقبلة ممكنة.

قد تأخذ كتابتي حيزها في غرفة مكتبي في المنزل، غرفة بطول تسعة أقدام وبعرض خمسة أقدام أخرى, غرفة مكتب واسعة والتي حشرت فيها لأسباب عدة أكثر من مكتب، مع ثلاث خزانات لحفظ الملفات، وثلاث أخرى للكتب ,ومئات الأسطوانات المتنوعة التي لم أستمع لها أبدًا.

يمكن أن تكون أيضًا في شقة أخت زوجتي على بعد أميال قليلة من بيتي, ذلك المكان الذي أعتدت استخدامه عندما تكون هي خارج البلاد. يمكن أن تكون في كوخ البلدة الذي كنت استأجره لمدة أسبوع. أو في المقهى, أو الحانة، أو على متن قطار، أو حتى في ستاربكس في مطار هيثرو-الصالة 5. باختصار يمكن أن تكون كتابتي في أيًّ من الأماكن الأخرى التي أستطيع تذكر الكتابة فيها في السنوات القليلة الماضية. الميزة المذهلة لمهنة الكتابة- أنها “متنقلة” يمكن أن تتنقل, يمكنك حملها معك, وبدء الكتابة من أي مكان في العالم. خاصة وأن الكتابة تحت تأثير الكافيين تنتج عادةً نتائج جيدة. (الكحول، وأقل من ذلك.).

أحب الكتابة تحت الضجيج, وفي الأماكن العامة. إذا كنت مركزًا بعمق على العمل، فإن الأصوات من حولك ستتلاشى إلى لا شيء. إذا كنت عالقًا داخل فكرتك، وكنت تستمتع. فالصخب من حولك سيساعدك. وعلى نفس المنوال لم يحدث أن انزعجت من الإنترنت. أفضّل أن يكون “تويتر” مفتوحًا على واحد من أجهزتي: انه كمحادثة مستمرة على مكتبي الآخر، يمكنني إمّا تجاهله أو التراجع و الدخول والخروج منه متى ما شئت.

وعلى أي حال، فإن الكتابة لن تأتيك إلّا بإرادتها ,ووتيرتها الخاصة. ولن تسمح لنفسها بأن تكون مكتوبة إلا عندما تكون هي مستعدة لذلك، وليس قبل ذلك أبدًا. فتعّلم ملاحظة متى وصول تلك اللحظة, هو بمثابة المفتاح لأبدأ عندها في إدارة وقتي وجهد كتابتي.. نعم. كيوم صاف قابل للكتابة ، كوقت خالي من الالتزامات العائلية ومهام الوظيفة ، يوم يمكن أن يكون مثاليًا وبترف نادر، ولكن في كثير من الأحيان سينتهي بك اليوم بكثير من خيبات الأمل و الإحباط: تخيل 8 ساعات من الكتابة المتواصلة, وبلا انقطاع أمام شاشة الكمبيوتر, ستصبح دون فائدة على الإطلاق إذا كان الكتاب الذي تكتبه لم ينضج بعد ويؤتي ثماره.

ومن ناحية أخرى، إذا كان الكتاب على ما يرام, ويتطور بشكل جيد ومتصاعد، إذا كنت قد أنهيت ثلثي الطريق خلاله, فإن المتبقي منه سيكون بمثابة انفجار للخروج والانتهاء من الكتاب. يمكنك ضغط تلك الأيام الأخيرة حول أي مضمار للجري, أو خلال مواعيد عيادات طب الأسنان, إذ يمكن أن تنتج صفحات نهائية لا بأس بها.

أتمنى في المستقبل, أن أكون أكثر فائدةً ومنهجية. الأمر صعب, حتى بعد 11 رواية، وثلاثة عقود من الكتابة المنشورة، ولا تزال عملية الكتابة غامضة للغاية بالنسبة لي. وكما يمكن أن يقوله الشرطي الغامض “مكروسكين” : إنها تقريبًا مثل فطيرة غير قابلة للذوبان … ولغز من عناصر مبهمة..”

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن