الرئيسية / احدث التدوينات / مسرح العرائس

مسرح العرائس

IMG-20170527-WA0007

بقلم: أمير جويلي     

      استيقظت ككل صباح، رأسي ثقيلة ومخدرة، مخنوق الصدر وضيق النفس، أسعل بعنف وابصق في أي اتجاه غير مبالٍ، أنهض من رقدتي جالساً، مُسقطاً قدماي على الأرض مُرسلاً اعلاماً للحياة أن ساكنك عديم الجدوى ما زال حي. في شرود أنظر للحسرة المتشبعة بها الجدران واكوام الاقمشة والخيوط والاخشاب، المتراكمة في كل مكان، ملقياً رقبتي بلا تحكم على كتفي، ومتكئاً بإحدى يداي على ركبتي البارزة العظم، اُوتد بها خيمة جسدي المتهالكة، وباليد الأخرى أتحسس هذه الكرة العظمية المائعة من فوق اكتافي، المكسوة بملامحي الرتيبة واتساءل في نفسي متى ينتهى الصخب؟ الصخب في كل شيء، في الصحو وفى المنام، وفى الصمت اشرس من كلتاهما. العيش مع الموتى صعب فهم لا يكفون عن التهامس، كل يوم وكل لحظة هم أمام عيني، أنام على صورهم، واستيقظ عليها وداخل رأسي حكاياتهم لا تبارحني.

      شعرت بوخزة باردة على سطح فخذي العاري جراء سيلان اللعاب من طرف شفتاي الفاغرة في بلاهة مسلوب العقل، أرجعت رأسي للوراء، فلامس خيط اللعاب الغير مقطوع صدري وجانب رقبتي، ألقيت براسي وهويت على ظهري فتمددت بلا شكل كعرائسي المنزوعة الروح، أناجى السقف الذى حفظت تفاصيله الباهتة من أرق ليلة وراء أخرى، متى تعود لي نفسي؟ لكن متى كانت هنا لتعود، فحياتي من بدايتها ليس لها معنى أو لا معنى! أنا عالق وسابح ومثبت في نفسي.. من آن طويل وأنا أعيش بمفردي أقدم التضحية اللازمة لتلك القضية.. أتكون وهمية بالنهاية ولا شيء يستحق ما تكبدته من عناء و أرق، أأنا من اخترت التضحية بسلامة عقلي! أم أن الهجر والرفض هما ما وضعاني على هذه العتبة الملعونة، عتبة البحث عن قيمة.

      بين الحين والآخر ينتابني شعور أن لساني عطب من قلة الحديث، ويخيل لي أنى نسيت نبرة صوتي الأصلية من كثرة الطبقات التي استدعيها كل ليلة، وصار في جسدي تيبس كالذي في الخشب، واختزلت كامل قدرتي في منطقة واحدة من جسدي، إنها أصابعي النحيفة التي تتلوى كالثعابين في نفور واتجاهات متعاكسة، فهي وسيلتي الوحيدة في النظر إلى العالم ومحاكاته، وهذا جنون، ولكن ما الفارق الذى يحول بين مرض العقل ومرض الجسد؟ فالعقل إن علّ لا ترى العين جيداً، وإن كانت سليمة حادة البصر كعين الخيال التي يمكنها أن ترى ما تشاء في الجسد الكسيح، هل تدرك أذن الجسد الصحيح قيمة سمفونية لبيتهوفن الأصم إن لم تكن الروح نافذة متأملة مفتوحة على العوالم الفريدة. إن الفوارق دون الروح ليست إلا كوميديا اجتماعية ساذجة ومقززة.

      تفصلني عن الساعة الرابعة موعد ذهابي للعمل عدة ساعات، ستمر كما تمر كل يوم دون إدراك واضح لكيفية مرورها. وعندما يأتي الموعد المحدد سأرتدي حلّتي السوداء وقبعتي الرثة، وفوق ظهري سأحمل صندوقي الثقيل حيث أذهب لأقوم بما أقوم به كل يوم، أهبط درج البيت العجوز الذى أسكن في طابقه الثالث، في هدوء كي لا يؤلم عمودي الفقاري المنحني الصندوق الذى أحمله، ثم أخرج للشارع المزدحم وأسير بمحاذاة البنايات حريصاً على ألا يصطدم كتفي بأحد المسرعين الذين يعتقدون أن الدنيا عندما تؤخذ على عجل سيحصلون منها على الكثير. أعبر ناصية وأخرى بعدها، ثم أنعطف يميناً وأسير مسافة قصيرة حتى أجدني أمام نافذة بيع تذاكر الحديقة العامة التي تبلغ مساحتها ثلث المدينة التي أقطنها، وهى معروفة بأشجارها العالية التي تقترب أعمارها من الخمسمائة عام كما هو مُدون على اللافتات المتناثرة في أرجائها الواسعة.

      وخلف النافذة الحديدية تجلس وراء نظارة سميكة العدسات العجوز التي لم الحظ اختلافاً واحداً في مظهرها وطريقة عملها منذ ثلاث سنوات من يوم اتخذت من الحديقة طريقاً لعملي، رغم أن الطريق عبر الشارع أقرب، لكنني لما وجدت في السير بأحضان الطبيعة لذة نفسي تحتاجها فداومت عليها. يوجد بأسفل النافذة نصف دائرة شاغرة تمرر العجوز منها يدها لتحصل النقود وتعطي باليد الأخرى التذكرة التي تتساوى قيمتها مع ثمن سيجارة، بتلك التكلفة البخسة يمكن للزائر أن يقضى اثنتا عشر ساعة يرتع بداخلها يفعل ما يحلو له عدا احتساء الخمر وافتعال الشجار أو ممارسة الجنس علناً، ولهذا يرتادها أكثر من نصف سكان المدينة، ونصف روادها يأتون اليها لينامو تحت الأشجار عوضاً عن النوم في مساكنهم الضيقة المشحونة بصياح الأطفال والمشكلات المتجددة مع مُضِيّ كل يوم، أما النصف الآخر فيتكون من ثلاث فئات الأسر البسيطة التي تأتي للتنزه وتناول الأطعمة والمشروبات التي أعدوها في المنازل قبل خروجهم، ويليها في الترتيب الفتيات والشبان الذين يبدو من جلوسهم بمفردهم و انخراطهم فى التفكير أنهم يعانون الوحدة والاضطرابات الأسرية والفئة الاخيرة ونسبتهم قليلة، هم العشاق الذين ترهقهم تكاليف المقاهي الفاخرة، وهم لا يُروا في الحديقة بكثرة، لأنهم يجيدون الاختباء والتواري بعيداً عن الأنظار.

      هذا الباب الذي أدلف منه هو باب الحديقة الخلفي، وعلي بعد مسافة مسير ساعة يوجد في الطرف الآخر بابها الأمامي، وعند الخروج منه أجد المسرح الكبير الذي أعمل فيه أمامي متوهجاً بالأضواء، وللوهلة الأولى يبدوا للناظر أن العاملين به هم أسعد الناس في مدينتنا. اقطع هذه المسافة طولاً في ساعة ونصف، لأنني اتمشى بهدوء، واضعاً كلتا يداي في جيب بنطالي، مائجاً ببصري في كل ما تقع عليه عيني، مُعطيا إياه وفيراً من التفكر والتأمل. أغرق في العيون، وأسافر في الوجوه باحثًا عني، عن المعنى، عساني أجدني في واحدة من ضحكات الأطفال العالية، الذين اتسخت ملابسهم من كثرة اللعب، أو في عين مسنة مخبوءة بين شقوق حفرتها قسوة الزمن، أو في قوام امرأة ممشوق ومثير يبعث الرجل الميت بداخلي من رقدته بالتابوت. عندما أنظر للناس وأراقبهم عن قرب دون خجل أشعر بما يشعرون به وأراهم وأراني من خلال عيونهم، وأعيد محاكاة الماضي من خلال أفعالهم، حيث أشعر أني أعيش في اللحظة أكثر من حياة واحدة، فهي طريقة تشعرني بالانتصار على الأمس الذي تلاشى، ولم يتبقى منه سوى صورة باهتة في ضباب خيالي، ها هي الصورة تتحول لموقف يحدث أمام عيني ثانية، وبمزيد من الانخراط يمكنني الشعور به وكأني أعيد فعله، فكل المواقف والأحداث التي يفعلها الناس باختلافاتهم قد فعلها كل إنسان بمفرده، سواءاً واقعياً أو في خياله، ففي كلتا الحالتين جميعنا فعلنا كل شيء وشعرنا به، فبنظرتي إلى الانهزام في وجه الفتاة الجالسة على طرف البحيرة بمفردها لعدم وجود مكان آخر تلجأ إليه يمكنني أن أرى حبيبتي التي تخليت عنها كيف كانت تبدو حين هجرتها، عندما كنت أتمنى أن أملك قدرة خارقة تمكنني من رؤيتها كعين إله من الأعلى كي أشعر كيفما تشعر، وأعرف كيف تقض أوقاتها، أو هي أمي عندما كانت تتركنا وتخرج هائمة بعد موت أبي وهى في سن مبكرة، أو هي أختي التي طمست أنوثتها أحلام الإنسان التي هي عليه قبل جنسها، أو هي كل النساء في لحظة جميعهن مروا بها.

      أرى فيّ الطفل الذى يهز بقهر يد أمه كي تعيره قليلاً من انتباهها ليخبرها بشيء تافه من الأشياء التي ملّت سماعها، طفلي الوحيد وكل الأطفال الذين حظوا بكل الرعاية ولم يحظوا بلحظة من الاهتمام يُسمع فيها ما يريدون قوله بجدية، وأرى في هذا الشيخ الذى يخطو ببطء شديد، وتقترب رأسه من الاصطدام بيد عكازه من انحناءة ظهره، نهايتي ونهاية كل إنسان مشتعل بالحياة يود أن يبقى بها أطول مدة ممكنة، وأعرف كيف أن الموت في الأعمار المبكرة هو الجائزة الكبرى التي قد يحصل عليها إنسان. أقفز من وجه لوجه، ومن فكرة لفكرة، أسافر في الحيوات بحرية، فأخرج مني لبضع الوقت وأنساني، وهذا أحد افضل ما استطعت الوصول إليه من شعور كي أمرر الوقت، وأقضي مدة إقامتي هنا في الحياة بسلام لا يعكره وابل من رغبات لا تكف عن النقر في طبقات تفكيري العميقة، الطبقات التي لا تتبخر أفكارها مهما أكلها الغليان. فمن الرغبات تخلق المعاناة ، ورغباتي كالنجوم البعيدة، وميضها عالٍ، ونوالها محال، وحقيقتها خادعة، لأن لا وجود لها، وإن سلّمت بذلك وحدقت في الحقيقة، أو تقبلت وهم نوالها يوماً، ففي كلا الأمرين حرب خطرة، وغرق في دوامات من حيرة لا نهاية لها. سأفقد مقدرتي في مواجهة الإلحاح، إما لنسيان رغباتي، أو لنيلها بإستماتة مهما تكلف الأمر، وبين هذا وذاك سينفذ مخزوني من الاحتمال، وتبدأ الصدمات العاتية التي تسفر عنها المواجهات مع أفكاري الشرسة في تقشير جدار نفسى طبقة بعد أخرى بحدة مهلكة، فقد صار خصمي الكون الكبير الذي أردت أن أنفرد أمامه بإبداع عمل يهزمه، أو إدراك حقيقة عصية على الفهم تجيب على السؤال المثقل تشبعاً بأطنان من الغموض الخبيث: “ما الذي أفعله أنا وكل هؤلاء البشر المساكين هنا؟”

      ككل شيء لابد له أن ينتهي تنتهي رحلة تحليقي داخل نفسي ونفوس الناس بخروجي من باب الحديقة المقابل للمسرح، فأعبر الشارع منزعج من السيارات وضوضائها، وربما ما يصدمني أكثر هو سقوطي المفاجئ من عوالم الخيال الرحبة للواقع الخشن المحدود الذى يعيدني لواقعي الضيق من جديد، بعد أن كنت ممعناً في رحاب الفلاة مني. أدور حول المسرح لأدخل إليه من بابه الخلفي الخاص بالعاملين، وأسير في ممر ضيق وطويل بالكاد يكفى عرضه لمرور شخص ونصف، وهذا يعنى أن مقابلتي لشخص آت بالاتجاه الآخر تفرض على أحدنا أن يمر جوار الآخر بجانبه، ولأني أحمل فوق ظهري صندوقي الخشبي فدائماً من يقابلوني يضطرون لأن ينزوون جواري حتى يعبر كلانا. وبنهاية الممر أصعد سلم حديدي حلزوني يصعد بي للطابق الأعلى، وأثناء صعود السلم يصدر عن حذائي صوت مميز جراء احتكاكه بالسطح الحديدي، ورغم ملل ورتابة وقع هذا الصوت في أذني إلا أني أشعر أنه جزء هام من تكويني، ويصعب عليّ عدم سماعه لأكثر من ثلاثة أيام. أمر بقاعة واسعة يأتي إليها الممثلون كي يتلونوا ويصيروا أناسا آخرين غير الذين هم عليهم، مثلنا أيضاً فجميعنا نتلون؛ هم بالألوان التي تخفى بؤس مناظرهم، ونحن بالأحاديث الوهمية المنمقة التي تخفى حقيقتنا الهشة التي يقلقنا جداً أن يطلّع عليها أحد. ومن هذه القاعة المصغرة من العالم بالخارج أدلف إلى غرفة الانتظار، تكون قد وصلت الساعة للسادسة، ويفصلني عن موعد عرضي نصف ساعة، فأجلس على حد الكراسي الثلاثة الوحيدة بالغرفة لضيق مساحتها، وكل يوم في مثل هذه اللحظة، اللحظة التي تعقب جلوسي بثواني قليلة، يقبض عليّ الصمت ويتبادر إلى ذهني السؤال ذاته، وكأن أحداً ما داخلي يلقي علي التحية: ما الذى أفعله هنا في المسرح وفي الحياة ؟!

     في السادسة وعشرون دقيقة يلوح لي دون اهتمام المسئول عن تنسيق تتابع العروض كي أهّم وارتقي خشبة المسرح فور إغلاق الستار وبدء اصحاب العرض السابق في الانسحاب. أفتح صندوقي وأخرج أدواتي في عجالة لا حاجة لها، وأنتظر ما يقرب من عشر  دقائق حتى يفتح الستار من جديد. ينفتح الستار وأجد نفسي أمام جمهور كبير من الصغار، يبدو أنهم في رحلة مدرسية، يتخللهم كل خمسة مقاعد أو ما يزيد، أحد الاباء أو كما يسمونهم أولياء الأمور، وكما يبدو أن أغلبهم تشغلهم أموراً أخرى غير ابناءهم منعتهم من مرافقتهم إلى المسرح الذي يقدم أشياءاً تافهة.

      يجب أن أبدأ عرضي الآن، فعيونهم الموجهة ناحيتي متعطشة ومتأهبة لسماع كلام ينتظرون أن يروقهم لأقصى درجة، والوقت يمر، ولم أزل لم أتخلص بعد من محاوراتي الداخلية لأحافظ على اتزاني، واصطفي بعناية واحدة من إحدى قصصي تناسبهم كي يسعدوا، وتتعالى ضحكاتهم ويمطرونني بالهتافات المادحة والتصفيق في نهاية العرض، يجب أن أنطق بأي كلام يلهيهم الآن، بينما أفكر في إختيار قصة قبل أن يبدأوا في التهامس الذى سيؤدي إذا تعالى إلى الانفلات والفوضى، وإفساد قدرتي على إحكام السيطرة على عرضي وسأبدو سخيفاً وفاشلاً.

      مِلت برفق على دميتي دون أن أحرك يدي التي تمسك بعصا تتدلى منها الخيوط التي تحركها، وهمست لها بصدق بما في صدري، رغم أن هذا بدا للحاضرين على أنه جزء من حبكة العرض.

      – تحدث، قول أي شيء قبل أن يملّ أحدهم و يخرج من فمه زفيراً عالي الفحيح.

       فهمست لي في ضعف ودونما حراك.

      – تحدث أنت! كي أتحدث أنا. أنا لست حقيقياً، ولا أعلم غير ما تُعلمني به.

      – وأنا أيضاً لا أعلم شيئاً. كنت أظن نفسى أعلم، لكن الآن أنا لا أعرف ما أقول!

      – ربما العيب فيّ، أعدني إذاً للصندوق، وخذ دمية أخرى مشرقة تذكرك بواحدة فقط من الحكايات التي أفنيت عمرك في صناعتها وحفظها.

      فتشت بعيني الصندوق الموضوع على الأرض بجوار قدمي، وتخفيه المنضدة التي تقف عليها دميتي بعيداً عن أعين الحاضرين، ونظرت للعرائس الملقاة بداخله، وقد تداخلوا بعضهم البعض بما سلبهم معالمهم، وكأنهم يؤكدون لي كونهم أموات لن يفيدوني بأي بشيء. فكل من فارقني يجب أن أحدثه أنا بمفردي الآن، وأنا لا أستطيع، لا أملك المقدرة بالتحكم في هذا الكائن اللعين العائش بداخل جمجمتي الضاغط عظامها من الداخل، إنه كالـ… قاطعني همس الدمية الخافت، جلبني من مكان كنت سأنسى فيه وجود مسرح وجمهور يجب أن اقدم لهم شيئاً الآن.

      – ركّز معي، ولا تترك نفسك لمحاوراتك الداخلية هذه، سأخبرك بفكرة جيدة، قل أي كلام تافه لا يحمل أي معنى، وسيجد قبولاً عند الحاضرين، وينتهى العرض في سلام، دون نتائج مبهرة، وأنت لا تطمح في أكثر من أن تمرر هذه الساعة المربكة دون فشل يتسبب في طردك من عملك.

      – أفهمني! لا أستطيع التركيز، هل تفهم ما يعنيه هذا؟ أنني ليس لدي المقدرة، لم تعد لدي، افهم أيها الصامت المنزوع الروح، الممل عديم الرأي والقيمة، كيف لك هذا الإصرار على الموت والتسليم للخضوع، ألا تريد أن تتحدث لمرة واحدة، مرة واحدة فقط تخرج فيها عن صمتك المبين وتقول ما تريد أنت قوله، وليس ما أريدك ان تقوله، أليس لديك أي شيء تقوله.. أي شيء على الاطلاق؟

      وجدت يدي تحرك رأسه إلى الأعلى دون إرادة مني ليحدق في الحاضرين، ويحاول النظر إلى الأعلى لكنه لم يستطع أن يرى غير خيوط متدلية من ظلام واسع.. فقال في صوت واضح بدا متماسكًا لي وللحاضرين : “بل! لدي ما أقوله”.

      مر بنظره ذهاباً وعودة، متفحصاً وجوه الحاضرين، وأخذ خطوة للأمام، ثم مدّ رقبته ناحية ما ينظر إليه قليلاً، ورفع إحدى يديه مشيراً بها إلى بعض الجالسين في أحد الأركان، هز أصبعه مرتين باتجاهه بطريقة أوحت بجدية شديدة لما يريد إخبار الجالسين بهذا الجانب الذي يشير إليه. ثم بدأ الحديث قائلاً: “إن ابتسامة هذه الطفلة الصغيرة التي تجلس أمامي وتحدق فيّ، الطفلة ذات الضفائر القصيرة المعقودة بالأشرطة، المرتدية الفستان الأبيض الجميل، تلك الجالسة على قدمي أمها الشاردة في الأحلام المطمورة. إنها تملأني بالحياة وتأخذني بعيداً عن محاورات لا أكف عن مناقشة تفاصيلها مع نفسي، التي بتُ لا أحتمل تساؤلاتها المفجعة، ابتسامتها البريئة جعلتني حراً، ممعناً في الفلاة من جسدي، لأبلغ أسمى مراحل الحس بالسعادة، لعلمي أنى أنقش على جدار ذاكرتها الآن نقشاً جميلاً، سوف يعيش معها طويلاً، وربما لن تنساه أبداً، لكونه حي عكسي تماماً. سوف ينمو ويكبر مع أيامها ليملأ روحها بالجمال، ويمنح عقلها الرزانة، ويمنع عنها خبائث الأفكار والشرور، فتغدو كائناً حسناً يلفها النور، أينما تحط قدماها تكن الأرض ملآى بالسلام والجمال، سيحميها ويعصمها ويمنحها في المستقبل شخصية يحسدها عليها بقية الأطفال المتناثرون هنا أمامي في هذه القاعة، عالمي الوحيد. هؤلاء المساكين عندما يكبرون ليجدوا نفوسهم هشة كالثلج، خارجها كداخلها، زائفة الصلابة، سيشق عليهم جداً معرفة السبب، ولن يملكوا إلا أن يتحيروا ويتفكروا كثيرا لمآل حياتهم إلى هذا المسار العادم المذاق الممتلئ بالرتابة، المغاير لحياة هذه الطفلة الصغيرة المبتسمة التي تتحرك أصابعها في منأى عن الشعور بطريقة تنم عن مدى إمعانها في ما أقول إلى الحد الذى وحد كل حواسها داخلي لتبعث فيّ الحياة من جديد، إنها واحدة من هؤلاء الذين يصيرون شموعاً مضيئة، أثق أنها يوماً ستغدو كاتبة عميقة، أو فنانة مبدعة، وربما مخرجة أفلام تحرر أرواح الناس الأسيرة في قوالب جامدة. الذين لم يتراءى لهم وهم أطفال كهؤلاء أن مشاهدتي كانت ذات أهمية، لكنهم أطفال، كيف سيتراءى لهم ذلك أمام انعدامه، أم أن ابائهم الذين حصلوا عليهم صحف بيضاء هم المسئولون؟ الحقيقة أنا لا أعلم أمور اخرى كثيرة، لا أعلمها لأن عالمي صغير للغاية، لا يوجد فيه سوى حيرة وقلق وتساؤلات محجوبة، اجاباتها وراء مدى بعيد مُحال على قدراتي بلوغ مداه. فأنا وُجِدت لغرضِ ما، حيث أقول ما لا أريده، وأتحرك كيفما توجهني اليد الخفية، واكتسي بالشعور لأبتهج وأتألم وأحاور نفسي حين أكون بمفردي حتى أمتلأ بالتشابكات والعقد، وأصبح مُؤدياً بارعاً عندما اعتلي المسرح، يكن لعرضي قيمة، ويبدو الأمر كالحقيقة في الوقت الذى هو فيه عكس ذلك تماماً. إنها مسئولية خطيرة أن اتخطى حاجز الوعي، وربما إلى ما وراء ذلك لأضع في مكان ما بعيد ومطمور بداخلكم لا تدرون عنه شيئاً أفكاراً من شأنها أن تجعل لحياتكم معنى أعظم تغمرها بحس وشعور وتذوق، أفكار تسمو بالعقل فوق الحواجز، والمصطلحات المعقدة، ربما استطاع أحدكم أن يحل تلك المعضلة يوماً، ويعثر على نقطة الاتزان، ويحصل على الفهم الذى يفسر الأسرار المنيعة. إنه عمل متواصل كالضفيرة، أفكار تتراكم على أفكار، غيرها أطنان وأطنان، لتتوالى الصور والرؤى، وتجري في العقول كالأنهار الجارية، التي تأخذ معها بطريقها خراب الرؤوس، محطمة كل صخرة منيعة عزف السابقون من فرط صلابتها عن مجرد التفكير في محاولة خدشها، إنها الحياة، وإن كان لها مرادف فهو التجربة.. لكني في الحقيقة أريد أن أقول لي: “أنت كاذب! إن كل هذا الذى تقوله هراء..

      اليوم سأحدثكم عن نفسي، وسأقول ما أريده رغماً عن أنف محركي، لكن خذوا في الاعتبار أنها المرة الأولى التي أفعل فيها ذلك، كما أني أيضاً ليس لدى الجرأة والحنكة لأكذب وأقول ما كنت أتمنى أن أكون قد خبرته فعلاً لأقصه في موقف كهذا، كحلمي كل ليلة أن لدي امجاد وانجازات عظيمة، وأغيب في الخيالات، وأسمع تصفيق الناس المدوي وهم يقولون أنى صاحب أفضل عروض قد رأوها في حياتهم المملة قطّ! أن أبلغ منزلة أشعر أنى استحقها، حيث تقديس ما وخلود لروحي في أحضان القوة بالشعور والحس، بالتجربة الذاتية ملاذ النفوس المتوهجة الحالمة، باختبار أكبر قدر من مشاعرها، ولأنى أبعد بكثير جداً عن ذلك سأتجاوز الكلمات الأولى في التعريف بالنفس، الكلمات التي ينطق بها الشخص أسمه ويتفاخر من خلالها بصفاته، لأن في الحقيقة لا يوجد لي اسم، ففي كل عرض يطلق على صاحبي اسم جديد، ولكثرة الأسماء التي دعيت بها صرت لا أكترث ، فالأسماء لا تهم مثلها مثل الأماكن والأعمار والكثير من الأشياء التي لا تهم اطلاقاً. وليس بإمكاني وصف الكائن الذي أسكنه وأعيش بداخله، لأني لا أحب وصف شكلي، فكل المفردات التي تدور من حول حياتي مخجلة، وصعب النطق بها، وبمجرد أن تقال أفقد شعوري بالحياة، وتضيع القيمة التي أخال نفسي عليها، يفاجأني أنى أمام نفسى وجهاً لوجه، وأنا لا أطيق النظر إليّ، فالذي أراه عند النظر إليّ مختلف كل الاختلاف، بل لا يمتّ بأي صلة للكائن الذى اتصور أن من المفترض أن أكون عليه وفق الأفكار والرؤى التي ألبسني إياها صاحبي، فقد جعلني أحلم واتصور باطلاً كيف يكون العالم الكبير خارج هذا الصندوق الذى لا أفارقه، العالم الذى يكون فيه الشخص ما يخاله، إلى أن صرت أعتقد وانكر ويبلغ مني يقين تام في أمور بعينها، في حين أن كل تلك الاشياء التي بالخارج لم ارها بالفعل، ولا أعرف إن كانت موجوده أصلاً أم هي أوصال فكرة مفككة وعابثة زرعها برأسي صاحبي، فكرة تصلح أن تكون فيها كل القناعات مؤكدة، وكل الأكاذيب زائفة، والعكس داخلها بنفس الوقت معاً، أنا حتى لم أقترب من فهم ما أكون.. جلّ ما أعرفه أنني فقرة من ضمن فقرات كثيرة، تتوالى وراء بعضها من أجل أن يكون العرض أكثر تشويقاً وتسلية يريدها صاحبي الذى يملكني لهدف ما في نفسه يأبى بكل الطرق أن أطلّع عليه.

      اللعنة على ثرثرتي، وعلى اهمال صاحبي الذي جعله ينسى عروضه السخيفة، المفترض أن أقدم واحداً منها بدلاً من أن اتلفظ بتلك التفاهات التي يكرهها الناس وتثير غضبهم، إنهم يخافون من ما يجهلوه، ولا يجرؤون على السؤال، و يكرهون الفهم، والتفكير ويحبون أن يقولوا عن الأشياء هكذا وجدناها فقط، ويرون الأحاديث المخالفة لاعتقادهم هرّاء فلسفي فيه خطر جسيم كالطاعون. أعذروني، ففي بعض الأحيان أبدو أحمقاً وسمجاً كوقع حديثي في صدور بعضكم الآن، لكن صدقوني ليس دائماً، وكما تعلمون هذا حال المبدعين إن جاز لي أن اتوهم للحظات واعتبر نفسي واحداً منهم، فهم دائماً مشغولين في فهم الأشياء التافهة في نظر الناس، أمام الأشياء الأهم لديهم كالحديث عن أنفسهم مثلاً، وتمجيدها طول الوقت، وهذا شأن الواهمين منهم، فالعظماء نعرفهم من انخراطهم في ما يفعلونه، فهم لا يدرون عن عظمتهم إلا عندما تجتاح أسمائهم ألسنة الجميع، وعندما لا يحدث ذلك لا ينتبهون لعدم تقدير الناس لما وصلوا إليه إلا في عمر متأخر، فيضربهم الجنون حينها، وبه يصيرون أكثر خلوداً وعظمة، حيث يلفُ أعمالهم بصدق شرس يصعب وصف تأثيره على قطعان عريضة من الأجيال المتتابعة. لكن أنا، ها… ها… ها… أنا مثير للسخرية أحياناً، وطول الوقت للشفقة، أنا القطعة الخشبية القصيرة التي لا يتعدى طولها السنتيمترات، أعيش بداخلي ولا أبارحني، جثة في أغلب الأيام وفى ساعات معدودة، أطيع الأوامر فور أن توجّه إلي، ومهدد بالزوال في أية لحظة، فاستبدالي سهل، وما أيسر صناعة واحدا آخر مثلي، إنها عملية لا تتطلب أكثر من سهر ليلة، أنا ثبات… تكرار… وملل، في الأصل أنا لست موجود، أنا دمية تحركها الخيوط، أعيش في فضاء من اللامعقول بداخل صندوق يغلق علي، وأقضى فيه أغلب الوقت وحيد في سكون، ودون حراك، يحوطني ظلام أقصى نقطة فيه كأقربها، ورغماً عني يجعلني الظلام لا أتذكر سوى كم هي قليلة تلك اللحظات التي شعرت فيها بالحياة، اللحظات التي كنت فيها أنا بمفردي غارق في الشعور، وموغل في التجربة بدون محاورات أجريها مع صوت ما داخلي… صوت كريه كالمرض، وغامض كالموت، لا يخرس ولا يستريح إلا عندما أذوب في الحب والمعنى.

     ففكرة وجودي في رأسي كهرّة مذعورة، أحاول تضييق الخناق عليها، وأقترب منها في هدوء وترقب، وعندما أحاصرها في لحظة الإمساك بها شيئاً ما يتوهج في الزمن، فيبدو وكأنه يتمطى ويرتبك، ويصاب بالصرع، وبجزء من النظرة تنطلق الهرّة هاربة فلا ألمح من فرط سرعتها المفاجئة لتربصي بها سوى طرف ذيلها لتتوارى في اللحظة التي تليها ب مكان ما بعيداً عني، وتختفي تماماً لا يتبقى منها سوى طيف باهت يتراقص أمام مخيلتي مرة تلو مرة تلو أخرى، حتى يتضح في رأسي الصوت الذي أكرهه كل الكره ليقول لي: “ضيعتها يا أبله، أم صدقت أن هرّة كانت هنا فعلاً؟” وكأن كيان ما خفي  يراوغني، وهو على ما يبدو عليم بأرض عقلي عني، فكلما أردته زادني حيرة وقلق، وتأكيد انى لن أزّم عليه قبضتي بانتصار في النهاية. فما هو وجودي سوى صورة تتماهى في صورة، بل في ألف صورة، لا تمسكها احتمالات. إن الأمر يبدو وكأن بداخلي عالم أنا أصغر من فيه، كما أنا أصغر ما في هذا الكون الكبير.. وبما أنني في كل العوالم التي أعلمها أصغر ما فيها فلماذا أكترث؟ ولماذا أريد بهذا الإصرار أن أعي المجهول وأن أُرَى أو الاحَظْ؟. أتوقف هنا عندما أجد أني أطارد نفسي التي أظن أني أملكها، فليس لدي متسع لأقبل باحتمال عدم امتلاكي لها هي الاخرى، فكل ما أحصل عليه من وراء هذه الأفكار هو الضياع في نقطة صفرية، أبدو فيها كالأبله، أو كمسخ مسلوب العقل يسوقه مجهول. كحلم بعيد يعيش وراء قضبان لا يكف عن النظر من خلفها على سراب يتخيله بالوهم، جنة لا يتناهى جمالها، وفى يوم ما لن يأتي سيخطو بأقدامه فوق عشبها الفاقع بخضرته الزاهية. كأني لست موجوداً ولكنني موجود، وكأني لم أكن هنا يوماً لكنني كنت وما زلت باقياً، إنه الشعور بأني أملك الشيء، ولكن لا يجوز لي إمساكه، بل هو الشعور بالظن أني أملكه ولا أمسكه ولا أراه ولا أعلم إن كان موجوداً في الحقيقة. اللعنة على ثرثرتي، ألا يمكنك يا هذا العائش بداخلي أو خارجي أو أينما كنت أن تتواجد للحظات من أجلي دون أن تضيع مني وتتوه إلى هذا المدى، لقد نسيت عروضك يا صاحبي، وأنا أفقد التحكم، وهذا خطير ومُقلق لكلانا، والمثير للضحك أنه على الرغم من ذلك فأنا أحس بشعور جيد، ذو جمال خاص، أيمكن ان تكون السعادة التي نبحث عنها بإصرار فظّ تكمن في تخلينا عن التحكم وليس في التمسك بمزيد من السيطرة والفهم.

      الحقيقة إني أكرهكم، وهذا الكره نابع من كرهي للبحث طوال الوقت عن طرق كي تلحظوني، كيف أستطيع أن أجعلكم جميعاً تنظرون لي، حتى أنني لم أتساءل يوماً لما أريد بهذه الضراوة أن أحقق ذلك. ولم أجد إجابة، وأدركت كم أنا مسكين وبائس حتى في حلمي، فقد كان كل ذلك من أجل أن أحصل على مشروعية لوجودي في رأس أحدهم ساعة حتى ينام ويصحو في الغد، وقد زلت من رأسه تماماً، وشغله أمر آخر لا تزيد أهميته أو تقل تفاهته عني.

      بقي أمر أخير، وهو سؤال بالتأكيد يجول بطيش في أدمغتكم الان. لماذا اليوم لا أنصحكم بالإقدام على الأفعال الحسنة، والذهاب إلى دور العبادة، وطاعة الاباء والمثابرة على الأهداف البعيدة، وبذل الجهد والاهتمام بالعمل للحصول على مستقبل باهر؟! إن الاجابة بسيطة، وجميعكم تعلمونها، ولكن تخشون قولها، وتكتفون بتركها تتردد بداخلكم في مأمن من المعلقين. نعم، لأن كل هذا هراء. الأبناء والآباء لا تقسوا على أنفسكم، لستم سوى انعكاس لأخطاء أبائكم، ومثلكم كجميعهم سراب، كحالي أنا، نقوم بأدوارنا الصغيرة لإتمام الأمر الكبير، مضمدين جراحنا بالخيال.. نحن لسنا موجودون هنا!

      “إن عروض شيطانية كهذه لا يجب أن يراها أولادنا أيها المختل المعتوه”. ثار أولياء أمور الأطفال، وتوالت عليّ الشتائم مع تعالي أصواتهم التي امتزجت ببكاء بعض الأطفال، وبضحك البعض الآخر، وأنقلب الأمر لمشاجرة لا معالم لها. تتبعت بناظري الخيوط  المرهون مصيري بها، حتى أبصرت اليد التي تمسكها، وجاهدت لأرى وجه صاحبها، لكن الظلام كان شديداً، حدثته بغضب رحيم يلجمه الحسرة والضعف 

      – أدخلني إلى الصندوق. أنا لا أريد أن أرى هذا، لا أريد! ألقني حياً بالداخل واتركني وشأني، فأنا لم أشأ أن آتي إلى هنا في هذا المسرح الساذج، اتركني وشأني.. اتركني وعبّر عن ذاتك بدوني،
فأنا لا أريد أن أكون في هذا الشأن. اخلع يدك عني، وأنزع عني الوجود، فهذا حقي ما دمت لم أطلبه، لم أُخيّر فأنا لا أعلم كيف عملتني؟ أو لماذا اخترت لي أن أكون هكذا؟
       أو لماذا هذه الخيوط التي تمسكني بها؟ أريد أن أتحرك بمفردي، أريد أن أتحرر، أريد أن أغدو مثلك، أهذا جُرم!

      لاذ الظلام بالصمت، وانطفئت أضواء المسرح، وغاب صوتي من الصخب عن الوجود. فأكملت ثرثرتي بداخلي، فتلك حدودي، وهذا ما أستطيع أن أفعل، أن أثرثر وأثرثر وأغيب في الخيالات.

      لقد حانت الساعة الرابعة، ومرت الساعات كعادتها مثلما تمر كل يوم في الخيالات والأفكار. فالأيام يروح وقتها في هذه الدوامات العملاقة الممتلئة بمخزون لا نهائي من الذكريات، وهكذا السنين والعمر في التخبط هنا وهنا بين أمور فعلناها ونعيد محاكاتها مع الكثير من التعديل والإضافات، وأمور أخرى نتمنى فعلها فننسج تفاصيلها بدقة، عسى تأتي لحظة حدوثها فنكن على الاستعداد. سأنهض الآن لأرتدي ملابسي وأذهب لعملي الممل، وسأداوم على أخذ أوراقي معي في الصندوق، الأوراق المدون فيها العروض، كي لا يحدث معي هذا يوماً وأثرثر بأي كلام يتجاوز المعتاد والمألوف، وينهال الناس علي بالشتائم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة