الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: صَدرُ امرأة، قَبرُ عاشِقْة… قراءة على دفتر الشاعر بيرا كورا (1-2)

قراءات: صَدرُ امرأة، قَبرُ عاشِقْة… قراءة على دفتر الشاعر بيرا كورا (1-2)

دهب

(1)

      عندما يتعلق ألأمر بالشعر الإنساني – والتسمية محض افتراض عبثي جاء نتيجة لاقتطاع أخضر من الرأس “الغليد ده” – يقصد بها الشعر الذي يهتم بتفاصيل الإنسان المتغيرة، وما يجوش داخل نفسه من شعور، يحتاج المرء للكثير من الخيالات المسافر، والرؤى الثاقبة المترصد لدقائق ألأمور المدسوسة بين ثنايا تعرجات الحرف، كي يستبين شيء يسير من ذلك التشابك الحسي الذي يرمينا فيه هذا النوع من الشعر، وربما احتجنا لتتبع تاريخ الأزمنة التي ولدت فيها نصوصه، فقط لخلق تقارب معقول، يمكّن النفس من الولوج إلى جزء من مدلولها حتى يحصل التواصل، ففي الشعر ضرب لا يقصد العقل مطلقاً وإنما الوتين، حيث يكون الحرف محسوساً لا مقروءاً، وهذا يكون دائماً في حالة النصوص التي ولدت نتيجة اضطرابات غير مفهومة عاشتها النفس قبل أن يصورها العقل بكاميرا الحرف، لذلك أحد ما لن يستطيع معرفة الحقيقة الكاملة لقصيدة كـ “مصابيح السما التامنة” ولا حتى حميد نفسه، أما فيما يخص حقيقتها الظاهرة كمرثية باكية، مدمية للقلب، تشيع وطن حبيب في جثمان محب، وتعصر التفاصيل العادية لتنتج ذلك الزيت الذي يشعل لهب التوق المقدس فأيضاً يظل عصي على قارئ يجهل التفاصيل، سوف لن يتوصل لذلك الصدق المدلوق “بالهبل” في نص المصابيح، بل سوف تبدو له – القارئ الجاهل بالتفاصيل – كهلوسة لا جدوى منها، هذا إذا لم يتهمها بسذاجة الفكرة، وانحلال الحِبكة، في الوقت الذي يقسم مالك تفاصيلها وهو يستعير منطق فني ميكانيكا بأنها قصيدة صممت لتحل محل المفتاح الانجليزي، “ما عليك سوى ضبط مقاس حزنك وستجدها “طق طق”. وأخر يسفهها لأنها محاولة فاشلة لربط الوطن بـ “ودالمقبول” ، ثم تجد من يحسها، نعم يحسها فقط ، ومن بعد ذلك لا يستطيع أن يصفها ولا حتى وصف شعوره تجاهها، ومن هؤلاء الحبيب الصادق برباتوف، حيث أنه اقسم بأنها “كاملة”. الصادق حسين يونس، أو برباتوف كما يحلو لنا وله، قارئ حصيف له يرجع فضل اكتشاف الصلة الوطيدة في الإحساس بين بورخيس – في أكثر من قصيدة – ومصابيح السما، وبذلك تم الفتح المبين فبه عرفنا أنه رغم أنف الترجمة ألا أن اللوعة التي تتركها قصيدة لبورخيس تماثل تماما – في عنفوانها – ما يتركه نص “لأنكثن بوعدي إذاً” للكردي سليم بركات، وفي خط المصابيح رسم أبونا سنغور قصائده، ثم ترك مساحة شاسعة ليضع عليها بقية الاستثنائيين “مُخلاياتهم” السردية، فأرض الخيال لا تضيق بسردها، ولا مخيلات الاستثنائيين تضيق! . هكذا سيظلون يكمنون لدسائس الوجد والتوحد، حتى بيرا كورا اقتنص الكثير جدا رغم وصوله توا لدغل الشعر المكتنز بالطرائد، فبير كورا، قانص ماهر للحب والاجترار، للحرف والبلاغة. بيرا كورا؛ أسم غير أعتيادي لسوداني معاصر، فلو أنك لم تضرب “صي” تواريخ الممالك القديمة سوف تجوس كثيرا حول دلالة هذا الاسم، ثم تخلص الى “المرّاقة” المعهودة “أنه أعجمي فألعب به” فمن منهم قرأ التاريخ ولم يقف عند دلالة السلطان محمد الفضل “كورا” كرمز لتشتت سلالة الكيرا التي لم تقم لها قائمة إلا بعزم علي دينار السؤددي، سيظل أسم السلطان حيلة، وحيل الحياة كثيرة، لكنها لا تغلب حيل الشعر، وكلمة “الشعر” في ذاتها كلمة مفتاحية لدلالة تترفع عن التوصيف بذات القدر من التذلل عند التجربة، إذاً الشعر تجربة، ولكل تجربة وصف، وهذا أمر بديهي، سألت بيرا الشاعر عن الشعر ذات مرة فسكت، وهول السؤال مُسكت ولكن ليس لفتى مثله. يقول منكراً علاقته بالشعر: “لا امتَهِنُ كتابةُ الشِّعر، ولا أعرفُه، حتّى كلّ ما في الأمرِ أنّ بينِي وبَينَ الشِّعرِ قِصّة حُب، وبين الشعرُ وبينِي قصِيدة حُب ملحَمةُ عِشقٍ ابدِيّة ملحَمةُ عِشقٍ بدأتْ قَبل بِدايةِ هذا الكَون فتجَسّد عِشقُنا الميمُونُ وجوداً نعِيثُ الآن بينَ ثناياهُ ما بَيني و بين الشِّعر, وما بينَ الشِّعرُ و بينِي … لم يَبدأ لكِنّه أبداً لا ينتهِي …. الشِّعرُ ليسَت مَوهِبتي وأنا لَستُ موهِبة للشعر كُل ما في الخَمر أنّ بينِي و بين الشّعر علاقة لا ادري إنْ كانت شرعِيّة فعِند بِدايةِ علاقتنا ـــ التي لمْ تَبدأ ــ لم نَذهَب لمأذُون ولم يكُن ثمة احدٍ سوايَ، والشِّعر لم يُقَدِّم أيٌّ منّا للآخَرِ مهراً، ولم يكُن ثمّة شيء سِوى العِشقِ الذي نُمارِسه، فعلاقَتنا بدَأتْ عِشقاً أو بالأحرى كانَتْ عِشقاً مُنذُ الأزَل العِشق الهٌ رقيقٌ جِدّاً العِشق رُوح جميع الآلِهةِ… أنا والشّعر عشِيقان نتعرّى على فِراش الإبداع، نحنُ رُسلُ العِشقِ إلى العالم، نحنُ حدُود الأرض وسِرُّ الجَمالِ بأيدينا.

(2)

      يقول موافي يوسف* عند قراءته الغائبة عن حضرة سيدنا الفيتوري “إنها الأوجاع، الآلام، رُفات الجسد، ظلام الروح…، الآلام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعي، ولا تقول، الآلام العائمة بانهزام في بحيرة راكدة من الحزن” حيث يبد باجترار الأوجاع المخلدة في الجسد الذي صار رفات، متخيلاً الفيتوري بعينيه المهملتين مطرقاً يسمع شكواه ثم يعقب مجيباً، ربما هذا التشكي يقف على مسافة ما مما نحن بصدد استقراءه في هذا النص “صدر امرأة، قبر عاشق” هكذا أراد بيرا لقصيدته أن تنادى، فهذا يجعلها أثر جموحا في الوجد، والبكاء، وربما الفراغ السرمدي لسكان القبور، حيث يفاجئنا بفرحه الحقيقة عندما يؤكد في صدر النص

لَيسَت مَحضُ غَبطَة

إِنَّها الحقِيقَةُ سَافِرة

       “الحقيقة السافرة”ً تعبير يبدو أكثر وثوقاً/ نضوجاً، تحدي، وحقيقة، قوته في أنه أتى في صيغة قصر، والقصر المنفي توكيد ذا دلالة عالية، تُرى ما هذه الحقيقة السافرة، يستطرد كورا:

أَنَّ اللّيلُ يكونُ سَائِلاً

عند درجةِ مُوسيقى عينَيكِ

      الليل في اندلاقه الداكن يشبه سائل منسكب، وجريان الليل محل تقدير عند الشعراء، فلم يعدم الشعر قديماً أو حديثاً من ذكر حركة الليل، يقول امرؤ القيس في جريان الليل: “وليل كموج البحر أرخى سدوله … علي بأنواع الهموم ليبتلي”، وحديثاً يقول الشاعر سامح أبو هنود** مخاطباً الليل: “هيا انتظرني سوف أجمع حاجتي …. ورداً يطوق جيدها المصقولا”، ولكن حقيقة كورا السافرة هي ليل يسيل لا ليعذبه كما يقول القيس، أو يستعجله كما عند أبي هنود، وإنما ليدوزن نفسه على درجة موسيقى عيني الحبيبة، يا له من سفور استثنائي، وحقيقة تجعل صاحب الليل يعيش تدفق الليل الموسيقي بحبور طاغي، وكما الليل تجري القصيدة في مناحيها المتفرقة لتحيط بالحبيبة إحاطة السوار بالمعصم، فالنهر حاضر، ربما ليجاري سيلان الليل المُدرّج فحين يأتي السؤال هكذا تكثر التكهنات، لنرى:

النَّهَر ؟

قد يكونُ فِي تِلك الزَّاوية مِن الأنِينْ

فلو أنَّ الطُّبُولُ هَروَلت… خائفة

أو مِن فَرطِ ما بَدا خلف الغسق,

تنَاثرَت,

لَكانَ حتفِي…

لكنَّها خَبَّأتِ الطريق

و سَاطَت لنا هَذي الغيوم

فكان حتفِي …

      فما بين الروع والروعة تناقض عجيب، فعندما تجري بك الأحداث متناقضة، متغايرة، ثم توردك ذات المورد يقع الإشكال، وذلك لأنه يحمل دلالتين متناقضتين، فهو في الألم عديم الجدوى، فطالما الألم واحد فإن التخيير محض اعتباط، أما في الأشياء الممتعة يكون الأمر مغاير؛ عندما يتعلق الأمر بالمتعة فتعدد طرائق إتيانها يشكل فارق كبير، ولكن إذا تركنا كل ذلك جانباً فإن سلاسة الخروج بسؤال اعتراضي، عن شيء له علاقة خفيه بمسار الحديث “التدفق” يشكل مكسب بلاغي، فما زلنا في مأزق التحقق من تلك “الحقيقة السافرة” حتى أتانا هذا الموت المختبئ وراء “سواطة” الغيوم، فالراوي يدري حقيقة من أن السيناريو الأول يؤدي الى “حتفه” بيد أنه تفاجأ بأن الأخير أيضاً يقود إلى الموت، فهنا يختبئ بريق ما، على الأعين المتلصصة تحسسه، ولكن ماذا يقصد بيرا بهذا الخروج المختلس؟ هل للأمر علاقة بواقع أخر؟ بعبث الواقع ذلك؟ بأكاذيب، أو حتى نكبة أكبر من موت عاشق؟ فلنرى جنادب السرد القادمة علها تجعلنا نستوضح معالم الطريق.

لا المَرِيسةُ أنبَتَتْنِي،

ولا المآذن أعتَقَتنِي

وحدي سلكتُ أوردتي

وعبرتُ دمائي سيراً على الحنين

وعند الضِّلع السِتُّون وجَدتُك

      هنا ربما يقرأ قارئ غير حصيف مثلي القليل، كندبات البين، ضنك العشق، ثم طيش الصد. وصد العاشق كموت أقسى من الموت البيولوجي، يهدي الى إدمان “المريسة” ويقود إلى التبتل أيضاً، ولكن ثمة حقيقة أزلية لابد للقارئ حتى وإن كان غير حصيفاً مراعاتها، وهي أنه دائماً ما تقرأ الحبيبة كاستعارة “كبيرة” يقصدها الشعراء كحيطة قصيرة ليدسوا فيها أشيائهم الخاصة. وبيرا كشاعر نكبة- وأسميه كذلك لأننا جميعا نعيش في عهد النكبة – لابد له من استصحاب شيء آخر، وهو الشغل الذي يشغل حتى أحجار الأرض هناك، إنه العبث، نعم العبث الأكبر، أو ما أسميه “قيامة العدم”. فتلك الحرب العشواء قيامة مستعجلة للعدم، لذلك تجد دائماً مسام للدخول، وهو تواجد آخر داخل الدماء التي تسمح ليائس أن يعبر أوردتها دون تصريح، ولا يحتاج عاشق/ منكوب غير مكترث للشكليات، فهو مهيأ لخوض أي حماقة، فليس لديه ما يخسره على كل حال.

هَبِي أنَّ القَصِيدةُ أخطَأت،

لكنِّي جِئتُكِ من سِتُّونَ طريق

      وجدتها… وجدتها لو أني من خاض تلك الحماقة الدامية، لما توانيت عن الهتاف هكذا، فليس أرخميدس وحده يستطيع فعل ذلك، في الضلع الستين ومن ستون طريق، رغم ضلال القصيد!، هذا يكفي هذا يكفي سيدي كورا.

أفلَيس من الثَّمالةِ

أن تتساقط القُبَلُ من رِئَتَيَّ,

وفي هذا التوقيت من الشوق؟

إِني برئٌ من همسِ الشمسِ ِإليكِ

من حِنِّ النِّيلِ عليكِ

برئٌ مِنِّي

من تَعْرَصَةِ العِطِر

بريءٌ إلا مِنكِ

قال قباني مما غناه كاظم الساهر:

أشهد أن لا امرأة تجتاحني

في لحظات العشق كالزلزال،

تحرقني،

تغرقني،

تشعلني،

تطفئني،

تكسرني نصفين كالهلال،

وتحتل نفسي أطول احتلال،

وأجمل احتلال،

إلا أنتِ

      هنا توحيد كامل للمحبوبة، وإيمان صادق بها، وهناك براءة من كل شيء حولها، سوى ذاتها، فبهاء التصور والتصوير يلتف بصدق الحيلة، وقوة الجذب، وكلاهما رسول للعشق، ودرويش للحبيبة، بيد أننا نستقصي حبيبة أخرى، نحاول تلمس حقيقتها عن بيرا، فهل نستطيع؟ هذا غير مهم فألاهم هو التجرد في التزلف للذات أياً كانت.

وألُوذُ بِحَافِيَةِ الآهَةِ

من فيضانِ الضوء

كي لا أنزلقُ

صَوب الأخضَر مِن ناركِ

الدَّاخِل فِي خارج صمتِك

عند الأول من آخر نجمٍ في أُغنيتي

إلا أنّكِ

حوَّشتِ الأُفق بِدَندَنَةٍ…

سُبحَانكِ!

أفرغتِ القمر من غابِرِ خُطواتِهِ

فاستلقى مصُروعاً بجانِبِ أنفاسي

مسكينٌ أنت يا قمر…

ولكن لا تقلق،

أنتَ الآنَ فِي الأرض…

ليسَ ثمّة جنجوِيدٌ يتربّصون بِكْ

لا تقلَق

لن تَكرَهَكَ الاشجارُ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ أبيَض

لا تَقلَق

لن يخسفكَ إرهَابيٌّ بِذقنٍ ناسِف

و لن تَغرَق فِي البحرِ الأبيضِ المتوسط،

و الآن يا وَرِيف،

بضَوءِكَ قُل لي

ما صُورتُنا المَنقُوشةُ فِي مخيلةِ الشمس؟

هل عرشُ الله في حِلَّتِكُم؟

مسكينٌ هذا القمر

لا يعِي أنَّه مَهدُور الضوءِ

مُصابٌ بــ “الكِرَنكْ”

مسكُوبٌ مِثلِي فِي فَجركِ

ممسوسٌ مِثلي

      “الداخل في خارج صمتك” “انزلق صوب الأخضر من نارك” دلالات بليغة في رمزيتها الساحرة، “حوَّشتِ الأُفق بِدَندَنَةٍ” توصيف مجازي يوافي الموصوف كمال لن تطوله الواقعية. “ليسَ ثمّة جنجوِيدٌ يتربّصون بِكْ” تُرى هل تورط القمر في محنة الشاعر، أم أن المحنة قفزت لتطال القمر المصروع من صعق الحبيبة!، وماذا فعلت الحبيبة بعد صرعها للقمر، هل أكتفت باحتلال مكانه، أم واصلت الارتقاء؟ هل نقرأ ذلك كإدبار مهزوم؟، ربما تدبر هالك فقد ضاقت الأرض بما رحبت. “مصاب بالكِرنك” عقاب الأرض التي لفظت الحبيبة/ الوطن/ السلام/ الايام/ الحياة هو الضرب بالأرجل، الضرب المبرح، المتسرع، ذي الغبار الكثيف، كذلك الذي يكون في حلقة رقص الكرنك، وهنا يظهر هدهد سيدنا عاطف خيري في مركب نوح، فالإصابة، بأعراض كهذه لا تتأتى إلا في جو مشحون بالحروب وضجة الميلاد الثاني، والأساطير أصدق بكثير من الوقائع. دائماً. هنا نصل إلى هدنة الحرب الأولى على صدر المرأة السماوية، لنرى رؤى العاشق في قبره، يقول كورا رضي الله عنه:

ورأيتُكِ غداً بِأُذُنيَّ

كان طعمُكِ كالحِبر مساءً،

كَالوَرَق

      تناقضات العشق، خوارق الموتى، سمو الحبيبة، هنا…، وهنا امرأة تُرى بالأذن، وتُستذاق بالكتابة. فهذا البوح سماوي، وفي السماء تتبدل الأشياء، الموت يغيب الأجساد ولكن له أشياء أخرى يعرفها بيرا عليه السلام في نصه المسمى بالسيرة الذاتية للموت، حيث يقول في سيرة الموت” هُنا لِلمَوت مَعنىً واحدٌ، وَلكِن بَعدُ المَوْت يَصِيرُ لِلمَوت أَلفِ مَعنىً، وَمَعنَى “إذاً للموت ألف معنى، وأدوات أخرى في حضرت الولد الاسمر!.

وجدتُك تَرتَدِين سبعِ ِسماوات

لكنَّكِ كُنتِ أدهى وأمَرْ

كأنامِل الرِّيح تَفتِكُ بالشَّجن

يا هكَذا لونٌ لا نِهائيّ

بِنتُ البُهاراتِ أنتِ؟

سَاكِنةُ التَّمائِمِ؟

كلّ هذِي الشِّفاه من حرفَيكِ

وكلّ هذا الأنا,

مُوثّقاً بالرّقص

مُنذ قلبٍ لم يبلغ الحُلم

مُنسدلاً على جِدار عِطرُكِ

كم كُنتُ نبضاً بلا جُنون

كمْ لمْ اكُنْ

      “رباه رباه، هذا الوجد يرتقي للفيض” قرأت هذا التعليق تحت قصيدة مدح لشاعر من بوركينا فاسو أسمه اسحق سيكا، كانت القصيدة مكتوبة بخط “ورش” منمق ومقفية بعناية تطوف حول الممدوح الذي كان رسول الله ثم ترتقي به نحو سموها، كاتب التعليق صديقنا المادح عبد الوهاب “ربنا يطراه بالخير”، وفيض الحضرات عند السادة الصوفية، لا تدانيه مباهج الدنيا، والذي منه “الكنزية” وهي فاتحة الوجود، وماهيته أيضاً، كدلالة غامضة على تسيّد العالم وتسييره، ولأني أطلعت على الدواوين الستة للسيد الكولخي***، أجد أن الدلالات البرزخية في الشعر الوجدي، تتطابق حد التماهي، ليس مع المحبوب فقط وإنما بين المحب وحرفه، قبل أن تصعد إليه، وهي ميزة النجوى المستحيلة، كما يسميها سيدي أبو عسل****، ومن ذلك هذا التعجب المتواجد بكثافة في هذا النص، كقوله ” كلّ هذِي الشِّفاه من حرفَيكِ” هنا يختلط ألأمر على القارئ، بين الحقيقة والسؤال، وذلك بسبب الإهمال المقصود لعلامة الترقيم، فسيدنا كُورا أراده ان يكون مأزق هكذا، وهو في الحقيقة تعجب تقريري، يأتي في سياق “سبحانك ما خلقت هذا باطلاً” فالجملة هذه تقريرية أكثر من أنها تفكرية، كما مسعى الحديث في أول الآية، حرصاً على كبح جماح النهايات غير المحددة. ويواصل النص جذبه المضطرب ليس للتقرير فقط، فهو يتساءل كي يقرر، ويمجد حين يقرر، وهكذا يكون الإيمان والتسليم السرمدي.

تُرى كم قصيدة كُتِبت مُنذ بدءِ الخَليقة؟

مِقدارُ قُبلة

بِطولِ اللَّحنِ النَّابِت في خَديكِ

أُراهِنُ أنَّها مهما بَرقَت,

لن تَبلُغَ شِبراً من وَسْوَسَتِي بِكِ

فلنُعلِن قلبُك مهرجَاناً

ثُم نبحثُ عنِ النَّهرِ بين نَهديكِ

ثُم نغرَق

نغرق في سماءك داخل نهر نهديك، تمت ولم تتم الدهشة، سيظل هذا النص محفوراً بعمق النهر الذي أغرق شخصيه، هذا إذا سلمنا بأنهما فقط اثنين!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*موافي يوسف: شاعر وكاتب سوداني صدر له كتاب “سبع ساعات في رفقة النهر” في سيرة الشاعر الفيتورى، عن مجلة جيل جديد الالكترونية.

**سامح أبو هنود: شاعر يكتب بمنتدى ادب وأدباء.

***إبراهيم إنياس الكولخي: شيخ وشاعر ونحوي سنغالي، له كتاب الدواووين الستة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم.

****أبو عسل أحمد السيد: روائي وشاعر سوداني، صدرت له عدة روايات منها ” الرحيل ضد الأزمنة الرمادية.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان