الرئيسية / احدث التدوينات / الفن والمتعة

الفن والمتعة

فن

    في محاولة الاقتراب لتعريف أوضح للفن سلك بعض المهتمين بالأمر من الفلاسفة منحى معياري بدلا عن محاولة التعريف الوصفي، حيث ان سؤال الفن بدلا من ان يكون  ( ماهو الفن؟ ) يتحول الى (ما هي قيمته وماذا يقدمه لنا؟ )، وعلى ضوء ذلك يمكن استخدام الإجابة معيارا للتمييز بين الفنون عن غيرها ومن ثم تصنيفها من حيث جودتها، حيث يصبح العمل الفني الاجود هو ذو القيمة الأعلى بحسب المعيار الذي نستخدمه.

  استخدم بعض الفلاسفة المتعة معياراً، واستندوا على ذلك بانه طالما ان الإنسان يعبر عن إعجابه بعمل فني بـان يصفه بانه كان ممتعا او انه استمتع به، فان المتعة هي معيار يمكننا ان نقيس او نعرّف به الفن، او هي القيمة التي نتحصل عليها من الفن، وبالتالي فإن العمل الفني تزداد قيمته كل ما كان أكثر متعة. ورغم ان القول هذا يبدو منطقيا من الوهلة الاولى الا انه رويدا رويدا يسقط في وحل القصور وعدم الثبات عند محاولة إلباسه لأشكال الفن المختلفة، فنقطة النقد الأولى التي تواجه هذا القول تقوم على  ان عملية الاستمتاع بالأعمال الفنية انما تعبر عن اذواق المتلقين دون ان تكون شيئا جوهريا في العمل الفني ذاته، فقد يستمتع البعض اكثر ببعض الأعمال التي يتفق على انها اقل جودة دون ان نجزم بأن متعتهم اقل من متعة من يستمتعون بالأعمال الجيدة، مما يعني ان الارتباط بين المتعة والجودة لا يرقى لدرجة اعتبار المتعة معيارا للفن، فلا نستطيع ان نميز بين الاعمال الفنية والرديئة بناءا على ما تقدمه لنا من متعه طالما ان الأمر قد يختلف من شخص لآخر. كما ان احد اهم عيوب نظرية المتعة في تعريف الفن هي انها لا تستطيع ان تفرق بين الفن واللافن ، فلو ان المتعة هي كل القيمة التي يمكن ان نتحصل عليها عبر الفن فإننا يمكننا ببساطة الحصول عليها من مجالات اخرى لا تعتبر فناً، فهل استمتاع الجمهور الرياضي بالمباريات يجعلها فناً؟، ان لم يكن كذلك اذا فما هو الفرق بين الرياضة والفن اذا ما كانا يقدمان نفس المتعة، ورغم ان بعض الفلاسفة حاولوا تقسيم المتع ذاتها بحيث تأخذ بعضها قيم اكبر( متع راقية ومتع هابطة) الا ان ذلك لم يكن مقنعا، حيث انه مهما بلغ مقدار المتعة التي نجدها في الفن فانه يبدو ان للفن قيمة اكبر من المتعة. فلو سلمنا ان المتعة هي قيمة الفن الحقيقي فهل هذا هو السبب الذي يجعل الفن مهما؟، هذا على الرغم من وجود اشكال متعة اخرى تجعل الفن مجرد منافس في هذه الحالة.

ففي المقارنة بين الرياضة والفن مثالا نجد ان الرياضيون يتم الاحتفاء بهم وتقديرهم مثلهم والفنانين ولكنهم لا يوضعون في مرتبة واحدة مع الادباء الذين يجاورون في الاهمية الفلاسفة والعلماء والساسة، وقد جادل البعض بأن الاهتمام الاكبر بالفن لا يعبر عن افضلية جوهرية للفن عن الرياضة او غيرها من التسليات، بل انه ينم عن انحياز مرده عدم رغبة المهتمين بالفن في اعتبار ما يفعلونه مجرد لعب او تسلية او بحث عن المتعة، حيث المتعة دائما ما ترتبط باللهو وعدم الجدية، ويظل الجدال قائما طالما لم يقفل باب النقاش حول تعريف الفن وقيمته دون ان ينفي هذا وجود اختلافات جوهرية بين الفن والرياضة ترجّح كون ان المتعة ليست القيمة الوحيدة للفن، يقول البعض مثلا ان الفن يحمل مضمونا مستمرا يجعلنا لا نمل تكرار العمل الفني بالمقارنة مع تكرار مشاهدة مباراة كرة قدم، لربما يرجح هذا الراي الرؤية القائلة بان اهمية الفن تكمن في مقدرته على نقل الانفعالات وهذا ما يضمن استمرارية فعالية الاعمال الفنية لفترات طويلة.

اضافة الى تلك الآراء يشكك البعض في مقدرة نظرية المتعة على احتواء كل الصور الفنية بداخلها، ففي الفنون التصويرية مثل الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي لا يتم استخدام المتعة كتعبير عن اعجاب بالعمل الفني مثل الحال في الفنون الادائية كالمسرح والموسيقى، مما يعني ان الإعجاب بالفن قد يحوي قيمة لا تتضمنا المتعة.

على كل حال يبدو ان للفن قيمة اكبر من مجرد المتعة يجدها محبي الفن فيه وهذا يبدو جليا في درجة تقييم الفنانين والذين يأتون في الغالب في مرتبة تلي العلماء والفلاسفة مقارنة بالرياضيين، ولكن لا يعني هذا مطلقا عدم وجود المتعة كقيمة داخل الفن، موكدا ان محبي الفن يستمتعون به ولكن الجدال يدور حول ما كانت المتعة هي القيمة الوحيدة وهل يمكن بناء تعريف يقوم على المتعة، ومما يسبق يبدو الاجابة “لا” هي الأرجح للتساؤلين.

 

 

 

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان