الرئيسية / احدث التدوينات / الأحمق والمرايا

الأحمق والمرايا

متوكل

     برأس مشبعة بالكحول، وقلب متخم بالمسرات، دلف الرجل إلي غرفته بخطى متثاقلة مترنحة، يحمل بعض من هدايا عيد ميلاده بين يديه، أخذ تلك التي قدمتها إليه نساء جميلات، تفقد هداياه محدثا نفسه بزهو: “ما تقدمه الأنثى مستتراً موارباً يولد في القلب توق قاتل لمعرفته، شوق غامض يتسرب إلى الأوصال لإزالة الغطاء – تأويل المستتر – أما حين تمنح عين الشيء من سيدة جميلة فالانتظار يشبه تماماً أن تستسلم للنمل ليأكلك حيا!”

    نبتت على شفتاه ابتسامة رضى، فتح أول مغلف، تمددت شفتاه أكثر، كشف الغطاء عن ثانية، رابعة… عاشرة ثم دون أن يشعر قذف بالصندوق بعيداً حين وجد أمامه آخر صغير، كتب خارجة بقلم لتخطيط الحواجب – ليلى – كانت هدية من صديقة طالما عد قربها داخله شيء مختلف غير الذي تصر هي عليه! أوقات ألقه الخاص يعاملها كحبيبة، ثمة أوقات أخرى يتخيلها فيها عشيقة، تشبه الممثلات اللائي يجد صورهن في مجلات إباحية أدمن على متابعتها سراً، تلك لحظات مجونه، أما حين تتمنع – ليلى – وتفشل كل محاولاته للظفر بها كان يكتفي بأن يتمناها زوجة صالحة، – أم – متفرغة لتربية أطفال كثر ليس لهم وجود سوى في خياله فقط، بأنفاس متقطعة أزال الغطاء من على العلبة، يدين مرتعشتين تعملان جهدهما للتعجيل برؤية ما بالداخل.

     صوت خفي يأمره بإلقاء نظرة على الحائط المقابل، قوة غامضة تمسك برأسه ترفعه قليلاً بحركة أقرب للتشنج! أصبح وجهه مقابل مرايا ضخمة، احتلت ما يزيد عن ربع حائط الغرفة الشرقي، توقفت يداه عن الحركة المضطربة، فقد فضوله لمعرفة هدية – ليلى – إليه، زم عينيه ليتأكد من أن الذي في المرآة انعكاسه هو وليس شخص آخر!، اعترته رجفة من سطح جلده حتى لامست شريانه التاجي، بحركة آلية انفتحت يده سقط الصندوق الصغير منها، لم يعره اهتماماً، لم يلتفت لإلقاء نظرة؟ كان فمه نصف منفرج، عيناه المنغرستان في نقطة واحدة على المرآة ضيقهما أكثر، تحرك باتجاه المرايا، توقفت قدماه فقط عندما أصبحت المسافة بين جسده والانعكاس حوالي ثلاث بوصات؟ متخشباً غير قادر على الإتيان بأي فعل توقف الرجل، رأسه الحليق بدقة وعناية فائقتين دارت داخله مخاوف ذات مخالب حادة، نمت في القلب أسئلة لها أنياب مسننة، عوت في الروح نواقيس صاخبة، شرسة، لا نعرف كم من الوقت قضاه الرجل في وضعيته تلك قبل الصراخ باتساع حلقه، وكما لو كان يخاطب شخص عند الطرف الأخر للعالم، قال : “ما الذي يحصل لي؟ كيف ذلك؟ ومن السبب؟”

     ثلاثة عقود لم تك فيها المرايا بالنسبة إلى الرجل مجرد سطح، يتجسد عليه انعكاس صورته، ملامحه، وتفاصيله الخارجية! بل كانت فضاء رحب وواسع، ضاج بالتفاعل والحركة، تفاعل كانت أوضح أشكاله هذا المساء، فعندما هم الرجل بالخروج وهو يظن أنه قد ارتدى أبهى حلة، كان للمرايا رأي مختلف، أخبرته به! بدل الرجل ثيابه على الفور وبالفعل وجد اشادات عدة ممن شارك في ذكرى اليوم الفريد، سمع تعليقات مختلفة تتفق في كونها مديح لأناقته، ذوقه الرفيع!

     إلتف حول الرجل جمع غفير من الأصدقاء احتفالاً وتفاعلاً بعيد ميلاده الــــــثمــ …، الحق: لا أحد يعرف كم يبلغ من العمر؟ بمن في ذلك أصدقاؤه المقربين، فليست لهم دراية أو معلومة مؤكدة حول ذلك، هذا لأنه يحيط مسألة عمره بسرية بالغة، ولا يقبل مجرد سؤال بسيط متعلق بالأمر، حتى ولو كان مدسوس في جرة من عسل المديح، من شاكلة: “بوركت! يا رجل أعرفك منذ أربعون سنة، لكنك تبدو كما لو أنك في الحادية والعشرون! كم عمرك؟” حين يباغت من أحدهم بسؤال مماثل، للرجل إجابتين فقط، جاهزتين ومعدتين جيداً، الأولى: “أنا في الثلاثين من العمر ولو عشت ثلاثين غيرها سأموت وأنا في الثلاثين أيضاً! فعمرك هو ما تقرره! يمكنك أن تعيش طول الحياة تنعم بالشباب؟ أيضاً يمكن أن تشيخ قبل أن تبلغ العشرين؟”.

     أما إجابته الأخرى فكانت: “حسناً أنا أبلغ من العمر ما تراه؟ قدر لي عمراً دون أن تخبرني به، سيكون ذلك سني”! هذه يجدها الناس أكثر غرابة، بل يشعرون بها غامضة ملغزة، فلماذا يمنح الرجل حرية التقدير شريطة أن لا تخبره؟ لا أحد يعرف الإجابة وربما هو نفسه لا يمتلكها!

      خمس ساعات كاملة أنقضت وما يزال الرجل متموضعاً كما كان، محدقاً في المرايا بنظرات فزعة، بوجه مختلف كلية، فالعيون التي لطالما أنعبث منها الفرح باتت محاجر محتقنة برعب مزمن وتوتر، عبثت بالقلب دوامات من هواجس بغيضة، كتفت شراينه نفخت فيها تيارات مجنونة لها حموضة لاذعة، لسان الرجل هو الاخر شهد تغيرات يصعب تفسيرها، تلبك متشنجاً باللجلجة ردد أمنية واحدة حاسمة – أن يكون كل ما يراه الرجل الآن مجرد كابوس مزعج، أو على الأقل خيال نتيجة لتصاعد غازات الكحول التي تضغط علي تركيزه منذ المساء – حال اللسان الذي لم تنهمر منه يوماً غير عبارات باذخة أسكرت نساء كثيرات دوختهن، كلمات لعوب موغلة في إيحاءات مدغدغة، كانت سلم أنيق عبر خلاله الرجل اعتلي بفضله أجساد كثيرة، صوته العميق المعتق بالثقة كان مسبار مسنن نقب به في مستودعات أسرار مختلفة، هذا الصوت المسكون بالاضطرابات والتصدع الآن وتحجب تفاصيل إنحتاءاته رعشة، هذه الرعشة الليئمة؟

      لم يرغب بشيء غير وضع حد للتغيرات التي يلحظ ازديادها على كل أعضاء جسده، أما تلك التي تجتاح وجهه فتشعل في الروح قلق من نوع آخر، رعب أكثر من كونه مجرد قلق عابر! ذلك ما قاد عقل الرجل ليؤسس قائمة من أسباب محتملة أنها مبرر لما يحدث من تغيرات باتت تغطي محياه بوضوح وقح، رغم الألم الذي سكن سائر قلبه إلا أنه شرع ينتج قوائم عدة سعى لأن تكون كلها موضوعيه، صونا لاتزان ميزه باستمرار، عمق وجد بفضله المديح، في البدء طافت أمام عينيه صور لأشخاص كثر سألوه لمرات أكثر من ما يذكر عن عمره؟ نوع الرياضة التي يمارس تحافظ على هذه البنية الرائعة؟ قائمة طعامه وما يتجنب من أغذية؟ هؤلاء صفهم في قائمة حملت اسم – حساد محتملين – لعاب مر إنساب في حلقه، شعر بأنهم سبب ما يحدث، كرههم بشدة، تمنى أن تتاح له سانحة أن يتبول فوق رؤوسهم وعلى وجوههم.

      قائمة ثانية حوت كل من حاول التشبه به، من عده نموذج يحتذي به في البنية الجسدية المثالية، هذه القائمة أطلق عليها – منافسون مخصيون – استحالت المرايا شاشة عرض موصولة بذاكرته، عرض على سطحها ذكرى مناسبات جمعته بعناصر القائمة، سمع أصواتهم الهامسة الخفيضة تتبجح بأنهم باتوا قريبين منه، ليس يفصل بين أجسادهم وكمال جسده سوى سنتين يقضونها مواظبين على الرياضة، بينما يقضيها هو يتقدم في العمر! وقتها سبهم في سره حفاظاً على نظافة صورته، أما الان فشتمهم علانية، واتته رغبة ملحة لتتبول داخل أفواههم مباشرة!

      وضع وجهه بين يديه، نظر إلى مساحات في الرأس جرداء من الشعر، غرق يتأمل ما حل به من مصائب؟

      قائمة ثالثة أطلق عليها اسم – أقرباء خونة -…

      رابعة خصصها لنساء خذلهن كما عادة لا يستطيع تجاوزها، حملت اسم – ساقطات حانقات – وخامسة…

      سادسة

      وعاشرة…

      فرغ من تشكيل قوائم اتهامه، أنتهى من رصد أسباب محتملة، تمتم بالدعوات، غطى بيديه كلتا عيناه كما لو كان يؤدي طقس شعائري موغل في القداسة والغموض، مرتعد الأوصال شرع يلوم نفسه بقسوة، عنف نفسه بشدة، عاتبها على ما أعتبره الآن فقط أخطاء! بل عدها غير مغتفرة، كيف تجمعه علاقة حميمة بأربع من زوجات أصدقاء مقربين له؟ بكي بحرقة ووجع، بكي كمن أكتشف في البكاء متعة لذيذة سحرية وغامضة، سكب دموع حارة حاول أن يغسل بها همه، يفتح بقوة دفقها نهراً يمخر عبابه هربا من الورطة؟

      أغمض عيناه بوداعة رضيع شبع، بالقلب تزهر رغبة واحدة، ملحة وحاسمة؟ تمنى أن يكون كل الذي حدث مجرد كابوس مزعج، عيد الميلاد، الجميلات الثلاث – اللائي قابلهن لأول مرة هذا المساء وعقد مع ثلاثتهن موعداً – تمنى أن يذهبن بلا رجعة وليعود هو كما كان قبل اللقاء، “رجل أنيق دائم البهجة، جسد رياضي ممشوق لا يشيخ، وملامح منشرحة وجه يعقد على الناظرين مسألة حزر سنوات العمر”، دخل بحر النوم بخدود مرتوية، وجه مختنق بالتجاعيد قلب به أمنية حاسمة، واحدة وملحة: أن تتلاشى هذه اللحظات القلقة العصيبة.

      ضوء الصباح يلامس روح الرجل، هش عينيه المشبعتين بظلام الليلة السابقة، تحرك رمشه الأيمن قطع أحلام ذبابة كانت تتخذ منه سرير تطير مبتعدة!، مغمض العينين تمتم بالتلاوات، رفع رأسه قليلاً، كانت ما تزال بالقلب رغبة، بل أمنية واحدة، وحيدة، حاسمة! حرك يديه على الرأس الحليقة بدقة، تفقد جدوى التمتمات، فائدة تعنيف النفس، حين فتح عيناه وجد أن ما حدث ليس مجرد كابوس مزعج، بل حقيقة ماثلة، سقطت أمنيته الحاسمة، الوحيدة كما تساقط جزء كبير من شعر الرأس، شعره الحليق دائماً بعناية ودقة متناهيتين، صرخ بسعة قدرة حباله الصوتية على التمدد، شتم كل من احتل مكان في قوائمه الكثيرة، الطويلة.

      ثقوب متفرقة في القلب خلفتها مصاعب قابلت الرجل خلال سنة كاملة، عام كان عنوانه الهواجس والخوف المتنامي، أشياء كثيرة بلغت ذروتها مع الوقت، ابتداءاً من شعور تعاظم في قلب الرجل بأن الناس الذين أحبوه قد تغيروا، باتوا يعاملونه بفظاظة ملحوظة، تملكه شك أن أقرب الناس إليه بات أكثرهم شماته فيه بسبب ما تركته يد الوقت على جسده والوجه، شك تحول إلي يقين ملأ القلب تماماً، أجج فيه رغبة التخلص من ما بات يعتبره عقبة مفروض إزالتها بأسرع ما يمكن، سماها – عيوب طارئة، مؤقتة – في سعيه للتخلص من نقصه الطارئ بذل جهود مضنية مقدرة، دون الالتفات للألم الناجم عن ما يقوم به واصل سعيه.

      قطع علاقته مع كل فرد ممن أطلق عليهم – حساد محتملين – كانت تحوي أصدقاء مقربين يمكن وصفهم بأصدقاء عمر، طلاب لديه في الجامعة حيث يلقي دروس عن: “السحر وأثره على رؤية الذات في المجتمعات القديمة”، زملاء شقاء وفرح، رفاق الأيام حلوة كانت أو مرة حامضة على حد سواء، حزن بالغ اعتصر قلبه، لم يفسره الرجل غير أنه نتيجة للتعافي، ألم سمين حط على الروح لفقد الأصحاب اختياراً، لكن الرجل تجاسر لأن المرايا التي دائماً ما أعانته قدمت له لمحة من مستقبل مشرق من دون هؤلاء الحاسدين، تبول على رؤوسهم التي بثتها مراياه حية متخمة بالحقد.

      لم يلحظ أي بوادر تحسن، كانت ما تزال التغيرات تجتاح كل يوم بقعة من رأسه، تحتلها لتتركها جرداء خالية من الشعر، يزداد الرجل قلق يسبب له حالة من إمساك دائم، التوتر شذب طباعه، جعلها حادة كسكين، امتلاك مزاج جيد لم يعتد عليه من بقي حوله – الفظاظة – أصبحوا يتجنبونه! اشتعل قلبه أكثر، أمسك قائمة أخرى طرد كل عناصرها من حياته بصورة نهائية، أخيرة وحاسمة لكن قبل كل ذلك تبول مباشرة على أفواههم التي كانت مفتوحة مشرعة في مرأته.

      وجه الرجل في كل لحظة يجذب تجاعيد جديدة بلا هوادة، معها ترتفع حرارة غضبه، تمتقع بالحقد الأعمى عيناه، فيواصل عمله في نثر فخاخ الاحتقار في الأرض التي يقف عليها الجميع، كان غاضب بشكل منعه حتي من مجرد تقيم ما يقوم به من أعمال.

      جاء الرجل بقائمة نسائه، فعل بها ما أوصت به المرايا، ما أتاحت من سفور على سطحها، كن جميعا عاريات إلا من نيران حقده، شتمهن، وبعد سلسلة من أفعال مشينة لم يتغير شيء! جاء بباقي قوائمه، أزالها تماماً من حياته، عاد وحيداً كما ولدته أمه، لا أصدقاء، لا أعداء ولا من يقف في المسافة بين الأثنين!

      يبدو أن الرجل كان مخطئاً منذ البداية. فما أسماها عيوب طارئة مؤقتة استمرت باقية، بل هي في ازدياد مضطرد، تكبر في وجهه، التهمت جسده المثالي بنهم، أثرت بشكل ملحوظ في ملامحه، أذابت عضلات وجه الجميل فبهت، ذبلت ابتسامته.

      عام آخر يمضي وقد ازدادت أوضاع الرجل سوء، غارق في الوحدة ليس ثمة أحد يهتم به، أدمن الوقوف أمام المرأة بشكل ملحوظ أثر على بصره، لم تتبقي له حلية غير البكاء الحارق، دون أن يملك شيء يوقف به ما يحدث، كارثة دمرت نسيجة المترابط المتسق! في بحثه المضني عن مخرج أفرغ قوائمه كلها! دون نتيجة تذكر، كان يقف كعادته أمام المرايا، سأل نفسه: ماذا بعد؟ لم يجد إجابة! ألق نظرة على انعكاس جسده العاري في المرايا، توقف ينظر بتركيز على يده اليسرى؟ عند الأصابع بالتحديد، كان بها اعوجاج ملحوظ، أقرب للتشوهات منه إلي أي شيء آخر؟ أيضاً كانت أطول قليلاً من أصابع اليد الأخرى! اختلاف شعر به منذ سنوات الطفولة، عيبه الجسدي الوحيد، خاطر شفيف لمع في راسه، كمصباح سحري أنار ظلمة عقله، كضوء يرقص عند الأفق الحالك، يعلن نهاية رحلة شاقة لروح معذبة داخل نفق بارد مسكونة تشققاته بفطريات عفنة، مذق صمت الليل بصرخة مدوية، تناول زجاجة كاملة من خمر قوي، نام وقد ربتت على قلبه أمنية، بل رغبة واحدة حاسمة وملحة.

      في الصباح تضرب خيوط الشمس المتسربة إلى الداخل وجهه، يرتعش خداه، تطير على إثر ذلك ذبابة – أكملت حلمها هذه المرة – يرفع رأسه المثقل ببقايا أبخرة زجاجة كحول البارحة، يتحسس خطاه ناحية المرايا دون أن يفتح عيناه، كانه يرغب في تقديم هدية سارة لنفسه، حين فتحهما كانت المفاجئة.

      الجدب يحتل مساحات على الرأس أوسع من ذي قبل، تجاعيد بالوجه مبتهجة، تحتفل باستقبال ضوء الصباح للمرة الأولى، وما سبب ألم لم يذق الرجل مثيله من قبل، يد يسرى خالية تماماً من أي أصبع.

      بقسوة وحنق كبيرين عاتب مرآته، صديقه الأقرب المخلص، المرايا التي تحدث إليها واستمعت بصبر في أكثر حالاته ضيق وتوتر، ربتت على كتف روحه في أوقات لا تحصي، همست في آذانه نكات خليعة دون حياء لتسعده، كانت على الدوام جهاز عرض يترجم ما بخياله واقع ماثل يعيشه بكل جوارحه، منحته الحياة التي يرغب، أعطته الأصدقاء الذين يريد، قدمت إليه نساء مختلفات كما كان يشتهي، أعانته على التخلص من أحمال زائدة في القلب، ومياه عطنة ما تلبث أن تتجمع من جديد، اتخذ اللوم منحاً أكثر حدة من ذي قبل، وبعداً أكثر لؤماً، مراياه التي وقفت معه – أمامه – في كل حالاته، بل شكلت له درع واقي من صدمات كان يمكن أن تتسبب في إنهاء حياته، ها هو يتفنن في شتمها، يتهمها بالتواطؤ.

      أمسك منفضة للسجائر يتملكه غضب مجنون، رغب في وضع حد للمهزلة، يكفي أنه فقد أصابع يسراه دون فائدة، تمتقع عيناه بالأحمر، يضرب المرآة عند أحد أطرافها بعنف فتتهشم، يدفن بصرة في الأرض مرتجفاً يختنق بالنشيج، بذهن خال إلا من رغبة واحدة.

      رفع رأسه بلا رغبة في فعل شيء أكثر من التمدد في الفراش، كان يرغب في إفراغ سعة معدته خمراً وينام، فثمة قوائم جديدة تنتظر أن يؤسسها بالغد. حين ألتقت عينيه بالانعكاس القلق في المرايا ابتسم بفم عريض، ضحك بصوت أجش مرتفع وصاخب، قفز من الفرح، فها هو أخيراً يدرك سر التغيرات المقيتة التي تجتاح بلا توقف جسده، وجه، روحه وكل ما فيه.

      وضع السكين على نحره، للدقة وضعها على – تفاحة آدم – كما يطلق عليه الناس، انفجر فيض من الدماء، لزج، طازج، ولا تزال تختزن دفء مرورها بالقلب، سقط يفرفر بتشنج، يرفس رفسة كسولة تليها أخرى عنيفة بينما شريط حياته يعرض أمام عينيه، وجد أنه كان رجل عادي في الخامسة والثمانون من العمر، بسيط وبلا موهبة خاصة، أو ميزة استثنائية، بصوت متهدج حدث نفسه قائلاً: “يبدو أنني كنت سجين المرايا، مقيد فيها بالانعكاس الزائف المتخيل.” ابتسامة نقية شفافة ارتسمت على وجهه وهو يردد جملة متقطعة تقول: “الحمقى يموتون بشكل مجاني.” أعاد تلك العبارة ثلاثاً، بعدها أغمض عينيه بصورة نهائية، كانت ما تزال بالقلب أمنية أو رغبة، المهم أنها أي كانت فهي واحدة، حاسمة وملحة.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان