الرئيسية / احدث التدوينات / جي. أر. أر. تولكين وأدب الفانتازيا… بين عوالم الخيال وإطلالة على سيرة حياته

جي. أر. أر. تولكين وأدب الفانتازيا… بين عوالم الخيال وإطلالة على سيرة حياته

تولكين

تمهيد: أدب الفانتازيا وتولكين

بقلم: عبير عواد

      جون رونالد راؤول تولكين… و أدب الفانتازيا… عوالم الخيال الغامضة التي ارتبطت باسم هذا الرجل! هل هناك من هو مثل تولكين؟! بالنسبة لي كقارئة وككاتبة إن وددت الإجابة على هذا السؤال فقطعاً ستكون إجابتي لا! رغم أن تولكين لم يكن أول من تخصص في هذا النوع من الفنون الحكائية, ولن يكون الأخير، إلا أنه تفوق على من سبقوه. وكما يرى البعض أيضاً، وحتى الآن، على من أتى بعده. ولا أعتقد أنه سيظهر من يشبهه، لأنه حالة استثنائية قلّما تتكرر. تولكين كان يكتب بشغف لا يعادله سوى ابتسامته الطفولية، ونظرته التي لا تعطي انطباعاً بالقطع أنها نظرة أستاذ جامعي بأكسفورد، أو رجل عسكري شارك في الحرب العالمية الأولى بوقت ما!

      تعرفت على تولكين للمرة الأولى بالصدفة، وقبل ظهور ملحمته الشهيرة “سيد الخواتم” على شاشة السينما. حيث ورد اسم تولكين في قائمة تتضمن أسماء لأدباء برعوا في عالم الفانتازيا، أو الخيال، من خلال حكاياتهم التي كتبوها للأطفال، كالأخوة جريم، وكريستيان هانز أندرسون، وكذا حكايات ألف ليلة وليلة، والتي تتضمن حكايات متوارثة تمت إعادة صياغتها وتقديمها للأطفال. نعم! الأطفال، فالملحمة الشهيرة تمت كتابتها لأجل الأطفال، وهذا ما سيتم التطرّق له في المقال المترجم والمصاحب لهذا التمهيد، عندما ظهر الفيلم الأول من الثلاثية، لفت انتباهي اسم الرجل، واعتقدت أن الرواية هي واحدة من أعماله الأخرى حتى أيقنت أنها هي العمل الشهير نفسه الذي  تعلّق به الجميع كباراً وصغاراً.

      الحديث عن تولكين يجب أن يصاحبه حديث تعريفي عن أدب الفانتازيا، وهذا ما سأحاول عرضه في إيجاز هنا. فالخيال ليس هيئة موحدة من النصوص، فهناك أنواع (نكهات) مختلفة من الخيال. في دراسة الأدب، يُشار إلى هذه الأنواع الفرعية: بمجموعات العمل التي تشبه بعضها البعض بما فيه الكفاية، ولكنها ليست منفردة تماماً عن النوع ككل، فجميعها تصنف على أنها أدب  خيالي، ولا نستطيع اعتبار بعضها نوع مستقل تماماً. أحد أكثر الأساليب الفرعية التي يمكن التعرف عليها بسهولة في أدب الخيال ما يكن أن نطلق عليه الخيال العالي. وهذا النوع من الأدب ارتبط باسم أكثر كتابه شهرة، وهو جون رونالد راؤول تولكين، أو جي أر. أر. تولكين.

      ملحمة؛ هذا ما نستطيع تصنيف أدب تولكين به، والذي يحتوي على عدة عناصر محددة مثل: (فرسان ساعون، أميرة جميلة، أشرار غادرون، أبراج  محصنة، جان، أقزام، عفاريت). هذه هي عناصر الخيال العالي، أو لنطلق عليه الخيال “الملحمي”، فهو ملحمة في الطبيعة، وهو ما يعني ليس فقط أنها طويلة ولكن، إنما يعني أيضاً ما يلي:

      * أطراف العمل يشاركون في صراع ذي أهمية كبيرة. على سبيل المثال، يسعى أبطال “سيد الخواتم” إلى إنقاذ العالم قوات الظلام القادمة من موردور، كما أن واقع الخيال غني ومعقد ومتسق داخلياً بالعمل.

      * عوالم الخيال في الأدب الملحمي غالباً ما تكون مترامية الاطراف والنصوص التي ترد فيها، تشترك مع التاريخ والأديان والثقافات التي هي خاصة بالكتاب. حيث يتناول المؤلفون الاحتياجات المزدوجة بين الحاضر (الواقع/ الماضي) لقول قصصهم بطرق مختلفة، ووضع سياقاتهم. تولكين، على سبيل المثال كتب “سيلماريليون”، وهو نوع من النصوص المرافقة لكل من “الهوبيت” و”سيد الخواتم”، ونستطيع اعتبارها كروايةٍ رومانسيةٍ من القرون الوسطى تروي التاريخ السابق للأرض الوسطى ابتداءاً من خَلْق آردا، والمعارك الأولى بين الخير والشرِّ، وتاريخ الأجناس الرئيسية، بالإضافة إلى أعمال ملحمية، وحكايات مأساوية، وقصص حب متناثرة بين شخوص العمل. كُتبتْ السيلماريليون بلغة إنجليزية قديمة، تبدو من الصعوبة بمكان حتى على الناطقين بالإنجليزية أنفسهم، وقد قام ” كريستوفر تولكين” بتنقيحها، ونشرها عام 77بعد وفاة والده، والتي تُصنّفُ من قبل قراء كثيرين بأنها أقوى من سيد الخواتم. ترجع أهمية السيلماريليون أنها تعتبر أساساً مرجعياً للعمل الملحمي، لأنها تشرح التاريخ الذي تمت الإشارة إليه في الملحمة كاملة “الهوبيت” و”سيد الخواتم”.

      * إن الخيال الملحمي يميل إلى أن يكون أخلاقياً في الطبيعة: والأبطال هم رموز الخير، والخصوم هم بلا شك رموز الشر، في حين أن بعض الكتاب يأخذون هذه الخطوة أبعد من ذلك، فإن هذا الشعور الأخلاقي ينشأ في نهاية المطاف من تأثير الحقبة الرومانسية على العمل الأدبي مثل أساطير السعي للبحث عن الكأس المقدسة.

      وفي هذا النوع الفرعي من الخيال لا أحد أكثر تأثيراً من جي أر. أر. تولكين: ليس هذا فقط؛ بل نستطيع اعتبار تولكين صاحب الفضل في ابتكار هذا النوع الفرعي من الخيال، فبروايته الهوبيت وملحمة سيد الخواتم أرسى لهذا النوع من الخيال. حتى أن النقاد الذين يرفضون الخيال ويعتبرونه كما الأدب الهارب – لأنه كما يصفه البعض هروب من الواقع وإسقاطه على الخيال من خلال عوالم مبتكرة قد يجد القارئ من خلالها ما يلقي بالضوء على عالمه الواقعي، كما أعتبر البعض “سيد الخواتم” رمزية عن عالم الحرب العالمية الثانية، وما بعدها – حتى تلك الفئة من النقاد تميل إلى اعتراف صارخ بجدارة عمل تولكين.

      عند تحليلنا لأدب تولكين علينا ألا ننسى أنه كان أستاذاً جامعياً وعالم لغويات، ولازالت دراساته في الأنجلوسكسونية تعتبر مهمة إلى اليوم، في الواقع، فإن تأثير الدراسات الأكاديمية لتولكين في اللغة والأساطير هو ما منحه تلك الرحابة والشمولية بأعماله الخيالية، إضافة إلى أن تجارب تولكين خلال حربين عالميتين (جندي في الأولى، ومواطن بريطاني خلال الثانية)، كان لهما تأثير دائم على تصويره للحرب في رواياته، وعوامل أخرى نستطيع تصنيفها تحت تعريفات السيرة الذاتية، والاجتماعية، والدينية، وحتى عناصر  البيئة في عمله؛ أو ما يُصَنّفْ بالإنجليزية Pro-environmentalism  .

      * من أهم ما يميز الأدب الخيالي “المهمة” السعي The Quest في سيد الخواتم، على سبيل المثال، تكون المهمة هي سعي “فرودو باجينز” لتدمير الخاتم، تلك القطعة التي ترمز للسلطة، والرهبة وتهدد الأراضي الوسطى، بل عوالم الملحمة بأكملها.

     إن أي مناقشة لمفهوم السعي تعود بنا إلى أسطورة الكأس المقدسة  The Holy Grailلأن أي عمل يقوم على فكرة السعي يستوحي تلك الأسطورة بشكل ما كأسطورة آرثرية، نسبة إلى رمزية الملك آرثر، وفرسان المائدة المستديرة، ورحلة السعي الخاصة بهم. هناك عناصر مشتركة في كل الأعمال التي تعتمد على الفكرة، فما هو  تعريف السعي لغوياً؟!

      هو رحلة نموذجية، حيث يقوم بطل الرواية، برحلة صعبة وخطيرة، تنطوي على هدف محدد (مثل استرداد كائن، أو هزيمة الخصم). بطل الرواية يواجه عدداً من العقبات على طول الطريق، وكثيراً ما تكون كل من العقبات والرحلة نفسها مجازية للغاية، حيث تؤثر الرحلة على بطل الرواية بطريقة أو بأخرى.

      إن طقوس الحقبة الرومانسية التي أثرّت بشكل ما في تلك الأعمال تتضح على الدوام عند الوقوف على أعمال بعينها وتحليلها مثل قصيدة “الأرض اليباب” للشاعر الإنجليزي “ت. س. إليوت” التي تتضح فيها أوجه التشابه بين أوروبا ما بعد الحرب والجرحى بأرض أسطورة آرثر.

      هناك عامل آخر استشهد به النقاد من حيث التأثير على تولكين، وهو أوبرا (الحلقة) ل”ريتشارد فاجنر” وهي عبارة عن ستة عشر ساعة مترامية الأطراف في أربعة أجزاء، تحكي قصة حلقة سحرية تمنح قوة لا يمكن تصورها، وتحمل بالوقت ذاته لعنة رهيبة تؤدي إلى تدمير كل أولئك الذين يملكونها أو يطمعون بامتلاكها.

      ربما يصعب علينا تجاهل التشابهات، لكن علينا بالوقت ذاته الإشارة إلى أن تولكين نفسه في مناقشته لتلك التأثيرات، وعلى الرغم من أنه اعترف بحرية الأساطير والفولكلور كمصادر للإلهام عموماً، إلا أنه نفى على وجه التحديد أن تكون “سيد الخواتم” مستمدة من تجاربه في الحروب، أو من أوبرا حلقة فاجنر.

      على الرغم من أن السعي مهم في دراسة الأدب الخيالي، فإنه يمكن القول أن الأمر أكبر من كونه مجرد قصة متشعبة الرموز والدلالات في واقع الأمر. إن تحليل فكرة السعي تقودنا إلى المصادر الأصلية، والأساطير الشعبية، والميثولوجي والأديان والثقافات المشتركة، وكذلك تحليلات علماء النفس أمثال فرويد ويونج.

      إن السعي يمثل دائرة كاملة ما بين العالم المعروف والعالم المجهول، ورحلة البطل لحظة مغادرته عالمه والبدء في رحلة السعي، وهذا التحليل للملحمة رأى البعض أنه ينطبق على أكثر الأعمال حداثة كسلسلة حرب النجوم على سبيل المثال. إنه ما يُسَمى بالإنجليزية Mono-myth أو أسطورة فردية، تعتمد على شخصية البطل المحورية.

      وبغض النظر عن تتبع ملاحم تولكين من حيث الأصول والتأثيرات، من الإنصاف أن نقول أن تأثير تولكين في الكتابة الخيالية المعاصرة، يعد تأثيراً قوياً؛ فبالإضافة إلى ما ذكرناه عن الخيال الملحمي ودلالاته، فإن تولكين أرسى الكثير مما نستطيع اعتباره قواعد للكتابة الخيالية، حيث  أسس التصوير الشعبي للأجناس الأسطورية مثل الجان والأقزام والعفاريت وحتى الهوبيت.

      كما أن أبطال عوالم تولكين  يُعَبِّرون عن اليقين الأخلاقي باعتباره أقوى قناعة للبطل، والتي عليه النضال من أجلها، ولأجل القيام بالشيء الصحيح، وهذا لا يقل أهمية عن النضال للتغلب على العدو. فأبطال تولكين يعدون تجسيداً للصراع الإنساني، هم يجدون أنفسهم محاصرين في صراع ملحمي بين قوى النور والظلام، كما هم محاصرون بصراعاتهم الداخلية التي يواجهونها لتحقيق مصائرهم.

      في النهاية أستطيع أن أقول، ولا أحسب في ذلك مغالاة مني، أن تولكين قدم أنموذجاً يحتذى به، وأن الجميع قد اتفق على أن ما تركه الرجل هو إرث لجأ إليه المؤلفون بعده، حتى وإن اختلفت توجهاتهم وطرقهم في الكتابة الخيالية، فالجميع بشكل أو بآخر – وإن حاول التميز عن تولكين – فإنه يحاكي تولكين، وإن تباعدت المحاكيات، واختلفت في تقديمها لصورة البطل مثلاً،  فإنها في النهاية لا تخرج عن سطوة “الخاتم” بشكل ما. وفي الجزء التالي مرفق ترجمة سيرة حياة هذا الرجل كما تظهر في سير حيوات الكتاب والمشاهير بعالم الأدب.

سيرة حياة  جي أر. أر. تولكين

ترجمة: سوزان عواد

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

     جي. أر.أر. تولكين (1892-1973) اكتسب شهرة خلال الستينيات والسبعينات من القرن العشرين كشخصية معبودة بين الشباب الذين خاب أملهم بالحرب والعصر التكنولوجي؛ وشعبيته المستمرة تلك تدل على قدرته على استحضار الواقع القمعي للحياة الحديثة، من خلال عالمه الخيالي.

     ولد تولكين في 3 يناير 1892، وهو ابن لوالدين إنجليزيين في “بلومفونتين”، بولاية أورانج الحرة في جنوب أفريقيا، حيث كان يعمل والده كمدير مصرف. هربا من الحرارة والغبار في الجنوب الأفريقي وحماية لصحة رونالد (إسمه الأول) الرقيقة، انتقلت والدة تولكين إلى إنجلترا معه وشقيقه الأصغر. في غضون عام من هذه الخطوة توفي والده آرثر تولكين في بلومفونتين، وبعد سنوات قليلة توفيت والدة الصبية أيضاً. قطن الأولاد في عدة منازل من 1905 حتى 1911، عندما دخل رونالد كلية إكستر، أكسفورد. نال تولكين شهادة البكالوريا في الفنون من أكسفورد في عام 1915، ثم الماجستير في عام 1919. وخلال تلك المرحلة تزوج حبيبته الوحيدة “إديث برات”، وخدم لفترة قصيرة على الجبهة الغربية مع  حامية لانكشاير.

      بينما كان في إنجلترا يتعافى من “حمى الخندق” في عام 1917، بدأ تولكين كتابة “كتاب حكايات فقدت”، والتي أصبحت في نهاية المطاف سيلماريليون (1977) والتي وضعت الأساس لقصصه عن الأرض الوسطى “ميدل إيرث”. بعد الهدنة عاد إلى أكسفورد، حيث انضم إلى مجموعة العاملين بقاموس أكسفورد للإنجليزية، وبدأ العمل كمعلم حر يعمل لحسابه الخاص.

      في عام 1920 تم تعيينه قارئ في اللغة الإنجليزية في جامعة ليدز، حيث تعاون مع إي في جوردون على ترجمة عملاً شهيراً هو أشعار (السير جاوين والفارس الأخضر)، الذي تم الانتهاء منها ونشرها في عام 1925. (بعد بضع سنوات، أكمل تولكين ترجمة ثانية من هذه القصيدة، والتي نشرت بعد وفاته). في العام التالي، بعد أن عاد إلى أكسفورد كأستاذ للأنجلوسكسونية، أصبح تولكين صديقاً مع زميل من جامعة ماجدالين، اسمه سي. س. لويس؛ لقد تشاركا بحماس شديد في الأساطير، والقصص الملحمية، واللغات في شمال أوروبا؛ وتشجيعاً لهذا الحماس، حضرا معاً اجتماعات “كولبيترز”، وهو نادي في أوكسفورد، أسسه تولكين، حيث يتم قراءة الملاحم الأيسلندية بصوت عال.

      وخلال الفترة المتبقية من سنواته في أكسفورد، كأستاذ للغة الإنجليزية وآدابها نشر تولكين عدة دراسات قصيرة, وترجمات؛ ومن أبرز هذه المقالات مقالاته “بي وولف: الوحوش والنقاد” (1936)، “تشوسر كافيلسوف: حكاية ريف” (1934)، و “عن قصص الجنيات” (1947). ونسخته الأكاديمية العلمية من “أنكرينويس” (1962)، وترجماته لثلاثة قصائد من القرون الوسطى: “السير جاوين والفارس الأخضر”، “اللؤلؤة”، و”السير أورفيو” (1975).

      أما تولكين كاتب الأدب  الخيالي، فقد نال شهرته بعد صدور “الهوبيت” و”سيدالخواتم”، وهي الحكايات التي تمت كتابتها خلال سنواته حضور اجتماعات “إنكلينجز”، وهي تجمع غير رسمي من الأصدقاء ورؤساء الكليات، والزملاء ذوي العقول المتشابهة، وهي المجموعة التي تشكلت بعد تفرق مجموعة “كولبيترز” .

     “إنكلينجز” تشكلت في أواخر 1930 واستمرت حتى أواخر 1940، كانت عبارة عن اجتماع أسبوعي يعقد في غرفة الجلوس بضيعة لويس في “ماجدالين”، كانوا يقرأون فيها الأعمال قيد التنفيذ بصوت عال، ويقومون بمناقشتها ونقدها من قبل الحضور، كل هذا من خلال نقاشات مستفيضة حرة حول الأدب وغيره من الموضوعات.

      وكانت نواة المجموعة تولكين، لويس، وصديق لويس الروائي تشارلز ويليامز، ومجموعة أخرى من غير المنتظمين في الحضور كشقيق لويس وارن، و نيفيل كوجيل، و هـ. ف. دي. ديسون، وأوين بارفيلد، وغيرهم. كان الخيط المشترك الذي يربطهم هو أنهم جميعاً من أتباع المسيحية وكلهم يحبون القصص.

      بعد سماع قصة تولكين الأولى عن “الهوبيت”، والتي قرأها بصوت عال في أحد اجتماعاتهم، حث لويس تولكين على نشر الهوبيت، التي ظهرت في عام 1937. كما تمت قراءة جزء كبير من “زمالة الخاتم” أيضاً قبل حل الجماعة في وقت متأخر عام 1940.

       تولكين تقاعد من أستاذيته في عام 1959. فيما أغضبه وقتها النشر غير المصرح به لطبعة أميركية من “سيد الخواتم” في عام 1965، جعل هذا منه شخصية معبودة لها معجبيها على نطاق واسع في الولايات المتحدة، وخاصة بين طلاب المدارس الثانوية والجامعات. وهذا الوضع كان غير مريح له، حيث اعتاد الحياة الهادئة وزوجته في (بورنماوث) لعدة سنوات، حتى وفاة إديث في عام 1971.

       في العامين المتبقيين من حياته، عاد تولكين إلى أكسفورد، حيث تم تكريمه في جامعة ميلتون ومنح الدكتوراة الفخرية، كان في ذروة شهرته ككاتب أكاديمي وأديب خيالي عندما توفي في عام 1973.

       وحتى الآن لاتزال الدراسات النقدية تقدم في أدبه الخيالي (أدب الفانتازيا)، وقد ازداد في السنوات الأخيرة منذ ذلك الحين.

      تولكين روماني كاثوليكي مخلص لكاثوليكيته طوال حياته؛ بدأ في خلق لغاته وأساطيره في سن مبكرة، ثم كتب في وقت لاحق القصص والقصائد المستوحاة من المسيحية، لتزويدها بإطار سردي مناسب. استناداً إلى حكايات ما قبل النوم للأطفال، اخترع تولكين لأطفاله، “الهوبيت” والتي تدور حول محاولات “بيلبو باجينز” لاسترداد كنز عظيم سرق من قبل التنين. خلال مهمته، يعثر بيلبو على خاتم سحري، يمكن أن تجعل حاملها غير مرئي إلى جانب قوى أخرى؛ وبقدرته على الاختفاء عند ارتداء الخاتم يتمكن بيلبو من تحقيق سعيه و مهمته. ومع ذلك، فإن قوة الخاتم الغير واضحة تستحث “ساورون” سيد الظلام بموردور، للحصول عليه.

      ومن هنا تأتي محاولات الهوبيت لتدمير الخاتم، وبالتالي منع ساورون من قوة غير محدودة، وتلك هي النقطة المحورية لملحمة سيد الخواتم الثلاثية، والتي تتكون من روايات زمالة (رفقة) الخاتم (1954)،البرجين (1954)، وعودة الملك (1955). في هذه الكتب يرفض تولكين الخصال والصفات البطولية التقليدية كالقوة الجسدية والحجم، مؤكداً بدلاً من ذلك قدرة حتى أصغر المخلوقات تواضعاً أن تسود وتنتصر ضد الشر.

      تباين الاستقبال الأول ل “سيد الخواتم”؛ حيث كان النقد الأساسي الذي أعرب عنه بعض المراجعين للعمل عن عدم رضاهم عن طول القصة وشخصياتها الأحادية البعد، بينما استمتعت الأغلبية بأوصاف تولكين الساحرة و حسّه الحيوي بالمغامرة. وسرعان ما ظهرت التفسيرات الدينية والفرويدية والمجازية والسياسية للثلاثية، ولكن تولكين رفض عموماً هذه التفسيرات، وأكد أن “سيد الخواتم” تُصَوّر “بلا نوايا مجازية.. أخلاقية أو دينية أو سياسية”، لكنه نفى أيضاً أن الثلاثية عمل للتهرب من الواقع حيث قال: “الأرض الوسطى ليست عالماً خيالياً… مسرح هذه الحكاية هو الأرض، التي نعيش فيها الآن”. وجادل تولكين أن قصته كانت “في الأساس لغوية”، وهي عمل امتصت سطوره ورمزيته “روحانية الدين الكاثوليكية” والذي “تم استيعاب جوانبه الروحية في القصة والرمزية”. وأخيرًا خلُص تولكين إلى أن: “القصص قدمت … لتوفير عالم للغات بدلا من العكس”. وطوال مشواره المهني قام تولكين بتركيب وتوليف “تواريخ، سلالات، خرائط، مسارد، قاموس مصطلحات، قصائد، وأغاني لتكملة رؤيته للأراضي الوسطى ” ميدل – إيرث”.

      من بين العديد من الأعمال التي نشرت له خلال حياته كان المجلد الشعري “مغامرات توم بومباديل وأجزاء من الكتاب الأحمر” (1962)، ورواية  خيالية “الحداد وتونماجور” (1967). وعلى الرغم من هذا فإن العديد من قصصه عن الأراضي الوسطى ظلت غير مكتملة حتى وقت وفاته، حيث قام ابنه كريستوفر بإنقاذ المخطوطات من مجموعات والده، وحررها، ثم نشرها. واحدة من هذه الأعمال “سيلماريليون” والتي تحدث ما قبل وقت الهوبيت، وبطريقة بطولية تحاكي الأساطير المسيحية للإحياء والبعث، يخبرنا قصة من العصر الأولى للسلالات المقدسة. أما “الحكايات الغير منتهية للنيومينور وميدل إيرث” (1980) فهي عبارة عن مجموعة مماثلة من القصص الغير المكتملة، والتي كتبت خلال الحرب العالمية الأولى. بينما “كتاب حكايات فقدت” بجزءيه الأول (1984)، والثاني (1984) على التوالي يشرحون بالترتيب بدايات الأراضي الوسطى، والنقطة التي يدخل فيها البشر الملحمة. بالإضافة إلى هذه الأعمال بعد وفاته، جمع كريستوفر تولكين أيضا مراسلات والده للأصدقاء والعائلة والزملاء في “رسائل جي. أر. أر.تولكين” (1981).

      تولكين هو كاتب الخيال اللانهائي الأكثر تقديراً إلى اليوم. من عام 1914 حتى وفاته في عام 1973، استفاد من معرفته بأدب الشمال الأوروبي (الاسكندنافي)، والآداب الأثرية، ولغته التي اخترعها ليس فقط لخلق قصته الخاصة، بل عالمه الخاص: الأراضي الوسطى “ميدل إيرث”، المكتملة بتاريخها، وخرافاتها، وأساطيرها، وملاحمها، وأبطالها. أو كما كتب أوجستس م. كوليتش “إن عمل حياته”… يطوق الواقع المنافس لمحاولات الرجل الغربي لتسجيل تاريخ جنسه المركب والمعروف، وأنه منذ “ميلتون” لم يصل أي رجل إنجليزي، أو ينجح في خلق عالم ثانوي آخر، مأخوذ من عالمنا نفسه، ولكنه مكتمل بشروطه الخاصة، وأساطيره الموسوعية؛ عالم متخيل يتضمن معرضاً واسعاً من الكائنات الغريبة: “الهوبيت، والجان، الأقزام، العفاريت، وأخيراً، رجال الغرب”. لذلك نجد أن أعمال تولكين – خاصة سيد الخواتم – قد أرضت عدداً لا يحصى من القراء، وأذهلت نقاد معرفون بعمقهم الأدبي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رابط تمت الاستعانة به في كتابة المقال التمهيدي عن أدب الفانتازيا (هنا)

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر