الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : حقنة مضاد حيوي منتصف الليل

بريد القراء : حقنة مضاد حيوي منتصف الليل

1111111

بقلم : حنان حسن حمزة

 

 

لم يتبقى سوى عشرة أشهر بعدها قد يأخذ الله أمانته….في هذه الفترة سوف يعاني المريض كثيرًا من الآلام المبرحة التي تمزق ما تبقى من رئة ، وللأسف لا يوجد علاج ناجع فقد انتشر المرض وهو الآن بلغ مراحله المتقدمة . سمعت تلك الكلمات من قريبهم الذي تخرج توًا من كلية الطب نقلا عن الطبيب الذي زاره مع والدها …. يالله قالت في نفسها لما هؤلاء الأطباء تحسهم يفاجئوك بالخبر أم ذلك الإحساس هو رفضنا لواقع المرض ، والدها جد ذلك الطبيب والذي كان يمكث معهم بالمنزل طوال فترة دراسته للطب هو الآن أخصائي يشار له بالبنان.

دارت تلك الكلمات في رأسها وطافت أشياء كثيرة وبعض الذكريات الشحيحة عن والدها فهو لم يقضي معهم ما يكفي من الوقت بحكم تغربه طيلة عمره ،ومن من أهل الوطن لم يتجرع كاس الغربة والذي مازال به بقية .

تجمعت دمعات في عينيها وهي تتأمل من بعيد والدها لقد أصبح هيكلًا يكسوه الجلد فقد نضب جسده من اللحم بفعل ذلك المرض فمنذ عودته من بلاد الغربة كانت تنتابه حالات من السعال الحاد لم يدركوا حينها ما الذي يحدث حتى كان ذلك اليوم الذي عرفوا فيه حقيقة ذلك السعال ،لماذا دائمًا حقيقة المرض مؤلمة …قالت ذلك وهي تمسح تلك الدمعات بعد أن وجدت طريقها في النزول وبللت خديها لكنها أبدًا لن تروي عطش السنين التي عاشتها في حنين لوجود والدها معهم.

تسكن في مدينة أخرى تبعد قرابة النصف ساعة بالعربة من منزل والدها مرض ابنها الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات وكانت عيادة الطبيب بالقرب من منزل والدها، حضرت إلى الطبيب وكان الوقت قد تأخر ….كالعادة قالها الطبيب:- يعاني ابنكم من التهاب حاد في اللوزتين، هذه المرة لن يجدي الشراب السائل نفعًا لابد أن يأخذ جرعتين من المضاد الحيوي بالحقن الوريدي بعدها يتابع العلاج شرابًا ،هزت  رأسها بالموافقة وتم أخذ الحقنة وبما أن الوقت قد تأخر آثرت المرور على منزل والدها والمكوث هنالك لمدة يومين حتى يتمكن طفلها من أخذ جرعات الحقن .

وصلوا إلى منزل والدها وقد إنتصف الليل ،أطلت من خلال الباب على والدها وهو في فراشه حيث كانت الإضاءة مطفية فسألت إخوتها فكان جوابهم انه خلد إلى النوم قبل قليل… لكن ربما لم تكن تود إيقاظه من غفوته ؛ في تلك المرات التي كانوا يزورون منزل والدها ويقضون عدة أيام معه كانت تسمع صوت آهاته من الغرفة المجاورة كم أنت مسكين يا أبي تقضي ليلك وأنت تتأوه فتقول في نفسها ليتني أستطيع فعل شيء حتى أوقف تسلل ذلك المرض ، نظرت مرة أخرى من خلال الباب رأته مازال متمددًا في فراشه إلى جواره طاوله تحتوي على كثير من المسكنات التي لا تسكت ذلك الألم إلى جانب كوب زجاجي شفاف به ماء ربما رشف منه القليل قبل غفوته وسبحة بلون بني وكتيب صغير للأدعية ،هي تظن أنه يغفو ليس لشيء سوى لأنه يستعد لنوبة جديدة من الألم تهاجم ضلوعه ورئتيه اللتين أتلفتهما لفافات التبغ ….. ألم تقرأ يا والدي العبارة المكتوبة في جانب علبة التبغ( إن التدخين ضار بالصحة ويسبب سرطان الرئة)… هذه المرة هربت منها دموعها وأحست بأشياء غريبة أيكون القلق من ترقب الآتي ؛ثم قالت :- الله معنا وهو رءوف بعباده تمنت في سرها الشفاء لأبيها ثم ذهبت إلى الغرفة المجاورة التي ينام فيها صغيرها وتمنت له الشفاء أيضًا ثم قالت لنفسها عند الصباح سيفرح والدي كثيرًا عندما يرانا ويرى أحفاده وسنقضي يومين ممتعين.

كان اليوم الذي مرض فيه طفلها يصادف يوم الجمعة الأسبوع الثاني من شهر نيسان 2004م وكان الجو في تلك الأيام مازال يحتفظ بأنسام باردة تمكنهم من النوم داخل الغرف فقط ما عليهم سوى فتح الزجاج وهو الجزء الداخلي من الشباك يطل داخل الغرفة والجزء الخارجي من الشباك (الشيش) يظل مغلقًا وهو يطل على الحوش ومن خلال فتحات الشيش يتسلل الهواء عليلًا ومع فتح المروحة درجة منخفضة يصبح الجو ملائمًا للنوم دون الحاجة لتشغيل مكيف الهواء.

ذاقت طعمًا غريبًا للقلق في تلك الليلة ولم تستطع إغماض عينيها كي تستحضر فعل النوم … فقامت تطوف أرجاء المنزل في هذه الليلة القلقة.

أبي الآن معنا بعد عودته من الغربة وتريد أن تعرف معنى عبارة البنت سر أبيها في السنوات العديدة التي عاشوها دون والدهم كانت تستحضره في ذاكرتها وتتحدث معه في خيالها أحاديث كثيرة تمنت بعضها أن تكون واقعية تمنت أن تعرف عنه الكثير الذي سرقته سنوات الغربة فتصحوا من خيالها على أنهم أسرة مغترب … تحاول أن تتوقع شكل الحديث معه لكنها أيضًا تحس بفراغ حيث أنها لا تعرف حكايات عن والدها طفولته وشبابه مذ نضجت عيناها وهم مسافرون ثم أصبح هو مسافر وهم مستقرون

تتذكر انه حدثهم ذات مرة عن أسفار كثيرة قام بها في دول عديدة منها مصر لبنان فرنسا ايطاليا السعودية حيث استقر به المقام في الأخيرة.

والدها انيقا يرتدي أطقم منتقاة بعناية مع القمصان وربطات العنق والأحذية والشرابات …لكن مع هذا المرض الذي استمر لعدة أشهر ومازال لم تره يرتدي سوى بعض الجلبابات الواسعة والتي تظهر مدى النحافة التي تسللت إلى جسده.

ذهبت مرة أخرى إلى الغرفة التي ينام فيها والدها ثم وقفت أمام الباب رأت الضوء وهو يتسلل إلى داخل الغرفة في حياء كأنه لا يريد إيقاظ والدها النائم حتى أنوار المنزل شهدت أنينه الليلي من الوجع وكذلك كل ركن من هذا المنزل المبارك.

والدها يحب الاناتيك والإكسسوارات وكل شيء يبعث على الجمال المتناغم لشكل البيت وفرشة وقفت في فناء الصالة وأخذت تتأمل صورة له أي صفاء وبهاء تحمل ابتسامتك تلك وأي هدوء يأتي إلى النفس عند النظر إلى وجهك وأي إيمان يزداد يقينًا عند رؤيتك وأنت تتحمل ذلك الألم المبرح…. لقد وصف الطبيب لوالدها عدة جلسات للعلاج الإشعاعي حيث ذكر أن والدها كبير في العمر وتجاوز السبعين من عمره وبنيته ضعيفة ولن يتحمل سوى العلاج الإشعاعي كان يرافق والدها لتلك الجلسات في مستشفى الذرة بالخرطوم شقيقها وزوجة أبيها وزوجها وبعد الجلسة ينام والدها مرتاحًا .

مازال الليل قلقًا يسير إلى جانبها ،ذهبت إلى صالة الضيوف كانت مستطيلة الشكل بها جلوس وثير وسفرة طعام ثم لفت نظرها طفايات السجائر كانت مصنوعة من الزجاج بألوان زاهية جميلة وأخرى من الحديد الخفيف الوزن مطلية بلون احمر وغطاؤها بلون فضي تضع عقاب السجائر وتضغط على الغطاء فينزل عقاب السجائر ليستقر داخل الطفاية لكن تلك الألوان الزاهية والجميلة كانت تحمل الموت البطيء ويدفن فيها لفافات المرض الذي يصنعه التدخين،خرجت من الصالة وتأملت صورة على الجدران مكتوب فيها اسم الجلالة وصورة أخرى بها أية الكرسي، الصور مصنوعة من البلاستيك والكتابة باللون الذهبي بالخط الكوفي قرأت آية الكرسي ثم أطلقت تنهيدة ورددت يالله لطفا بنا.

في الفترة القليلة التي قضاها والدها منذ حضوره من الغربة كان يأخذ صغيرها إلى الدكان المجاور يبتاع له الحلوى كانت تحس بطعم الفرح والسعادة فهذه أول مرة تشاهد والدها وهو يمارس حياته كجد وأيضًا أب قريب بعد كل تلك السنوات التي قضاها في الغربة فحدثت نفسها قائلة عند الصباح ينتظرنا يوم مليء بالشوق لملاقاة والدها مع أحفاده.

كانت في هذه الليلة القلقة كلما نظرت إلى زاوية من المنزل رأت مشهدًا عاشته أو طافت ذكرى من أيام حياتها قد عاشتها في أركان هذا المنزل المبارك، خرجت إلى فناء الحوش حيث الشجيرات وقد بدت سعيدة وزاهية الخضرة عندما نظرت إليها لكن هي كانت تحس بأشياء غريبة منها القلق ثم سالت نفسها هل أحس المنزل بقلقها هل الشجيرات تعرف القلق تذكرت عندما كانوا صغارًا أن والدها اقتطع مساحة كبيرة من الحوش ووضع فيها تربة خصبة وسورها بسور مستطيل تم بناؤه خصيصًا لذلك وقام بزراعتها ببعض الخضروات مثل الجرجير والبامية والملوخية والباذنجان والطماطم وكانت والدتهم تصنع لهم أطيب الطعام من تلك الخضروات فيقول لهم والدهم انه في الأصل مزارع لكنه ترك فلاحة الأرض وسافر في مقتبل شبابه وعندما يسألونه عن أرضه  أو ساقيته كما يسمونها أهل منطقتهم بالشمالية لا يرد عليهم بشيء محدد والى يومها هذا هي وإخوتها لا يعلمون شيئًا عن أرضهم تلك.

مرة أخرى نظرت إلى صورة والدها وهذه المرة أطالت النظر حتى توهمت أن الصورة تحدثها أي هدوء و نظرة حانية تطل من عينيك الآن هيئتك اختلفت كثيرًا بفعل المرض كأن هناك دموع متحجرة من الألم اللا  منتهي تبدو في عينيك جبلًا من التحمل لهذا المرض اللعين الذي أثقل كاهلك كأنه ينتظر الليل حيث يخلد الجميع إلى النوم ثم يبدأ هو في أنينه وصلواته الليلية للألم يتلوها برضا تام كانت كثيرًا ما تسمعه في تلك الليالي التي تنام فيها عندهم  فقد كانت حبلى بابنها الثاني والذي أسمته على اسم أبيها وكثيرًا ما كان يجافيها النوم ، حتى في ظرف مرضه كان يحنو عليه ويمارس فطرته كأب فيحنو ويشفق عليها من الوحم الذي كان يتعبها وظهر جليًا على هيأتها ويداعبها قائلًا تمامًا مثل والدتك عندما تكون حبلى أمكثي معنا وأنت في ظرفك هذا لا داعي للذهاب إلى منزلك حتى نطمئن على صحتك فتدمع عيناك وأنت تستحضرين ذكرى والدتك.

والدها كريم ومضياف فعند حضوره في الإجازات يأتي بالهدايا المختلفة وهي تذكر جيدًا أن من بين تلك الهدايا يوجد سجائر البينسون صندوقه مستطيل باللون الذهبي والروثمان صندوقه احمر بالأبيض فيوزعها على معارفه، وعند نفاذ سجائره يقوم بشراء البرنجي والبحاري من الدكان لكن لا يستسيغ طعمه، ويمتلئ البيت بالضيوف وتقام الولائم طيلة فترة الإجازة ، هذا البيت الذي يمتلئ بالحركة في إجازة والدها ويظل مفتوحًا للجميع صار خاليًا أثناء مرض والدها ماعدا القليل الذي سانده. ووقف معه في وقت شدته

مازال طعم القلق يبدو غريبًا وضعت رأسها على الوسادة مع ساعات الفجر الأولى وذرفت بعض الدموع ثم غفت قليلًا وفي غفوتها رأت ذلك اليوم البعيد منذ سنوات طويلة عندما كانوا في الغربة وهي مازالت طفلة وقد أراد والدها أن يشذب شاربه وهي واقفة بجواره بالقرب من باب الحمام هو ينظر إلى المرآة تارة وتارة أخرى ينظر إليها عند الحديث معها وتعلو وجهه ابتسامة وقد سألها هل احلق ذقني أم اتركه هكذا فردت قائلة احلقه يا بابا فقام بإحضار معجون الحلاقة وخلطه بالماء وملأ ذقنه بالرغوة وبدأ الحلاقة كانت تنظر إلى كل ما قام به وهي تضحك وتظنه فعل شيئًا صعبًا كانت هذه الذكرى الحميمة هي ما رأته أثناء غفوتها قبل أن تشرق الشمس. نهضت من فراشهاوهي تحس بالتعب يجتاحها من كل صوب بعد قضاء ليلة طويلة من القلق خرجت إلى الصالة كان زوجها جالسًا فيها يحتسي الشاي تحدثت معه ثم مع أختها هل لديها جامعة اليوم فردت قائلة ليس لديها اليوم أما أختها الثانية فذهبت باكرًا إلى التريينق فهي تخرجت للتو من كلية الهندسة فقالت لها زوجة أبيها أنها أدخلت الشاي قبل قليل لوالدها ثم دخلت إلى غرفة والدها نظرت إليه وقد نامت سنواته التي تجاوزت السبعين إلى فراشه وهو مستلقي لا تدري لماذا تذكرت لحظة وفاة والدتها أزاحت الذكرى قليلاً ودعت لها بالرحمة ثم قالت هذه المرة سوف أوقظك يا  أبي فانا مشتاقة إليك ، لكن وهي تحاول إيقاظه انتابتها رعشة سرت في جسدها وكأن الذي ينساب في أوردتها ليس دمًا بل شيئًا آخر لا تعرفه و أحست أن صوتها صار صمتًا ولم تستطع نطق كلمة (أبي) حتى توقظه، ثم نظرت إليه في الفراش كان وجه والدها في ذلك الصباح يحمل علامات الهدوء والراحة والسلام هدوءًا ملائكيًا وبالقرب منه طاولة فيها صينية بلون اخضر تحمل فنجان شاي الصباح ومعه بعض البسكويت وكوب به ماء نادته قائلة أبي لماذا لم تشرب الشاي حتى الآن لقد برد كثيرًا ثم تذكرت انه دائمًا ما كان يشرب الشاي بعد أن يبرد لكن يجب أن يحضروه له ساخنًا ثم يدعه يبرد وبعد ذلك يرتشفه هي أيضًا تفعل تلك العادة، نادت مرة أخرى أبي لماذا لم تتناول الشاي وضعت يدها على يده في محاولة أخرى لإيقاظه كانت يده كقطعة ثلج ووجهه الذي لطالما توشح بالألم كأنه مسافر في ملكوت آخر ثم نادت أبي أبي طافت أشياء كثيرة بذاكرتها انتهرتها يا لهذه الذاكرة المهترئة أهذا وقتك اغربي عني أيتها الذاكرة ثم نادت مرة أخرى أبي ولكن…. لم يرد أدركت حينها أن صبحه في هذا اليوم من شهر نيسان لم يتنفس.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة