الرئيسية / احدث التدوينات / نحو تفكيك البنى التقليدية (1)

نحو تفكيك البنى التقليدية (1)

Paper chain family protected in cupped hands

حسان الناصر :

تشوهات الفرد في العلاقات العاطفية وتدخل سلطة الأسرة

 

لطالما كان الإنسان امتدادًا لأبعاده الاجتماعية التي تربى عليها وقام على إثرها نظام كامل لحياته الحالية و ساهم في بناء مجتمعه بنفس الطريقة تلك ولان القيم تغرس فينا ونعبر عنها على حسب وعينا وإدراكنا بها فإننا نقوم بممارستها وفقًا للوعي السابق بها . ويقود إلى تكثيف مفاهيمنا اتجاه تلك القيم ولأننا لم نتعاطى معها بصورة مجردة من تصاوير المجتمع السيئة خرجت كانفعالات ممسوخة لا تقوم على أي أساس إنساني ، وما تكتبه صفحات الانترنت عن العلاقات العاطفية  لا يمت بالشعور ولا بالحب بصلة  هي إحدى التمظهرات التي بنيت في وعينا فلقد صورت الحب بطريقة ممزوجة بتوجهات المجتمع الإيديولوجية ونمط الأسرة الأبوي المتزمت حتى أنها خلطت بين الحب كقيمة و كتمظهرات تندرج تحته فالصفحات بكتاباتها تلك مزقت القيمة و جعلتها لغربان التقاليد تلتهم جثتها وكعادة المجتمعات التي لم تتسم بعد بطابع حداثوي فإنها لا تعبر عن الحب كإحساس إنساني فتخرجه إلى الممارسة الحياتية غير لائق بان يوصف انه من الإنسان أو يعبر عن وجودنا في المحيط الحياتي لنا و الكوكب ككل فالقصور المتلازم لتلك البنى يمنعها من إدراك القيمة الحقيقية التي يعبر من خلالها الإنسان عن انفعاله دون وجود لقيود أو كوابح تدفع به إلى إخفاء ما يكنه من أحاسيس وعواطف ، والحب فن فكما أورد ايريك فروم في كتابه فن الحب كاد يكون من المستحيل أن تجد أي نشاط أو مبادرة إنسانية تبدأ بآمال وتوقعات عريضة، ثم تبوء بالفشل، أكثر من الحب.

يقول «فروم» إن الطريقة الوحيدة لتخفيض ذلك المعدل المرتفع من الفشل تكون بدراسة الأسباب الخفية، التي تحول بين معتقداتنا حول الحب، والآلية التي يجب أن يكون عليها الحب، والتي يجب أن تتضمن الاعتراف بالحب كممارسة واعية، بدلًا من اعتباره قيمة غير مستحقة.

ويرى «فروم» أن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها هي إدراك أن الحب ما هو إلا فن، تمامًا كما الحياة، فإذا أردنا أن نتعلم كيف نحب، فعلينا أن نتخذ نفس الخطوات التي يجب علينا اتخاذها إذا أردنا أن نتعلم أي نوع آخر من الفنون، اختر ما شئت من الفنون: الموسيقى أو الرسم أو النجارة أو فن الطب أو الهندسة، ما هي الخطوات الأساسية لدراسة أي فن؟

إن دراسة أي فن تنقسم بديهيًّا إلى قسمين، أحدهما الإلمام بالنواحي النظرية، والآخر إجادة الممارسة، فإذا أردت دراسة فن الطب، يجب عليَّ في البداية أن أٌلم بالحقائق حول الجسم البشري، وما يتعلق بالفيروسات والأمراض، وبعد تحصيلي لكل هذه المعارف النظرية، لا يعني أنني أصبحت متخصصًا في فنون الطب، سأصبح ماهرًا في هذا الفن فقط بعد قدر كبير من الممارسة العملية، وفي النهاية يتم مزج تحصيلي النظري مع خبراتي العملية ليتبلور في شيء واحد.

أعتقد أن جوهر التمكن من أي فن بجانب الإلمام النظري والممارسة العملية، توافر عامل ثالث مهم لتتمكن من إتقان أي نوع من الفنون، وهو أن تمتلك الشغف والاهتمام البالغ بهذا الفن، وألا يكون لديك ما هو أهم من هذا الفن على وجه الأرض، وينطبق هذا على الموسيقى والطب والنجارة.

أما بخصوص الحب، وربما يكمن هنا الجواب عن سبب ندرة من يسعون لدراسة هذا النوع من الفن، بالرغم من الفشل الواضح، وبالرغم من الشغف الشديد بالحب، يعتبر كل شيء تقريبًا مقدمًا في الأهمية عن الحب، فالنجاح والمستوى الاجتماعي والثروة والسلطة كلها مقدمة عن الحب، وغالبًا ما توجه كل طاقاتنا لنتعلم كيف نحقق هذه الأهداف، والتي ليس أحدها تعلم فن الحب.

أروع ما خلص إليه «فروم» في كتابه «فن الحب» أنه ذهب لاستكشاف المفاهيم الخاطئة، والمغالطات الثقافية التي تحول دون إتقاننا لهذه المهارة الإنسانية العليا، وسلط الضوء على الناحية النظرية، والعملية بشكل رائع وغير تقليدي لكل المتناقضات التي تدور في قلب الإنسان، مكملًا بذلك مسيرة كل من الفيلسوف الفرنسي «ألان باديو» في كتابه «لماذا نقع في الحب ونبقى فيه»، والكاتبة «ماري اوليفر» في كتابها «جنون الحب الحتمي».

بما طرحته من مفاهيم في فن الحب تتبادر إلينا النزعة الممسوخة التي توجد في دواخلنا وتقلل من القيمة ، وتجعلنا نختزل الحب في سلوكيات لا تمتُ إليه بصله ، لا من قريب ولا من بعيد وان أردنا بناء مجتمع على قيم الحداثة علينا بتحطيم الأصنام التي في داخلنا ومن هنا فإننا نبحث عن قيمة للفرد داخل كل الأوعية الاجتماعية المختلفة ولان حركة البناء دائمًا ما تكون من الأسفل  إلى الأعلى علينا الانتقال إلى بنية أولى وهي الاﺴرة وتعرف في علم الاجتماع،على أنها هي الخلية الأساسية في المجتمع وأهم جماعاته الأولية، تتكون الأسرة من أفراد تربط بينهم صلة القرابة والرحم، وتساهم الأسرة في النشاط الاجتماعي في كل جوانبه المادية والروحية والعقائدية والاقتصادية .

للأسرة حقوق و وجبات تقوم على أسس وقواعد محددة معينة ، على أساس وظيفتها داخل المجتمع وكما أن الأسرة تعتبر النواة الأولية لتمظهر السلطة بحيث تتبلور مفاهيم عديدة تحت مظلة الأسرة ، لا انوي الدخول أكثر في تركيب الأسرة بقدر ما أريد إظهار نمطها التقليدي المبني علي الوصاية المطابق للقبيلة في تركيبتها الجوهرية بحيث يجبل الناس على أمر واحد حتى وان كان مخالفًا لما يتمنونه ، وفي الأسرة تتحكم التقاليد و العادات في سلوك الأبناء عن طريق سلطه الأب التي يستمدها من النمط الاجتماعي الموجود فيه فالأسرة التقليدية لن تكون كما هي في مجتمع يمارس سلوكًا ديمقراطيًا ، نجد أسرنا عند سفرها إلى الدول الحديثة تبدأ في اكتساب القيم الديمقراطية و تتفكك بنيتها التقليدية ، إن الأسرة التقليدية التي تتمركز فيها السلطة تظهر في مؤسساتنا التعليمية فالمدرس ينتقل ليتقمص نفس دور الأب السلطوي ، ويمارس تكبيل عقول الطلاب فتتحول المدرسة من مجتمع لتعليم الأطفال و الأجيال كمناخ معرفي يربي جوانب مهمة في حياتهم إلى مصدر لإعادة إنتاج عقولهم في إطار وعي تقليدي مطابق لوعي الأسرة التقليدية ، ونفس الحال في الجامعة ، يتحول الحرس الجامعي إلى أب سلطوي مطابق للأب ، ويتسلل إلى داخل بنية الجامعة فيكون الطلاب القدامى أب حامي للتقاليد التي تحفظ مكانتهم الاجتماعية و تنتج بنية ممسوخة لا تمت للجامعة بصلة ، إن حالة الأب السلطوي تدخل حتى في البنى السياسية فنرى تمظهراتها موجودة في ممارسه الفعل السياسي سواء داخل الجامعة أو خارجها ، لتطال النزعة الأبوية فكرة الدولة فهي تدعم فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة التي تساعد على الخضوع للنظام الاجتماعي والسياسي، مثلما تساعد على تغييب مفهوم المواطن الفرد واستقلاله الفردي عن الجماعة وكذلك تغييب خصوصيته وتذويب شخصيته في الجماعة. وكلما يفقد المرء فرديته واستقلاليته، كلما يشعر بعدم أهميته وضعف مسؤولية، لان المسؤولية الجماعية تقع على عاتق العائلة والعشيرة والتي تطغى على كل مسؤولية فردية.

والحقيقة فان الحضارة الحديثة تقوم على مفهوم التخصص وتقسيم العمل الاجتماعي بين الأفراد حيث يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهو ما يتعارض مع قيم العائلة والعشيرة والمنطقة والطائفة وما يشبه ذلك، التي لا تضع للفرد أهمية سوى كونه واحدًا من الجماعة، بعكس الحضارة الحديثة التي تعطي للفرد مكانته المحددة في المجتمع حسب إمكانياته وكفاءاته ومقدراته.وهذه الحوافز هي التي مكنت المجتمعات المتقدمة من التطور .

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان