نشيد الحرب

السفر_إلى_كوسوفو

بصوت متناسق أنشد الطلاب الكوسوفيين النشيد

” يا كوسوفو ، يا شقتاري

يا شقتاري ، يا كوسوفو

يا كوسوفو ، يا كوسوفو “

قال لي  صديقي هيروليندز بلغته التركية المكسّرة :

” لا استطيع أن أصف لك يا صديقي  فظاعة الجرائم التي ارتكبها الجيش الصربي ضد  ألبان كوسوفا ، كانت وحشية لأبعد مما تتصور ،  في نهاية الأمر تدخل حلف الشمال الأطلسي  عام 1999 و أنهى هذه المأساة ، و بعدها  ظلت بلدي كوسوفا تحت حماية الأمام المتحدة و حلف الشمال الأطلسي “

صمت لبرهة من الزمن ثم أردف قائلًا ” أخيرًا أخذنا استقلالنا من الصرب  ، و الآن لدينا علم مستقل يرفرف في الأفق “

و بحماس شديد رفع علم كوسوفا و بدأ يلّوح به في تجاه مجموعة من الطلاب الصرب  .

المرشد السياحي  كان رجلًا بدينًا ، كثير الثرثرة ، لكن بساطته جعلتنا نحبه رغم ثرثرته الكثير ،  الرجل بدأ يصيح مستخدمًا المايكرفون .

” يا شباب اقتربوا مني ، هيا ، استمعوا إليّ “

أشرتُ إلى صديقي هيرولندز بأن نذهب إلى وسط العبّارة البحرية لكي نستمع إلى المرشد السياحي . تجمهر كل الطلاب حول المرشد ، استخرجتُ من حقيبتي الخريطة التي توضح النقل البحري  لمدينة استانبول  ، و بمساعدة زميلي الألباني ( جيفو ) تمكنت من تحديد  الاتجاهات و وضع الخريطة في الاتجاه الصحيح  وتحديد موقعنا الجغرافي على الخريطة .

بدأ المرشد السياحي ثرثرته :

“يا شباب ، العبّارة البحرية  تتجه بنا شرقًا الآن بمحاذاة الجانب الشمالي لمدينة استانبول ، و هو الجانب الأوروبي ، عبرنا قبل قليل من تحت جسر المضيق ، إذا وجهتم أنظاركم إلى الخلف سترونه ، و كما ترون أمامنا مباشرة جسر السلطان محمد الفاتح ، هذا الجسر يُطلق عليه جسر البسفور الثاني ،  يربط هذا الجسر بين الجانب الأسيوي و الجانب الأوربي لمدينة استانبول ، و هو جسر معلّق ، و كان هذا الجسر سادس أطول جسر معلق في العالم عند بنائه في عام 1988م ، و هو حاليًا في المركز الرابع عشر كأطول جسر معلق في العالم .( في هذه الأثناء بدأت العبّارة البحرية تعبر بنا من تحت الجسر ، بدأ الجميع مشاهدة الجسر بعيون لا تخلو من دهشة و استغراب )

واصل المرشد ثرثرته :

يا شباب أمامنا بمسافة بعيدة يمكنكم رؤية جسر آخر ، و هو جسر ياووز سليم ، و يطلق عليه أيضًا جسر البسفور الثالث ، يا أصدقائي الأعزاء هذا الجسر يُعد أطول جسر معلق في العالم . حقيقة يا أصدقائي في استانبول الكثير من المعالم التاريخية المهمة ، بعد قليل سترون برج ( غلاتا ) و هو أقدم برج و معلم سياحي في استانبول ، يُعتقد انه بُني سنة 507م في عهد السلطان جستنيان و كان يُعرف باسم برج عيسى ، و تم ترميم البرج سنة 1509 بعد تعرضه لزلزال كاد أن يدمره .

في العبّارة كان يوجد سماعات ضخمة تتدفق منها الأغاني باللغة التركية ، فكان الجميع ينتظر بتلهف أن ينهي المرشد ثرثرته لكي تنطلق الأغنيات  و بمجرد أن صمت مايكرفون المرشد انطلق صوت الفنان التركي ( مصطفى جيجلي ) يغني أغنيته المشهورة : 

” يتدفق الحب

من هوائها  و  من مائها

لي حبيية بلون الورد

  موسيقى ، جعلت الجميع ينخرط في الرقص و يطلق العنان لجسده ، لا صوت يعلو فوق صوت الرقص الآن ، الطلبة و الطالبات يرقصون باحترافية كبيرة ، الموسيقى تدفق بحنان مثل تربيت الأمهات على أكتاف الأطفال ساعة النوم ، العبّارة  تسير بنا كأنها تهدهدنا ،

الجو كان غائمًا ، الشمس وزنت حرارتها على المستوى الذي يجلب لنا الدفء و لا يجعلنا نشعر بالحرارة . ثمة نسور كانت تحلق في الأفق ، تقترب كثيرًا من نوافذ العبّارة البحرية ، تبارى الشباب في مداعبتها  ، كانوا يناولونها  قطع الخبز من خلال النافذة ، فتدنوا إلى أن تخطف قطعة الخبز من يد الشخص ، كان أمرًا مسليًا بالنسبة لهم . صديقتي الألمانية (كلارا) تحب التقاط الصور ،  طلبتُ منها أن تلتقط لي صورة بعدسة كاميرتها في الوقت الذي يخطف فيه النسر قطعة الخبز من يدي ، و فورًا بدأت الخطة ، أخرجت من حقيبتي قطعة خبز اقتربت من نافذة العبارة البحرية ، مددت يدي و لوحة لسرب من النسور كان يحلق قبالة النافذة ، اقترب واحد منهم ، رفرف بالقرب مني ، أصبحت المسافة بيني و بينه قليلة ، كلارا كانت في وضع الاستعداد ، واضعة الكاميرا أمامها و إصبعها على ذر الالتقاط ، ففي الوقت الذي خطف النسر قطعة الخبز من يدي كانت عدسة ( كلارا) بالمرصاد ، ضحكنا بفرح عندما نجحت خطتنا .

ما زالت الموسيقى مستمرة و الجميع يرقص بفرح ، أنا لم أرقص كالعادة  ، ظللتُ أراقب من يرقصون و أذوب في خيالاتي و تأملاتي ، أنظر إلى العبّارة ، و المياه التي من حولنا ، جمال مدينة استانبول و اخضرارها ، ضفة البحر البعيدة ، خيوط الشمس الدافئة ، اللحظات الجميلة تذكرني بالفناء و الرحيل ، أتخيل اتزان العبّارة ، و غرقها ، طول جزء العبّارة المغموس في الماء ، عرض جزء العبّارة المغموس في الماء ، ارتفاع جزء العبّارة المغموس في الماء ، كثافة الماء ، قوة الطفو ، معادلات فيزيائية فاشلة ، أتساءل لماذا لا  تغرق العبّارة ؟

توقفت الموسيقى لبرهة ، انطلق مجموعة من الطلاب الكوسوفيين يرددون أغنية بلغتهم لا نفهمها ، يلوحون بأعلامهم و يقولون :

” يا كوسوفو يا شقتاري

يا شقتاري يا كوسوفو

يا كوسوفو يا كوسوفو “

في الجانب الآخر من العبّارة تجمع عدد من زملائنا الصرب وهم يرددون نشيدًا و يلوحون بأعلامهم ، سيقول لي صديقي هيروليندز بعد أيام أن النشيد الذي كان يردده زملاؤنا الصرب كان نشيدًا ردده الجنود الصرب في هجومهم على الكوسوفيين العزل أيام الحرب . و نتيجة لترديد أناشيد الحرب و إثارة العداء التاريخي اندلعت مشكلة داخل العبّارة ، صديقي هيرولندز و عدد من الكوسوفيين كانوا مصرين على سحق الطلاب الصرب في العبّارة و من ثم رميهم خارج العبارة ليكونوا ولائم للتماسيح ، كنتُ أحاول أن أقبض على يد هيرولندز التي كانت تخنق عنق طالب صربي و قد أوشك الأخير أن يفارق الحياة ، مشرفتنا التركية ( ميلتام) كانت تصرخ فيهم ( كفى ، كفى ، لا يجوز هذا يا هيرولندز ، أيها الصرب الهدوء ) كان الاشتباك عنيف ، المشرفة لكمها طالب صربي بالخطأ عندما كانت في وسط الزحام فأغمي عليها ، و بصعوبة تمكنا من حل الاشتباك اليدوي الذي وقع بين الطلاب الصرب و الكوسوفيين ، و بالقوة أخذنا الطلاب الكوسوفيين إلى الطابق الأعلى من العبّارة البحرية .

ساد الهدوء بعد انتهاء المشكلة ، صمت الجميع ، لم نعد نشعر بالأمان و السلام ، لقد فسدت الرحلة بسبب هذا الصراع ، العبّارة كانت تمشي ببطء ، و الشمس تختفي ببطء ، لم يعد أحد يرقص ، أو يداعب النسور ، كنت جالسًا بالقرب من صديقي هيرولندز في كنبة طويلة بالقرب من النافذة ، كان غاضبًا جدًا بعد مشكلته مع الصرب لذلك لم أتحدث إليه ، التزمنا الصمت . حاولتُ أن أشغل نفسي بعمل شيء ما ، استخرجتُ خريطة استانبول من حقيبتي بتكاسل  ، تفحصتها قليلًا ، ثم أدخلتها مرة أخرى ، ذهبتُ إلى صديقتي الألمانية ( كلارا) التي كانت تجلس في مسافة قريبة مني ، طلبتُ منها أن تعطيني الكاميرا ، ناولتني الكاميرا دون أن تنطق بكلمة ، قلتُ في نفسي يبدو أن الجميع قد التزم الصمت ، فتحتُ الكاميرا و بدأتُ أتسلى بمشاهدة الصور التي التقطناها خلال زيارتنا  .

صورتي أنا و هيرولندز في اليوم الأول في الفندق ، هيرولندز يرتدي فنيلة بيضاء و يضع قبعة بشكل فوضوي على رأسه ، أما أنا فقد كنت ببدلتي الزرقاء .

صورة تجمعني و زميلتي الرومانية ( فيوليتا ) ترتدي فيوليتا فستانًا أحمرًا جميلًا .

صورة جماعية لكل الطلاب الذين يدرسون في المعهد

صورة أخرى لصديقتي الألمانية ( كلارا) كانت تصوب بندقية بلاستيكية تجاه بالونة خضراء محاولة اصطيادها لكي تكسب الرهان و هو عبارة عن عشر ليرات تركية  .

صورة داخل قاعة الدرس تظهر فيها الأستاذة (فوندا) ماسكة كتابًا و قلم ماركر .

صورة  لزميلتي البوسنية ( نيسادا ) كانت مستلقية على نجيل في ضفاف بحر مرمرة .

و بينما كنت أتفحص الصور تحدثت إلينا المرشدة (ميلتام) مستخدمة مكبر الصوت  قائلة :

” يا شباب استمعوا إليّ جيدًا ، بكل أسف قبل قليل رأيتم المشكلة التي حدثت بين الطلاب الصرب و الكوسوفيين ، لم نتوقع إطلاقًا أن تحدث مثل هذه المشكلة ، نحن في معهد المعلمين لنشر اللغة التركية حول العالم هدفنا نشر الخير و التسامح قبل نشر اللغة ، لقد أتينا بكم إلى هذا الكورس الصيفي و أنتم من دول مختلفة ، من البلغان ، و غرب أوروبا ، شمال أفريقيا ، غرب أفريقيا ، الخليج ، بلاد الشام ، و من بقية المناطق التي تنتشر فيها معاهدنا حول العالم ، رجاءً يا شباب من الآن وحتى نهاية هذا الكورس ، انتم من دول مختلفة ، و لاشك أن بين بعض هذه الدول الكثير من  الخلافات السياسية ، لذلك تجنبوا الشعارات السياسية ، اتركوا الأناشيد التي تثير الصراعات التاريخية بين شعوبكم ، تناسوا هذه المرارت التاريخية ، على الأقل تجنبوا هذه الأشياء حتى يرجع كل شخص إلى أهله سالمًا ، هذه مسؤوليتنا يا شباب ، نحن في معهد المعلمين تعهدنا لأسركم بأن تكونوا سالمين حتى ترجعوا بلادكم  ، فرجاء ساعدونا في هذا الأمر .

تحدثت المشرفة ميلتام لفترة طويلة ، كان لكلامها أثر بالغ ، رأيت الدموع تنزل من عيون الكثيرين ، نزل الطلاب الكوسوفيون من الطابق الثاني و جاءوا و اعتذروا للطلاب الصرب ، قبل الأخيرين اعتذارهم ، تعانقوا ، و بكوا جميعًا ، كان موقفًا مؤثرًا . حتى الطلاب الذين جاءوا من دول أخرى ، طلاب مصر ، السودان ، فرنسا ، بلجيكا ، الصين ، جنوب أفريقيا ، ألمانيا و كل الطلاب الذين شاركوا في منحة معهد المعلمين ، كلهم تأثروا بذلك الموقف   .

صديقي هيرولندز كان يجلس في زاوية بعيدة منفردًا ، جاء إليه طالب صربي لكي يصافحه و يعتذر منه ، لكن هيرولندز لم يمد يده لكي يصافحه ، الجميع كان يتابع الموقف ، تحدثت إليه المشرفة ( ميلتام ) بمكبر الصوت . قائلة :

” هيرولندز هذا عيب منك، الرجل يمد يده لكي يطلب العفو و أنت ترفض ، ألم تر أن الجميع قد تسامحوا ، هيا يا هيرولندز صافح الرجل “

 ظلت يد الطالب الصربي معلقة في الهواء ، و هيرولندز غارق في حزنه و يرفض المصافحة ، الجميع كان ينظر إلى الموقف .

علمتُ حينها أنا هيرولندز دخل في عناده العظيم ، و أن هذه المشكلة لن يحلها شخص سواي فصديقي هيرولندز أحمق و عنيد و سريع الغضب  ، و أنا أكثر منه عنادًا و حماقة  فنحن حمقى و نفهم بعضنا جيدًا .

ذهبتُ إليه ، كان الجميع ينظر إليّ ، تحدثت إليه ، قال لي أنه لن يمد يده لمصافحة  صربي و أخته ما زالت في إعداد المفقودين من أيام الحرب ، استخدمتُ معه أساليبنا الخاصة الأكثر عنادًا ، همستُ في أذنه بعبارة واحدة  ففهم الأمر مباشرة .

و أخيرًا مد يده و صافح الصربي و عانقه ، صفق الجميع و احتفلوا ، صديقتي ( كلارا) تسألني دوما  بشرف المسيح و بحق الرب أن أخبرها ماذا قلتُ لهيرولندز عندما همست  في أذنه ، و أنا أضحك و أتهرب من سؤالها باستمرار  .

و من السماعات الكبيرة في العبّارة تدفقت الموسيقى مرة أخرى احتفالًا بالصلح الذي تم ، بدأ الجميع يرقص بنشوة و فرح ، حتى صديقي  هيرولندز عانق فتاة صربية جميلة و رقص معها رقصًا رائعًا ، دخلتُ أنا في تأملاتي عن الموت و العدم ،  الفرح و الرقص يذكرني بالعدم و الرحيل ، أراقب الجميع يرقصون بفرح و أتأمل صوت الفنان و هو يغني :

” يتدفق الحب

من هوائها و من مائها

لي حبيبة بلون الورد ” .

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .