الرئيسية / احدث التدوينات / الكتابة بين الوظيفة والإبداع

الكتابة بين الوظيفة والإبداع

راشد

     للكتابة نوعان؛ إبداعي ووظيفي. والوظيفي نعني به الكتابة التوصيلية التي لا تهدف إلى غرض جمالي، وهي مرتبطة مع اللغة كوظيفة، أما اللغة الإبداعية، أو الأدبية، وظيفتها اللغوية جمالية في المقام الأول، وغايتها التصوير بجانب التوصيل، وللغة وظيفة في الحياة اليومية، وهي الكلام، ويمكن القول أن في اللغة جوانب نفعية وأخرى جمالية، ونضرب مثلاً للأمر، ونقول لدينا كرسي ارتفاعه مناسب مصنوع من خشب عادي سعره منخفض مفيد للاستعمال، وفي الجانب الآخر لدينا كرسي مصنوع من الماهوغني مطلي بالذهب مزين برسومات على جانبيه سعره يساوي خمسين من النوع الأول، النوع الأول منفعته تنتهي عند حد غايته الصناعية “الجلوس”، ويمتد النوع الثاني ليمنحنا عطاء جمالي يخاطب نفسية مستخدمه.

     واللغة الجمالية الأدبية لها غايتين غاية إبداعية وأخرى توصيلية، وهنا تزدوج الوظيفة اللغوية في الأداء الأدبي على عكس الأداء الكتابي الوظيفي أحادي الوظيفة اللغوية، ومن الفروقات بين الكتابة الإبداعية والوظيفية الأداء التصويري الخيالي في الكتابة الأدبية والأداء التقريري في الكتابة الوظيفية.

      والتعبير الوظيفي موضوعي في حين أن التعبير الإبداعي الأدبي ذاتي، فتظهر فيه ثقافة وفكر الكاتب ورؤيته للأشياء ويتجلى ذلك في أسلوبه، أما الوظيفي فينشغل بالمعلومة المراد توصيلها وهو لا يظهر موقف الكاتب أو رؤيته للمسألة بل يقدم المعلومة كما هي كرسالة أو خبر أو… الخ ويمكن القول أن اللغة الوظيفية أقرب للغة العلمية أو العملية.

     وإضافة لكل ما سبق ذكره فإن كاتب النص الإبداعي له القدرة على كتابة النص الوظيفي وليس العكس دائماً صحيح، فصاحب النص الإبداعي هو أديب أما صاحب النص الوظيفي في أعلى مستوياته فهو كاتب وبينهما الأديب الكاتب كالعقاد.

     الكتابة الوظيفية تتلاشى لأنها تحقق غايتها اللحظية القصدية التي كتبت لأجلها، في حين أن النص الإبداعي متجدد لأنه يتجاوز القصدية ويستنطق الطاقة الخيالية.

      هنالك نوع آخر من الكتابة هجين إبداعي أدبي ووظيفي، كالكتابة التوليفية التي تعتمد على المصادر والمراجع كالأبحاث والدراسات، والنوع الآخر من الكتابة التوليفية فهو النصوص الأدبية التي تعاد معالجتها وفكرتها مستمدة من مصدر إبداعي آخر وليس من خيال الكاتب صاحب النص، كمسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم المستوحاة من ألف ليلة وليلة.

      يمكن أن نضيف للشكل التوليفي من الكتابة “المقررات الدراسية” فهي تهدف لتبسيط المفاهيم أو النظريات من خلال معالجات منهجية والجهد هنا يكمن في هضم المواد وتنسيقها ثم تقديمها في إطارها المنهجي، فكاتب المناهج لا يقدم أي إضافة للمعلومة بل يقدم عرض من المفاهيم المعرفية ضمن تصور منهجي يقدم العلوم لطلاب العلم.

      ويدخل ضمن الشكل التوليفي “النبذ التثقيفية”؛ وهي المختصرات والتعليقات على الأحداث والهدف منها تقديم فكرة عن موضوع أو قضية أو….الخ كسندويتش ثقافي سريع ويدخل في هذا الباب ما يسمى بالصور القلمية “Features”.

      أما الأعمال الإقتباسية تصنف ضمن الأداء الوظيفي، وفي قليل من الأحيان يدخل في الأداء الإبداعي، وهو الإستعانة بمجتزأ النصوص لتعزيز رأي أو وجهة نظر، ومن أشكاله الوظيفية التحقيق الميداني في الكتابة الصحفية، فالكاتب مطالب بحشد وجهات نظر متعارضة حتى يحقق موازنة موضوعية مع معالجة تلخيصية.

     يملك الكاتب عدة أدوات تساعد القارئ على قراءة النص بشغف وأريحية، ونذكر على سبيل المثال الوضوح في الكتابة مع استخدام التشويق خاصة في النص الوظيفي، فيفترض على كاتب النص الوظيفي تجنب الغموض لأنه يشوش على الغرض الرئيسي، وهو توصيل المعلومة، أو القضية، أو ….الخ، وعلينا أن نفرق بين الغموض الفني والغموض الشاذ، فالغموض الفني ناجم عن رؤية فنية محددة، أما النوع الثاني فهو ستار يخفي جهل وسطحية الكاتب.

      ومن أهم سمات الكتابة الجيدة الأسلوب والتكامل وقوة الإحساس بالموضوع، والتكامل يعني أن يكون العمل أشبه بالكائن الحي له أعضاؤه التي لكل منها وظيفة، ولا يعني أبدا التشابه والتكرار بل عدم التنافر بين الأفكار الواردة في النص أو المعلومات وهذا يعني العرض الرأسي للأفكار لا العرض الأفقي المشتت، ونجد هذه السمة بصورة واضحة في النص القصصي، فعلى كاتب القصة انتقاء جزئيات تدفع بالحدث للأمام مع مراعاة التماسك والتخادم، فهو مطالب بإقصاء الكثير من الأحداث والجمل الغير ضرورية، مع عملية ضغط فني عالي، ومع كل هذه المطالبات على كاتب القصة أن يحافظ على الجسد الفني كاملاً دون الإخلال بأي عضو.

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان