ما بعد رمضان

هلال-رمضان

و ها قد غادرنا الشهر الكريم ، تاركًا فينا شوقًا له و لبركاته ، سائلين المولى أن يتقبله منا و يجعله لنا عتقًا من النيران و أن يبلغنا رمضان القادم ! … عسى أن يكون رمضان قد علمنا درسه الأعظم ، علمنا كيف نستعيد إنسانيتنا من براثن الاستهلاك ، علمنا كيف نجدد إنسانيتنا ، و بالتالي : علمنا كيف نستمر في مسيرتنا الإنسانية …

غادرنا رمضان بيوم العيد ، يوم العيد الذي يبدأ فيه إصلاح العلاقات الاجتماعية ، من العوالق التي أصابتها طيلة العام ، بعد أن مهد لهذا شهر رمضان ، بإنزال القابلية لذلك فيها ، بإصلاح أنفس الناس و تصعيد مستوى الروحانية فيها … و لا يخفى على أحد بأن شبكة العلاقات الاجتماعية شرط أساسي للنهضة الحضارية ، ذلك أن النهضة لا تتحقق بمجرد حراك فردي ، أشبه ما يكون بحراك أسطورة البطل الخرافية ، تنتهي إلى العدم ! بل تتحقق بتكاتف الناس في أمة واحدة ، و حتى بين الأمم ، إن أمكن ، وفق منطق إنساني مشترك ، يراعي الاختلافات الثقافية بين الأمم ، فشلت في تحقيق ذلك الحضارة الغربية ، رغم أنها ما تنفك ترفع شعارات العولمة و وحدة العالم ، و هي في نفس الوقت ترفع شعار الاستهلاك !

فالاستهلاك بطبعه يفرق لا يجمع ، إذ موضوع الاستهلاك هو البقاء ، و البقاء بأي شكل من الأشكال لا يقبل القسمة ، إذ هو موضوع فرداني بحت ، و لما كان كذلك ، فإن الاستهلاك لا يفضي إلا إلى صراع ، نراه اليوم ظاهرًا في محاولة عولمة العلمانية الغربية لتنميط بقية ثقافات العالم وفقها ، بل قل إنها تريد محو كل ديانات و ثقافات العالم ، ساعية من وراء ذلك إلى : ترسيخ ثقافة علمانية وحيدة ، لا تعرف إلا الغرق في الحياة … و هذا المنطق الاستهلاكي هو الذي تعالجه فلسفة رمضان

فضلًا عن أن صيام شهر رمضان ، قد رسخ في الأنفس روحانية عالية ، هي شرط لكل إبداع … و انظر الغرب لما ابتعدوا عن الروحانية نحو العلمانية ، كيف تعالت أصوات تنبئ بموت الإنسان ، أو بمعنى : موت الإبداع فيه

و عليه فإن أولى شروط النهضة : قوة شبكة العلاقات الاجتماعية اللازمة لكل نهضة حضارية ، قد حققها رمضان و ختم تحقيقها العيد …

و إذا كان هذا هو المكسب النهضوي الذي حققه شهر رمضان ، أو فلسفة رمضان ، فإن من الواجب حفظه من الضياع ، و لا شك بأنه لا يتأتى ذلك إلا باستثماره … و لا شك أيضا بأنه لا يتأتى إلا بمواصلة سير النهضة ، و قد رأينا بأنه لا نهضة تقوم إلا باسترداد الإنسان ، و هذا المطلب لا يتحقق إلا برفع مستوى التوتر الروحي في النفس …

و لا شك بأن الحفظ من الضياع هو وظيفة النظم ، فالنظم في الأصل لم توجد لكي تخلق المفقود ، كما تدعي العلمانية ، بل وظيفتها هو حفظ الموجود ، و الموجود هنا هو مستوى روحاني عالي ، و شبكة علاقات اجتماعية تماسكت بشهر الرحمة أكثر مما كانت عليه فيما قبله …

فإذا كان صك القوانين وفق منظومة حقوقية تحفظ حقوق البشر ، كفيلة بأن تحفظ العلاقات الاجتماعية من الضياع ، فإن الروحانية تتطلب أكثر من مجرد صك قوانين ، و بمعنى أشمل : أكثر من مجرد قرار سياسي ، إذ كل ما يمكن أن تفعله السياسة ، هو توفير القابلية لحفظ هذا التوتر الروحاني العالي المكتسب من رمضان … على الأقل ، يمكن القول بأن مما يمكن أن يصيب هذا التوتر بالفتور ، هو ظلم العباد لبعضهم بعضًا ، و دفع هذه المفسدة هو من باب حماية هذا المكسب …

و لا يخفى على أحد أن القانون الردعي الواحد لابد أن يكون له مبرر من ثقافة المجتمع ، ثقافة المجتمع التي قد قلنا بأنها ارتقت بفعل المردود الرمضاني على الأنفس و الأمم ، و منه فإن لا تشريع يتحقق إلا بموافقته لثقافة المجتمع ، و الثقافة من حيث كونها حادث تاريخي ، يتشكل من امتداداتها : الأصولية الدينية من جهة ، و الفرعية الدنيوية من جهة أخرى ، هذا الأمر يفرض علينا أكثر من مجرد تبرير تشريع قانون معين فحسب …

إنه يفرض علينا مواصلة العمل الإصلاحي ، سواءً من الناحية الفكرية أو السلوكية ، فضلًا عن الناحية الروحية التي قد بدأنا بها في رمضان … هذا كي ترتقي الثقافة إلى مستوى المكسب الروحاني ، و من ثمة ترتقي بدورها المنظومة الحقوقية القادرة على حماية هذا المكسب الرمضاني …

إن الحديث عن الإصلاح الثقافي ، هو في حقيقته حديث عن التربية و التعليم ، فالتربية ترسخ سلوكيات تتوافق مع مستوى الروحانية ، هذه التربية قد بدأنا بتطبيق منهجها في رمضان ، فالمطلع على جملة المفطرات بنوع من التدقيق الأصولي ، يدرك بأنها تتوافق مع الروحانية ، و قد سبق و أوضحنا هذا في مقالنا السابق ، حينما تحدثنا عن أن رمضان بنى شبكة علاقات اجتماعية قوية بتخفيف حدة الاستهلاك في الأنفس … و كأن السلوكيات التي أصلها فينا رمضان تتكامل مع المستوى الروحي الذي ارتقت إليه الأنفس بفعل العبادة الشعائرية ، فضلًا عن العبادة الدنيوية ، أعني العبادة التي تعود بالنفع على العباد و الخلائق في معاشهم …

و أما عن التعليم ، فإنه لا يعلم الناس ما يجب أن يكون عليه الحال –إذ أن الحكماء يدركون بأننا اليوم نفتقد إلى تصور نهضوي واضح- ، بل يعلم الناس كيف يندمجون في توتر فكري متعالي عن ما كان عليه قبل رمضان ، إذ إن رمضان قد ساهم في تصفية الأذهان من عوائق الثقافة الاستهلاكية ، ذلك أن العقل ليس إلا آلة نفسية ، و بالتالي صفاء العقل يحدث حتمًا بصفاء النفس … و في سياق هذا الاندماج المجتمعي في توتر عالم الأفكار ، أو بمعنى آخر : في سياق رفع مستوى توتر عالم الأفكار في الوسط الاجتماعي ، يصب في حدوث الجدلية اللازمة بين المستوى الروحي و المستوى العقلي و المستوى الاجتماعي ، أي بين الثقافة و امتداديها : الأصولي الديني و الفروعي الدنيوي

فإذا ارتقت ثقافة المجتمع بالتربية و التعليم ، ارتقى معه تبعًا تبرير و تأصيل المنظومة الحقوقية ، أو السياسية بصفة عامة ، القادرة على حفظ المستوى الروحاني المكتسب في رمضان …

فضلًا عن أن رفع توتر الإصلاح الثقافي ، لا يكون مردوده حفظ المستوى الروحاني فحسب ، بل إنه يفضي إلى الدخول في بناء ثقافة نهضوية ، من حيث حدوث الجدلية الثقافية مع امتداديها الأصولي الديني و الفروعي الدنيوي ، ذلك الجدل الذي يطرح تحديات أكبر كلما ارتقت ثقافة المجتمع أكثر في مواجهة واقعها الحضاري ، و هذا الترقي يرتد حتمًا بالنفع على المنظومة الحقوقية الحامية للمستوى الروحاني المكتسب في رمضان … بل يمكن القول مبدئيًا بأنه ستسهم في رفع المستوى الروحاني أكثر …

إن ارتقاء هذا التوتر الثقافي ، لا يسهم في رقي الامتداد الفروعي الدنيوي ، المتمثل في الرقي الحضاري فحسب ، بل تسهم أيضًا في رقي الامتداد الأصولي الديني ، و الذي يتمثل في بيان الصورة الوجودية في الجانب العملي للإنسان أيضًا …

و السبب في ذلك ، أن رمضان جاء ليخلص الناس من طغيان الاستهلاك ، أي من طغيان الدنيا على النفوس ، و بالتالي فإن أي بناء على هذا المكسب الرمضاني ، لابد أن يكون في نفس هذا الاتجاه ، و إلا كان هدمًا له ، و من جهة ثانية : الحضارة في الأصل تبحث عن الحقيقة ، و قد اتضح بما فيه الكفاية ، و نحن على أعتاب نهاية الحضارة الغربية ، بأن إحلال قداسة الوجود في الواقع الاجتماعي أو المادي ، هو باطل من الناحية الدينية … بمعنى أشمل : الحضارة في الحقيقة لا تبحث إلا عن الدين ، و في هذا تحاول الترقي لكي تصل إلى المستوى الروحي كما سبق و أوضحنا …

و عليه فإنه لا مفر من محاولة توضيح الرؤية الوجودية الفطرية ، المطمورة تحت ركام الجهلين : البسيط و المركب ، و أما البسيط فهو الجهل المتعلق بالوجود المادي المباشر ، المتعلق بالجسد مباشرة ، كمثل تعلق الطفل الرضيع بجسده ، و هذا جهل بسيط يسهل علاجه … أو المركب ، و المتعلق بالوجود المادي الغير مباشر ، أي المتعلق بالجسد و ما تعلق به من موجودات مادية في هذا الكون ، و الذي نرى بأن تأصيله قد تم في القرون الماضية ، في شكل ظهور مارد العلمانية ، ذلك التيار الثقافي الذي نما حتى أصبح ماردًا يهدد وجود الإنسان بالفناء ، و هذا من أكبر التحديات التي تواجه النهضة الإسلامية …

و من أجل إنقاذ الإنسان ، جاء رمضان يعطينا دفعة روحية كي نسترد الإنسان من براثن الاستهلاك ، و في هذا السياق ، لابد من استغلال هذا الترقي في التوتر الثقافي ، حتى نستخرج الرؤية الوجودية الفطرية ، المؤصلة للدين حاكم لا كمحكوم ، أي تأصل حاكمية الله المطلقة … حاكمية تجعل ترقي المستوى الروحاني في الأنفس ، دافع لها للعمل في الحياة الدنيا ، لا الانكفاء عنها ، بجبن لا نجده إلا تصوف أخرق ، يعبر عن خوف من مواجهة الحياة ، هذا الخوف يدل على أن الدنيا أقبضت حكمها على النفس بالفعل و لو بشكل مضمر (و التفصيل هذا يطول ، و ليس يسعنا المقام هنا لشرحه) …

فضلًا عن أن العمل في استخراج هذه الرؤية الوجودية الفطرية ، إذا كنا سنعنونه فإننا سنطلق عليه : “إسقاط الأوثان الثقافية” بالحجة و البرهان ، و ما هذه الأوثان إلا أوثان الاستهلاك العلماني .. إذ ليست الوثنية إلا التعلق بالمادة بدل الروح ، أي عبادة الدنيا و النفس بدل الله ، الأمر الذي يساهم في رفع المستوى الروحاني ، أي بعد تحييد الأوثان الثقافية عن العقل و من ثم النفس …

ملخص الحديث ، إن المكسب الرمضاني لا يمكن الحفاظ عليه إلا بتشريع منظومة حقوقية و بناء قوة سياسية ، تكون خاضعة للسلطان الثقافي الاجتماعي ، دفعًا لأي ظلم قد يفسد هذا المكسب و من ثم يذهبه ، أو على الأقل ينقص منه ، هذا السلطان الثقافي الذي يأتي خادمًا للمكسب الروحي الرمضاني ، بتبريره و تأصيله من حيث امتداديه : الأصولي الديني و الفروعي الدنيوي ، و الذي من نتائج هذا السلطان ، أن ينتج توترًا ثقافيًا متعاليًا ، يسهم لا في تأصيل المكسب الروحي فحسب ، بل أيضًا في بناء منظومة ثقافية قادرة على مواجهة التحديات الحضارية ، أي بناء ثقافة مترقية تستعمل شبكة العلاقات الاجتماعية (و التي أصلحها رمضان و من ثمة العيد) في مسيرة النهضة الحضاري ، أي في إصلاح وجهة الحضارة ، من حضارة مادية تتجه إلى الانعدام ، إلى حضارة روحية تبحث عن الحقيقة ، و من عوارض هذا البحث ، الترقي الحضاري …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .