الرئيسية / احدث التدوينات / في مُناجَاة قارِئ ما بعد مُنتصَف الليل

في مُناجَاة قارِئ ما بعد مُنتصَف الليل

5193921424350146519392

أنت الآن تُطبِق على دَفتي الغلاف. غِلاف الرواية ذات الـ500 صفحة. بينما تبتلع كُتلةً من الهواء في شفطةٍ تثاؤبيةٍ كبيرة. ثم، بيدِك اليُسري، بأصابع يدك اليسرى، بإصبعي يدك اليسرى تحديدًا، السبابة والإبهام، تضع ورقة صغيرة ورفيعة بين الصفحات التي توقفت عليها قراءتك، قبل أن تُطبق الدَّفتين بتؤدة، مثل أن تغطي برفق أم طفلها الصغير بمَلاءة خِشية البرد. ثم تنظرُ للسقف الذي أنت تحته، تفتح فمك على حدِّه، وتبتلع كتلة أخرى من الهواء. تُحدِّق في الذي بين يديك، بنفس السبابة والإبهام تضم بطرفي إصبعيك الورق الذي خلُصت من قراءته توًا، تقيسه بحجم ما تبقى من صفحات الكتاب، شيء ضئيل، مسافة محدودة لما ينتظِر قراءتَك، شيء ضئيل ما قرأته، هذا يشبه عبَّارة تمخرُ لتوِّها، وما زال بإمكانك أن ترى شخصين يتعانقان في واجهة المرسى وأنت تمخرُ عرض محيطٍ شاسِع. مسافة محدودة.

تضع الكتاب جانبًا، وتنهض، تتوجّه ناحية سريرِك، كان الصمت والظلام الدامس قد انسكب على حُجرتك ما إن أطفأت مصباح النيون الذي كان يتدفّق عبره الضوء الأبيض الذي كان عبر زجاجته الطويلة يتوهّج تحسه سائلًا كالحليب، الآن وأنت تخطو بثقل صوب مَضجعِك وقد استحال سائل الحليب المتدفق عتمةً دامِسة لها صمت كثيف “صَننننْ”. تفكَّر وأنت تبتلع دفعه أخرى فأخرى… فأخرى من الهواء، وقبل أن يجرفك النعاس الذي بدأ يدُب في جُدران دماغك كنملٍ جائع، 12:45 صباحًا، في تلك الساعة، والتي يكون فيها دُرج الخيال والبال خاليًا من أيِّ صخبٍ وتشويش، رائقًا وخاويًا مثل جُرابٍ مُفرَغ. إذن تتفكّر لا في أمور تافهة حدثت خِلال اليوم، إنما فيما جرى وأنت تمخرُ عرض الكِتاب بينما تشاهد شخصين متعانقين عند واجهةِ المرسى، سكّه طويلة ورحلة شيِّقة بدأتها للتو، رواية لا بد أنها تخفي الكثير، شخصيات مجنونة بدءًا من أول شخصية قابلتها وأنت صاعدًا العبارة، شخصية عبثية لا انتمائية، يُرجى منها الكثير من الغرائب. شخصيات لتوِّها بدت تنسَل داخل ورق الكتاب. شخصيات مجنونه ومشاكسة ومُحبَّه للحياة، شخصيات تافهة وأخرى عدميَّة. خليط، خليط من العبَث. بدا الورق مثل خشبة مسرح، يبرزُ الممثلون عبره فجأة وعلى التوالي، بل لأكون أكثر دقة في التشبيه، أعتقد أنهم مثل حجارة نرد، يُلقيها الرِّوائي خلال الصفحات حجرًا حجر .

لا يمكنني أن أتحدث لك أكثر، انظُر أنت الآن تبتلع كُتلات متتالية من الهواء. بينما يجرفك نُعاس مِلحاح، ودماغك مُشوَّش وكأنه قطعة من زَوبعة ريح. أسألُك لأختبِر أنَّك ما زلت في ضِفتي: ما اسم الكتاب الذي كنت لتوِّك تقرأُه؟ لكنك تسمعني بصعوبة وكأن صوتي يأتيك من الطرف الآخر للمُحيط. تتفوه بـ150 كتاب بمؤلفيهم. يا للهَول! هههه وتسألني إن كان منها الكتاب الذي كنت تقرأ فيه للتو حينما كان المصباح يُرسل خيوطًا بيضاء من الحليب. وقبل أن ينطبِق فمُكَ وتُسدَل عيناك وتدخل في عوالمك الهُلامية من اللاوعي والمَوت المؤقت، تختم قائمة كُتبك بسؤالك لي وصوتك يخرُج بلسانٍ ثقيل كشخصٍ أفرطَ في الثَّمالة :

(ا لـ فَ نَ ا ء – ا لـ مَ ل عُ و ن)/ (إ ي فْ وَ ا ن دُ و رِ ي تْ ش) يــ ــا عــ ز يــ ز ي؟؟

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .