الرئيسية / احدث التدوينات / الطواويس الغبشاء… زهو الفُقرا بالمَسِيد

الطواويس الغبشاء… زهو الفُقرا بالمَسِيد

خالد

      إن رواية الطواويس الغبشاء، لكاتبها عبده فضل الله، يمكن استشفاف غرضها ورسالتها النهائية منذ البداية، بحيث أن الراوي قد كشفها تحت عنوان الأحداث التي بُنيت عليها الرواية، والتي يكون ملخصها أن طلاب المسيد للشيخ العبيد ود بدر في أم ضوبان يناقشون مشاكلهم، وبالتحديد ثبات طعامهم وهو الدبليبة، ووضع حداً لعنصرية صالح دوَاية. ومنها تفرعت الرواية بحيث عَمِل الكاتب على التأسيس التاريخي للمسيد وربطها بجد الشخصية المحورية هارون دبليبة، بحيث أن جده كان في ذات المسيد، وله دور في هزيمة الأتراك، مما أكسبه صفة الشجاعة. وانطلاقه إلى العلل التي جعلت أسرة هارون تأتي به من تابت الى أم ضوبان. وبعدها الغوص في تفاصيل المتعلقة بما يجري في المسيد.

      عند الوقوف على الموضوع الرئيسي الذي يظهر في الرواية، وهو العنصرية التي أظهرت صالح دواية مقابل الشخصيات الأخرى (أيوب الأمهق = من النيجر، أبكر أخو بقارة، وهارون دبليبة من دارفور، وهما أقرباء) حيث نري في المقاطع التالية بوضوح عنصريته: ( يرى أنه من الظلم أن يعشق عبداً أسوداً لا يعرف كيف ينطق حرف الحاء جيداً/ يقول أبكر أخو بقارة، أنا كان لقيت لي عروس هسي بعرسا! جنك عرس، هي البتعرسك منو دي. شناتك دي. هكذا كان صالح دواية جافاً في ردوده مع أيوب الأمهق وأبكر أخو بقارة وهارون دبليبة.). وعند البحث في الجذور التي بذرت العنصرية، يلاحظ أنها من سابقة تاريخية تتعلق به، وتأطير من والده، بحيث ورد في المقطع الذي يسرده هارون باحثاً عن العلة التي جعلت صالح يكره السود (من أنه عندما حضر أباه في أول يوم إلى المسيد تعرض لتحرش جنسي من أحد الفُقرا، وأظنه أبكر أخو بقارة”… قال له أباه “أعمل حسابك من الناس الزرق ديل، جنهم قلة أدب!”.) ورغم أن صالح يشعر بتأنيب الضمير عندما يحادثه عبد الرحمن البطحاني مما يدل على أن الأمر ليس من ذاته وانما تأطير له، ومما يدل على أن شخصية عبد الرحمن البطحاني تظهر كشخصية مسالمة وواعية وداعية للسلام وحاملاً لسلوك القرآن.

      وايضاً فيما يختص العنصرية من زاوية أخري والتي يمكن استقرائها من المقطع السردي الذي يقول فيه هارون دبليبة لعبد الرحمن البطحاني وهو في قمة هذيانه بعدما قبض من قبل الفُقرا وجلد حتى أغمي عليه وقيد بقيد المكية، لابد أن أتزوج “بت الأرب”، وهي دلالة على حاجز القبلية في الزواج، وامتداداً لحالة هارون الذي يعجز عن تهجئة حرف الحاء، وهو حرف يدل على الحب، فهي عجز آخر له رمزية تنبئ عن مدى عمق العجز الذي وصل إليه بسبب عدم الوصول إلى معشوقته آسيا. فالعشق عند هارون الذي بنائه في الرواية يظهر أنه قلق ومتمرد منذ أن عشق آسيا، مما جعله يدخل في مزالق كثيرة، من جلد عقاباً على هروبه خلفها، وقيده، والقيد دلالة رمزية كبت الشهوة عند العبد، فالإحساس للشخصية يكون هنا كأنه سجين بالرغم من أنه يمشي بها في الشوارع، وهي ذات أثر بالغ نفسي للحد من هذا الحب والعشق. وفي مقطع آخر يقول هارون: “مسح شيخ عبد الله شعر رأسي وأسر لي بكلمات، وابتسم لي لحظتها بابتسامة كأنها البدر في لجة الظلام، تذكرت آسيا، عادني الحنين إلى لمسة يدها”. والذي  نستقرئ منها الأمان الذي وجده من لمسة الشيخ، ذلك الأمان والارتياح الذي جعله باعثاً للحنين والعشق لآسيا، دلالة على السلطة الروحية لكليهما؛ فالأول مؤدي للشعور بالآخر “آسيا”.

      ويظهر بصورة جلية معالجة العنصرية عندما كان يتحدث هارون دبليبة لنفسه بعدما سأل عبد الرحمن البطحاني عن معنى الآية (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا). فقال لنفسه: “إذا نحن جميعنا ننتمي لآدم. إذن لماذا يكون سبب رفضي من زواج آسيا سواد لوني فقط!”. وهو منحى ذا أثر واسقاط بالغ في المجتمع الذي يعمل على السمو الروحي الذي يأتي من العشق، العشق الذي لا يعترف باللون، فقط العشق، الشعور الذي يعتري الدرويش وهو عاشق لفتاة، بأن الحب هنا هو ذات دلالة للتسامي فوق فوارق السحنة واللون. وهي مكمن الرسالة والغرض التي يمكن استشفائها من كل الرواية.

      أما على مستوي التقنيات والأساليب السردية في الرواية فهناك بعض الملاحظات السلبية والإيجابية في هذا المضمار، فمثلاً نلاحظ أن السرد متعدد الأصوات، فتارة يكون للراوي، أي الكاتب، وتارة يكون لهارون دبليبة، وتارة يكون لعبد الرحمن البطحاني، وتارة يكون حواراً بين شخصيات الرواية، فكلها تكون بالعامية، وهو أمر منطقي، وصوت الرواي يكون بالفصحى عدا بعض الفقرات التي يدخل فيها مفردة عامية، وهو أمر لا استسيغه، فمثلاً يظهر في ص 60″ ضعيفوا الحيلة قصاد الأخطار” فمفردة قصاد كان يمكن استبدالها بمفردة مقابل. وهكذا عبر عدد صغير من الجمل بذات النسق، والتي ليس لها أثر بالغ في مجمل بنية السرد اللغوية، لكنها ملاحظة لابد من ذكرها. فصوت الرواي ما دام قد كان بالفصحي فيجب اتساقه في بقية النص وامتدادته.

     أما عند التعرض للشخصيات، فأجد أن بنائها قد تم بصورة ذكية، وهي تحتاج إلى تفكيك وتأمل من قبل القارئ لفهم الرسالة التي تكمن ورائها. فمثلاً: عبد الرحمن البطحاني كان شخضية موازية لتسليط الضوء بزاوية اخرى على هارون دبليبة، بحيث أن كثيراً ما يكون هو السارد، ويعرض ما بداخله وخوفه وقلقه مثلاً (اذا كان هنالك أحد في المسيد يشغلني أمره ويقلقني همه، فهو هارون دبليبة، ما توصلت اليه مع نفي أنه لن يكمل الدراسة بالمسيد)ص81، مما يكشف جوانب مهمة في سلوك هذه الشخصية المحورية. وبناء شخصيات الرواية المتعدد السحنات والمناطق له دلالة على أن المسيد يمكن أن يستوعب جميع السحنات والألوان فالامهق نيجري، وعبد الرحمن شمالي، وهارون وابن عمته اخو بقارة من دارفور، فالمسيد هنا يظهر كمذوب لذلك ويبقي الفارق التقوي، حفظ القرآن وهي معالجة أخرى تستشف من الرواية)

     وايضاً هناك اشارة خفية لقوة السلطة عند احفاد الشيخ العبيد ود بدر، عندما حدث خلاف بين اثنين منهم على الخلافة ولم يتدخل أحد واعتراهم الصمت من رئيس المحلية حتي الاحباب. اضافة لوجود اشارات جنسية في المسيد تظهر بين الفينة والأخرى مثال (هنا حدثت حادثة هزت أرجاء الخلاوي الجنوبية لمسيد، وكان شاهدها عبد الرحمن البطحاني الذي يقول “لقيت اتنين من الفُقرا، عريانين “نجل”، واحد فيهم أخد دور المرا لفتني ليهم صوت الفحيح” وكان الأمر يقابله الجلد العقاب على هذا الفعل، وهو أمر طبيعي عند احتكاك المراهقين مع بعضهم في اطار… ايضاً في ص108 يقول صوت السارد هارون (في تلك اللحظة سمعنا ضجة، كانت عبارة عن عقاب لأحد الفُقرا قبض عليه يستمني خلف الخلاوي…)، وهو أمر نضعه في تصنيف بناء المكان وأثره على حركية الرواية، وحركية سلوك الشخصيات بداخله، بالإضافة إلى أن المكان “المسيد” يعمل كمذوب بينها، ويضع حفظ القرآن كشرط للتفاضل، فهو يعالج مسألة الشهوة الجنسية التي هي أمر طبيعي للمراهقين بحيث أن هارون عندما أتي به كان في سن الحادية عشر، وبذا يمكن معرفة أن بقية رفقائه في ذات السن، وهي سن لها دواعي منفتحة على العالم، على الجسد، فالمعاقبة تكون بالجلد عند حالات الشواذ، وتكون بالجلد والقيد عند حالة العشق الطبيعي التي تكون للأنثى. وهي رياضات روحية تهدف الى التخلي عن ملذات الجسد في سبيل بناء طلبة علم يستوفون شروط المكان، وهو ما يسمى بأثر بنية المكان على سلوك الأشخاص وهو مبحث يمكن التفرع منه والانطلاق كإشارة معرفية للبحث فيه للانثربولوجيا والدين.

      ايضاً من الملاحظات في التقنيات الفنية في الرواية يلاحظ أن الراوي يتدخل في بنية النص على مرتين ففي  ص112 (بعد صلاة العصر تغدينا على نفقة صالح دواية، وهي للمفارقة أول عمل ملموس يظهر به صالح دواية في هذه الرواية) وايضا في ص136 ( في الواقع… وبعد أسبوع بالتمام والكمال من مغادرة هارون دليبة للمسيد، قابلت أنا شخصياً عبد الرؤوف فضل الله، قابلت هذا الهارون دبليبة وجدته يعمل اسكافيا في سوق أم ضواًبان.) فالتدخل الثاني ربما كان له داعي بأن تكون هناك رؤية خارجية من محيط الشخصيات في الرواية للكشف عن حال هارون بعد هربة وانتهاء صديقه العزيز عبد الرحمن البطحاني الذي كان ذا اثر فيه من حفظ القرآن. أما الأول ليس له أي داعي، فكان يمكن الاستعاضة بأن يقول ذات الجملة هارون دبليبة دون ذكره بذات الصيغة فكلهم متفقون على بخل وكره صالح الدواية.

      في نهاية هذه القراءة يمكن أن أقول أن هذا النص السردي الجديد التي تحت عنوان (الطواييس الغبشا) – الذي يدل على مشية الخيلاء للفُقرا عند نداء الصلاة، ذلك الشعور الذي يأتيهم وهم حافظين القرآن وهم غبش السحنات – في الساحة السودانية له اختراقات جيدة عندما اتخذ المسيد كمكان، للعب على قضايا وهموم مجتمعية كالعنصرية كقضية رئيسية، والمراهقة التي تنفتح فيها الهواجس الجنسية كقضية فرعية، والتي كان فيها عدد من المعالجات التي يتطلب من القارئ أن يعمل على فك رموزها، وعلاماتها التي تختبئ في السرديات والحوارات وبناء شخصيات الرواية. رغم المزالق اللغوية إلا أن سبك الحبكة واستخدام تقنيات الفلاش باك والفوروورد (FLACH BACK & FOR WORD) في الزمن السردي للنص والأحداث، كان ذات أثر جيد يغطي عليها. ورغم أنه يلاحظ من ناحية فنية بأن غلاف الكتاب في النهاية كان يفترض أن يوضع فيه مقطع سردي منها، يكون كموجه وملخص وجوهر للراوية ليعمل على تحفيز القارئ الذي يختار من خلفية الكتاب.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان