الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: فانيسا… أنفاس نهر الأووز… رؤية فكرية للحياة

قراءات: فانيسا… أنفاس نهر الأووز… رؤية فكرية للحياة

فانيسا

      تفتح هذه الرواية، لكاتبها محمد جمال الدين، هماً فكرياً غير متناول بصورة بارزة في فضاء الرواية بصورة عامة، والرواية السودانية بصورة خاصة، لذا تبقي مساءلتها نوع من المعضلة، لأنها ستكون مساءلة من حيث فنيات الرواية، ومدي وصول القالب المحبوك إلى قارئها، ومن ثم مساءلة لمتن الأفكار التي قيلت بصورة واضحة، وهي تنتمي لحقل الفيزياء بصورة خاصة، وحقل الفلسفة بصورة عامة. والتي اتخذت موازيات موضوعية كثيرة كقوالب تتمرر عليها الرواية. فطريقة المذكرات عن طريق شخصية غير محورية احتفاء بذكري فانيسا مما يدل على تثبيت موتها منذ البداية كانت هي التقنية الروائية التي البست بها الافكار والحبكة، وفي نهاية القراء سيكون هناك سؤال يحضر في الذهن، إلى أي مدى نجحت هذه التقنية في إثارة القارئ وإمتاعه فنياً وفكرياً؟

      عند مسائلة الحبكة نجد في البداية أن الصدفة النادرة هي الموازي للكاتب لتراتبية القصة منذ البداية، وهي التي جعلته يذهب لمؤتمر مفتوح للمشاركة في (التنمية والتعاون الدوليين) بحيث أنها كانت موضوعاً ومبرراً كافياً للقائه بفانيسا، واصبحا عاشقين بعد هذا اللقاء. في الحقيقة هذه الجزئية ربما تبدو ضعيفة نوعاً ما، وكان يمكن استبدالها بحبكة مغايرة، كنقطة اثارها أ.عمر أرباب حين نقاش معي في هذه الرواية ووافقته، خصوصاً أن فانيسا يحتمل أن تكون معه في ذات المؤتمر من حيث أنها يسارية, ومهتمة بالبيئة، ولها آراء في حقوق البيئة.

      أما على مستوى فضاء الرواية عامة نجد أنه قد قسمها إلي مقدمة ليليان بحديثها عن المذكرات لتخليد ذكرى فانيسا، وعدد 19  فصل ليس لها عناوين، إنما ارقام. في الفصول من 2-4 هناك تفاصيل دقيقة تعمل على تنمية العلاقة بين فانيسا وبيبان, تفاصيل مثيرة ودقيقة للغاية توحى مدى تراكمية الحب الذي نشأ بينهما, كدلالة مهمة لبناء ما يلي من الرواية التي تعتمد على العلاقة الخاصة والمطورة بينهما، والذي فتح حوارات في مناحي شتى، أغلب اعتماده من بيبان  ومن قوله ( لم يكن لقاؤنا صدفة إلا بقدر ما يكون الكون كله صدفة. فقد كنا مهيأين منذ الأزل لتلك اللحظة). الجملة التي تعتبر أساساً للمرجعية الفكرية لبيبان، بحيث أنه اتخذ نظرية الانفجار الكوني (بق بانق) كأساس معرفي، ورؤية كونية لتفسيرها على باقي نسق الحياة، يجدر الإشارة إلى انها نظرية تنسب لستيفن هوكنج في إطار رده على منشأة الكون، وتعضيداً لإلحاده.

      مثلما قال بيبان وطبق هذا الأساس على تطبيق كالتقائهما معاً (بأنه لايشكل مزاجنا وأذواقنا الحسية والمعنوية فحسب, بل أيضاً رؤيتنا للحياة والأشياء، ومصيرنا في الماضي والحاضر والمستقبل). فهي دلالة واضحة على مدى سعة رؤيته الكونية واتخاذه النظرية كأساس له.

      أما إذا أتينا إلى محور المساءلات الفكرية لمتن الرواية كأفكار، وهي مساءلات خارج النص لكنها ممتدة إلى داخله من واقع استنادها إلى نظرية موجودة, وأفكار مضادة لها. فمثلاً عند وقوفنا على رؤية بيبان للمجتمع المدني (جوهر المجتمع المدني في مظهره, إذ لا ذات قائمة بذاتها للمجتمع المدني). إن المجتمع المدني كإحدى الرؤى المعروفة بأنه من تجليات الحداثة في تطبيق الدولة الحديثة التي تستخدم المجتمع المدني كأداة ناعمة لإنزال توجهاتها وصفاتها على أفراد المجتمع. وأيضاً هناك وحدة الوجود ذكرت في مواضع عديدة مثلاً عندما رد بيبان على فانيسا وهما يمران نهر الاووز (فقط شعرت بالانتماء إلى هذا النهر, شعرت وكأنني منه, وكأنه مني, شعرت وكأننا شئ واحد) ويمكن مساءلتها بذات الطريقة السابقة لمن يملك موقفاً مغايراً لهذه الدلالة. ويمكن مواؤمتها ومقارنتها بكيفية وجودها في ذهن البطل الذي يحمل نظرية تصنف على أنها إلحادية من قبل علماء اللاهوت, ففكرة وحدة الوجود هي صوفية الأساس. مما يجعل هناك إشارة صغيرة في نقيضة لبناء شخصية البطل على مستوى الأفكار, ويمكن أن لا يكون ذلك أيضاً. فهو سؤال مفتوح أتركه لمن يقرأ.

      من الموازيات الموضوعية التي يمكن الوقوف عندها في كم هذا السرد الفكري عند الرواية الحب كوني الذي كون في البداية بتفاصيل حميمية، وفي نهايات الرواية عضد بمفاهيم نظرية من قبل المحب بيبان، فمثلاً قوله: (ليس بالضرورة أن نبقى معاً إلى الأبد، بالمعنى اللحظي ليس ممكناً، ولكنني سأحبك إلى الأبد, في حضورك المادي وفي غيابك) (أنا لا أشعر بالانتماء لأووز فحسب، بل لك أنتِ أشد, يافنيسا). تعبر عن مدى عمق الحب الكوني العابر والسامي في نفسية بيبان, كشعور متسامي ينشأ قبل الوجود ويستمر, فالحب ليس بالضرورة يقتضي البقاء اللحظي, فهو فكرة سامية حتى في الغياب, وهذا قمة العلو في معنى الحب. ومن المعاني المتخيلة لذهنية القارئ أيضاً بجانب تأسيسه لفكرة حب سامية التجربة التي رويت في الفصل 13 المتعلقة بأن تخلع فانيسا كل شئ عنها من ثياب ومظهر ولغة حتى عن تصوراتها الموضوعية حول العالم, هي تعتبر بمثابة تجربة ورجوع من الكاتب بالخيال إلى نقطة البداية ما قبل تكوين المعرفة، منذ اكتساب اللغة، مروراً بالزمن إلى المنشأ الأصلي للمعرفة. تجربة خيالية تحفز القارئ على البدء بالبحث عن المعرفة التي كونته، عن الأصالة في سلوكه ووضعه في هذه الحياة.

      لماذا الرواية؟ يمكن استشفاف الإجابة من رد بيبان على فانيسا (أنا فقط أبحث عن معنى، وكيفية ما يحدث بيني وبينك, وبيني وبين نهر الأووز, وبيننا معاً, وبيننا والوجود الحاضر، وبين الوجود والكون في كلياته وبين الكون والأكوان كلها)، وهذا انتقال من الجزء إلى الكل، بإعتبار أن رحلة البحث عن المعنى تتطلب رؤية كونية, نسق فلسفي يجاوب عن كل الأسئلة من أصغر سؤال يتعلق بالفرد إلى منشأ الوجود.

     وأخيراً العنوان الذي يحمل دلالة طافحة بالأمل (انفاس نهر الاووز) والاووز كما ذكر في منتصف الرواية يعني الماء، يعني الحياة, ففانيسا هي الحياة، هي الارتكاز الأساسي للرؤية الكونية المتسامية من أدق التفاصيل إلى كليات التفاصيل، عبر الحوار الذي نشأ معها، عبر تفاصيلها الحميمية، عبر ما يكون من حولها من مكان يختص بها كالنهر، والعائلة. شعور مدفوع بفكر يتمازجان على طول الرواية. فهي لامست معنى كبيراً يتخطى أسئلة الهوية الضيقة، حيث أن الكاتب لم يتطرق إلى هوية بيبان التي نشأ منها، فكل ما نعرفه أنه من منطقة أفريقيا, وكان التخطي متجانساً مع نظرية البق بانق, التي ترمز لإنشاء رؤية متسقة تهدف إلى بناء إنسانية, وتنمية وعدالة، وكل ذلك يكون بالحب المتسامي المتعالي التي يوصل إلى حد الانتماء للآخر بكل ما يحتوى.

      رواية فتحت الأذهان لافاق معرفية علمية، وأثارت أسئلة كثيرة، يمكن لأي قارئ تتبعها والاستزادة من كل إشارة فيها. ويبقي أن الحكم عليها من ناحية بنيتها الداخلية كأسلوب: فهي متوسطة الاقناع، خاصة في حبكة البداية, لكنها كتقنيات داخلية متعددة نجحت إلى حد ما، من حيث التشويق، إثارة الحوارات، إدخال شخصيات بلمحات سريعة لإثبات رموز هنا وهناك تسمح للقارئ بالتفكير فيها. وكلغة كانت سلسلة ورائقة وهادئة تحمل معناها الفكري. والفكرة التي ترتكز عليها الرواية هي ما يميزها باستخدام الفيزياء كمحور يسوق الرواية للدوران حول مفاهيم كثيرة ومتعددة تتعلق بالحياة ككل.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان