الرئيسية / احدث التدوينات / أشكروهم أحياء

أشكروهم أحياء

img_20150424_055814

“اللى يبي يكرمني.. يكرمني الحين.. لا ينتظرني أموت”

إقبال يوم أقبلت.. بطولة هدى حسين الممثلة الكويتية.. التي تفوقت في تجسيد شخصية إقبال قائلة العبارة أعلاه.. والتي ألقتها بكل ما تحمل من عمق في وجه أبنائها وأصدقائها وزملاء مهنتها عند عودتها من إحدى الجزر بعيدًا عن مدينتها حيث كادت أن تلقي حتفها.. تلك العبارة أخذتني إلى أحد النصوص التي كتبتها منذ عاميين أو يزيد بعنوان “أشكروهم أحياء”.. حيث ابتدرته بأحد الأمثال الشعبية الشائعة عندنا

“إن شاء الله يوم شكرك ما يجى”

وكنت كلما ذُكر هذا المثل أحسست أن اللحظة الوحيدة التي يستحق فيها أحدنا المدح والتقدير هي لحظة مغادرته لدار الأحياء.. وإن لم يكن ذلك مباشرًا ففيه بعض الترسيخ لثقافة التقييم بأثر رجعي بشكل عام.. وهي ثقافة حاضرة وبقوة في مجتمعاتنا.. وقد نلاحظ ذلك في حياتنا اليومية.. بمنازلنا، وفي أماكن عملنا، حيث كثيرًا ما نجد أننا ممتنين لأحدهم.. سعيدين بوجوده.. أو بما يقوم به.. إلا أننا نكتفي بالابتسامة لهم.. وباستقبال ما يقومون به دون أن يقابل ذلك تعبير واضح وصريح..شحيحون نحن في الإطراء والثناء.. بالمقابل كثيرًا من الأحيان نرانا شديدون في التوجيه واللوم عند التقصير.. ربما يرجع ذلك لشيء من الجفاف العاطفي الذي يسود مجتمعنا.. لا أعلم.. ولكن ما أعلمه حقيقة أننا لو نظرنا إلى ما يخلقه هذا التعبير من أثر في نفس متلقيه.. لكنّا أكثر حرصًا عليه.

أذكر أنني قبل ثلاثة سنوات كنت أعمل بأحدى المستشفيات التعليمية.. ولا يخفى عليكم ما يعانيه واقعنا الصحي في السنوات الأخيرة من تردي يضع الأطباء أمام الكثير من التحديات.. فكان أن عملت برفقتي طبيبة إمتياز أجدها حتى اليوم من أميز من عملت معهم في مجالنا.. أذكر جيدًا يوم أن أشدت لها بمجهودها وبمدى تميزها في أداء مهمتها.. تلك الملامح التي ارتسمت على وجهها.. مزيج من الفرح الفخر و الاعتزاز.. جعلني ذلك أكثر انتباه إلى من حولي.. إلى ذلك القدر من المساعدة التي نتلقاها ولا نلقي لها بالًا.. مرت السنيين فوجدت نفسي في ذات الموقف ولكنني في موقع المتلقي للإشادة فسعدت جدًا بما قاله الاختصاصي الذي أتدرب بوحدته في حقي يومها وسط زملائي.. لازلت حتى الآن كلما مر ذلك الموقف بخاطري ابتسمت.. لا تحرموا زملاءكم والمتدربين معكم حقهم في تلك الإفادة الإيجابية.

عائلاتنا.. أصدقاؤنا.. ذلك الحب الثابت في حياتنا.. يحتاج منّا لرفده كل حين والآخر.. عبارات الشكر والامتنان لدعمهم لنا.. لوجودهم في تفاصيل حياتنا.. هو أمر نتوقعه.. ولا نجد في ذلك غرابة.. والحق أنهم لا ينتظرون منّا الشكر إلا أنه لأمر جميل أن نجعلهم أكثر فخرًا باعترافنا المعلن لا المضمن.. بالكلمة الطيبة.. الحقيقة والمجاملة.. أشكروهم لأنها جسور العلاقات أبواب العرفان تجعل من حياتنا أكثر ثراءً بالمحبة.

فلنظر اليوم حولنا.. فلنبحث عن أولئك الذين يجعلون حياتنا أسهل.. كالعاملة التي تساعد في تنظيف المنزل.. البواب.. السائق.. عمال النفايات.. شرطي المرور.. المعلم.. الطبيب.. الممرض.. وغيرهم ممن يساعدون في تيسير الكثير من أمورنا.. كلهم نحن.. لذلك هي الكلمات الشكر منّا وإلينا تطرح اللين في جفاف مجتمعنا.

تحضرني الكثير من القصص والحكايات عن أُناس تمنيت لو أني تمكنت من شُكرهم سابقًا.. مادمنا أحياء ما داموا أحياء.. لا تدعوا الفرصة تذهب من بين أيديكم.. تلك الفرصة لنضع على قلب أحدهم نجمة بكلمة شُكرٍ مستحقة.. كلمة تُسمع فتطرب لها أذن متلقيها.. في العمل في الشارع أوفي المنزل.. أشكروهم لأنهم يستحقون.. أشكروهم في وقتها.. أشكروهم أحياء.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .