الرئيسية / احدث التدوينات / الوهلة الأولى: وجهاً لوجه مع الفعل والضوضاء

الوهلة الأولى: وجهاً لوجه مع الفعل والضوضاء

إدغار

     (صرت مجنوناً، مع فترات طويلة رهيبة من العقلانية) إدغار الان بو

     ( – ليس مقصدي أن أكون شاملاً أو عميقاً أريد فقط أن أتحدث بشكل موضوعي وبدون منهج منظم عن الطبيعة الأساسية لما ندعوه بالشعر، وهو ما أسميه المبدأ الشعري –   ويرى البعض أنه أسس فيها ما يمكن أن ندعوه بالفن من أجل الفن، ولكن يبدو أن هدفه الأساسي كان يكمن في دراسة التأثير الإنفعالي الذي تولده القصيدة على القاريء) الناقد ريتشارد ويلبور عن إدغار الان بو

تعريف

      (كان الجو ماطراً في الثالث من أكتوبر عام 1849 لكن ذلك لم يمنع جوزيف دبليو ولكر، العامل في مطبعة، من الخروج من بيته متوجهاً إلى مركز للاقتراع للإدلاء بصوته، حين عثر على رجل يهذي وبحالة مزرية ملقى على رصيف بالقرب من مركز الاقتراع. كان الرجل يرتدي ملابس رثة، نصف فاقد للوعي وغير قادر على تفسير كيف أنتهى إلى هذه الحالة. نُقل هذا الرجل إلى أحد المستشفيات حيث قضى أربعة أيام متأرجحاً بين نوبات الهذيان والهلوسات البصرية وهو ينادي بكلمة واحدة هي «رينولد». وجاء تقرير المستشفى بعد ذلك كالآتي: (تم التعرّف على الرجل المجهول والمتسكع الذي مات على حافة الطريق، إنه الشاعر إدغار ألن بو)

      غادر إدغار ألن بو مدينة ريتشموند في ولاية فيرجينيا قبل ذلك بخمسة أيام، في طريقه إلى مدينة فيلادلفيا ولحد الآن لا يوجد أي تفسير لوجوده في مدينة بالتيمور. مات بعمر الأربعين 7 من أكتوبر، بعد سنتين من موت زوجته وحبيبته فيرجينيا إثر إصابتها بمرض السل، المرض ذاته الذي توفيت به أمه وهو بعمر السنتين.

     هناك عدة نظريات لتفسير موته الغامض. يعتقد البعض أنه قُتل من قِبَل عصابة تستغل بعض الناس الوحيدين للتصويت عدة مرات لمرشح واحد بعد أن يبدلوا ملابسهم ويفقدوهم الوعي بالخمر والضرب المبرح، والبعض الآخر يعزي السبب إلى تناول الكحول المفرط أو إلى أمراض معينة مثل داء الكلب أو الإنفلونزا. وسوف يبقى سبب موت إدغار ألن بو غامضاً وملتبسًا، كأن موته قصة أخرى رتبها بنفسه لتليق بنهاية كاتب كان له الفضل في اجتراح أدب الرعب والقصص البوليسية. من المقال المنشور بولس انجلوس تايمز عام 2015م.

     عام 2014 أقامت له بلدية مدينة بوسطن، وهي مسقط رأسه، تمثالاً بالحجم الطبيعي، يتوسط تقاطع شارعين في مركز مدينة بوسطن، التمثال يجسد إدغار ألن بو وهو يرحل عن بوسطن (لأنه كان يكره البقاء فيها)، فاتحاً معطفه للريح مثل يده حاملاً حقيبة مفتوحة يطير منها غراب بحجم أكبر من الطبيعي وخلفه يترك كتبه وقلبه مقطوع الشرايين والأوردة، التمثال من تصميم النحات ستيفن روكناك.

     مدينة بوسطن ليست وحدها التي احتفت وكرمت إدغار ألن بو، فقد أقامت له مدينة ريتشموند، حيث تربى بعد موت والديه، متحفاً أفتتح عام 1922، كذلك فعلت مدينة فيلادلفيا، حيث أقام عدة سنوات، متحفًا في البيت الذي سكنه مع زوجته فرجينيا وأمها عمته ماريا كليم.

      يزور معجبو بو في نيويورك الكوخ الذي قطنه في برونكس، حيث عاش أصعب فترات حياته، وحيث توفيت حبيبته وزوجته فيرجينيا. هناك كتب قصيدته الشهيرة (الغراب)، ولا يزال السرير الذي استسلمت فيه فيرجينيا للموت بمرض السل على حاله في ذلك البيت.

      لكن اسم إدغار ألن بو ارتبط بمدينة بالتيمور بسبب موته الغامض على أحد أرصفتها، لذلك كرمته المدينة عام 1996 عندما أطلقت عنوان قصيدته (الغراب) على فريقها بكرة القدم. لم يكن هذا هو الاحتفاء الوحيد الذي حظي به بو في مدينة بالتيمور، فهناك شخص مجهول يرتدي معطفاً أسود وقبعة (قد يكون أكثر من شخص واحد)، يضع ثلاث وردات حمر وقنينة كحول على قبر الشاعر احتفاء بميلاده في الثالث من أكتوبر من كل عام. استمر هذا التقليد لمدة سبعة عقود من الزمن، وتوقف عام 2009 لأسباب مجهولة (ربما لوفاة هذا الشخص

بادئة

      ( إن الجنون يفتن الإنسان في كل مكان: إن الصور العجائبية التي يولدها ليست مظاهر عابرة تختفي سريعاً من على وجه الأشياء. فما يولد من أغرب أشكال الهذيان هو شيء كان مختفيا كالسر من خلال مفارقة عجيبة، إنه يشبه حقيقة لا يمكن الوصول إليها في قلب الأرض. فعندما ينشر الإنسان جنونه الاعتباطي سيكون وجهاً لوجه مع الضرورة الغامضة للعالم) ميشيل فوكو

      (سمعت كل مادار في السماء، من فوقي وفي الأرض من تحتي… بل حتى سمعت الكثير مما دار بالجحيم) إدغار الأن بو – القلب الواشي – قصة قصيرة

      (هنا فقط هنا… يوجد هذا الخفقان البغيض) إدغار الأن بو – من قصة القلب الواشي

نافذة

      ( أكلما نحُل الغريب… وخفّ سريره؛ صدّع الغُرفة!…) أحمد الملا

/0/

      (كل قصيدة لا تحرضني لا تنهرني لا ترتفع بي إلى ما فوق الحياة اليومية ليست قصيدة ولكن كل تحريض هو بالضروري نفساني، عابر مؤقت) – إدغار الأن بو

      للوهلة الأولى

     لم أتبين عصمة النظرة من طشاش التفاتتها صوبيّ، وضعت يدي على حافة كتفي، كأنني أصلبها قسراً بمزاح قسريٌ، ضغطت عليها ولففتها بالمسرة إلى آخر جلسة لي معها، حين يتذكر القلب يضوع الصدر بعبء الأسرار، صيفيّ هو متلازمة كيفيّ، حيث لا أزاول الركض إلا من بعد المغيبِ، يحاصرنيّ طائف النظرة ذاتها بجلبابه الممزق والمرقع والمنقوعِ في ماء الصلف و الانتشاء، يقبض على رقبتي بيديه العاريتينِ لا يساوم في تخفيف ضغطه على كتفي، ويغامر بإسقاطي على حافة المغيبِ، لا شيء يمنعه البتة عن رفع ردائه والتغوط في قارعة الشارع، أتذكر كيف كانت تبدو شكل مقاومتيّ البائسة له، ولذا فإن أخطر الذكريات هي التي تتعلق بالقلب. من يجتر الذكريات معيّ هو الباعث على الحياة في أثناء الركض… وهو ما يناهض الفعل بالضوضاء.

/1/

     للوهلة الأولى

     كأني بها خفيفة يهب عليها الطل العابر بغتة فيرف لها جناح الحنينَ، يحملها خفيف الجناح إلى بعيد العبور، وما الغاية إلا أن يراها جمع الوقت النضر، يخطفها مذهولٌ بها فيعرضها على جمع آخر من الورد والنسمات المغسولة بالندى، يعضها كالمهوسَ ويضعها على جناح الحنينَ برقة وحنان منه، والقوس الطيفي حين يلثمها ساعة هفوة منيّ، يغامر بإزهاق روحه، وينازع شهوته الأولى بكنف غابر لشبابه الأغر، يتوسد عينيها لزمن العبور إلى ذات الغاية الموحدة ، يتوكل عليها لحملها على المجيء إلى حافة المغيبَ.

    ولها بعض أسرار الركض وليّ كل غايات العطش..

    وهي تدري أن للورود سر مع العبير وطلاقة النسمة العابرة

    شيطان الأسرار يتمدد في جوف حركة الهواء، يتشكل في صلف كئيب بهيئة تلك النسمة، ضمير الغائب يحاكم سر افتشاء العبير بالوردة الأولى من بين تلكم الورود.

    (كل الإجابات تكمن في داخلك، أنت تعرف أكثر مما هو مكتوب في الكتب ولكي تتذكرها يجب أن تقرأ) تولستوي

/2/

للوهلة الأولى

أنت من سيحدد

مقدار الجفاء وحجم القسوة بداخلها

لما الرعب؟ والخوف يهرب منكَ

يميل العقل البشري للتنقيب عن العتمة بمثل هوسه بالغرق في محيط النور، شيء ما يدفع ذات العقل للشعور بمستجاب الضياء أو مستحلب الظلام، بينهما تتشكل إطارية الخوف وتنشأ أزمة الرعب رويداً فشيئاً رعشة ثم إرتجافة غائرة تلو إرتعاشة فرقصة فغيبوبة فجائية لا تبصرها تعدو باتجاهكْ، وتخرج من جمجمة ما تحت انقاض الذاكرة، ما جاهدت في سركَ لإخفائه.

/3/

للوهلة الأولى

أحسست عنكَ بما نقلته ليّ جراء إنفجارك بالصياح، وأضفت لعاب المنع بحصول هشاشة الشعور بالمعقول من التباريح

بكْ صلف لا يعقل…

منذ الوهلة الأولى… لم تقرب الماء ولم تتطهر

تركت عليكْ نافذة الطلاء مشرعة وعممت أوصافك للطير وحصاة النهر ونداء الدهر العاصف بالموتى

وابتعد عنكْ لعلك تشفى أو تشقى…

/4/

للوهلة الأولى

وهاد العينين يبدو كبؤبؤ النوح والأماسي

وهما ذات العينينِ الساحرتينِ

/5/

    (والحُزنُ الحريريّ بحفيفٍ غير مُحدّدٍ لكلِّ سِتار ارجوانيّ روّعني  ملأني بمخاوفَ رائعةٍ لم أحُسّها من قبلِ؛ وهَكذا الآن، حتّى بقاء خفَقان قَلبي، أتكبّدُ التّكرار) – قصيدة الغراب – إدغار الان بو

للوهلة الاولى

هذه الزينة لي

وللغالي الذي يستحق التضحية مني،  يا حبيب العفاف القادر على استخراب حياتي، يا ظالم الزينة وقاهرنيّ، ولي هبوط علي جميع العهود بلا ضرر ولا كفر، ولك أن تفتر ملء العينين، فدعني أراك معي في الأمر كأنك شهقتي، لماذا البكاء هو سيد تصاريف الهموم؟ لماذا؟

تفريق هم، حصاد حزن وكساد غم لجني أفراح معتشبة قادمة!؟

/6/

للوهلة الاولى

تلعثمت وتردد شيء ما بسقف حلمي، حلقي لا زال يزاول الطمث، لهاتي مطحونة بالمسك ومنتشية بالغبن على الحلم، غبار الرخام حين أحسسته واقعتْ ما ضاق بالصدر، البكاء حين يعلن عن زيارته يغسل كهولة العمر بما ضاق به الصدر، الحزن والرعب كما قيل ليّ قرينا صيف البخت ورفيقين طفيفينِ في زاوية العقل الراكن بالمعقول منهما، كليهما بما يحمل وما يبث من لواعج اللعثمة والتردد.

كنتَ مربوطٌ بحامل الأقواس، مقيد من معصميّ الأيسر من رعد السنوات بينيّ وفينيّ تستوي أشياء من ذاك الفعل الفحش والضوضاء.

من داخليّ يخرج عتقيّ ويتمدد تارة لليمين وأخرى لليسارِ

حصاة كتابتيّ مرهونة بوثاق من طول الفرحة والندم على قراءة كتاب الفيضان من نفس الفعل السابق لتكوين الغبن.

ولازال الفعل والضوضاء حليقينِ بصوت الرصاص وطمث حديقتيّ لم يتوقف، وتلك إشارة لفعل آخر من ضيق الصدر.

/7/

     (إذًا ما يجد طريقه إلى الورقة هو خليط بديع من كل ما نفذ إلي من خلال عينيّ، أنفي، أصابعي وعقلي. الإدراك شيء مدهش لأنني أؤمن أن هناك أنواعاً من المعرفة والفهم، لكن ما أجده مذهلًا في العقل البشري هو أن الإدراك يتوقف عند نقطة معينة ليبدأ عندها نوع آخر من الكشف ويطغى). الكاتب الأمريكي ميجور جاكسون

للوهلة الأولى

ترددت في شهقاتي، تبعثرت فرائس زفراتي، غبت عن وعي السبات، الروح بي ملتصقة كمغنطيس بحديد صدئ ومغمور بالتراب، أخرجت هواء العميق من الأشياء حتي الوضوي أو الفضولي منها، كمن يناهض الفعل بالضوضاء مرة أخرى بلا ملل.

      (العملية الإبداعية، الجلوس وكتابة القصائد، تقودني إلى أماكن في الوعي لم أكن أعرف أنني أمتلكها.) الأمريكي ميجور جاكسون أستاذ اللغة بجامعة فيرمونت

      (أفضل النهايات وأكثرها شاعرية هي موت امرأة جميلة). إدغار الان بو – عن النهايات ووجه العالم

/8/

      (لا يزال الغراب في غرفتي/ مهما توسلت ليس ثمة كلمات تسترضيه ليس ثمة دعاء للتخلص منه/ حيث توجب علي سماعه إلى الأبد) إدغار ألن بو.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

/1/ عن الراحل الكاتب الأمريكي ادغار الان بو – مبتدع فكرة الكتابة عن خليط الحزن والرعب والصورة الغامضة للعالم – 1809 – 1849

/2/ ميشيل فوكو –  تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي.

/3/ سلسلة مقالات الروائي والكاتب الأمريكي ميجور جاكسون استاذ اللغة بجامعة فيرمونت – امريكا.

/4/ قصيدة الغراب/ الراحل ادغار الان بو –  *الْغُرَاب – ترجمة : سليمان ميهوبي.

/5/ قصيدة القلب الواشي – ادغار الان بو .

/6/  مقال Unity of effect – Edgar Allan Poe عن وحدة الأثر.

/7/ “A Terrible Evil”: Edgar Allan Poe – [I became insane, with long intervals of horrible sanity.]

/8/ الشاعر والناقد الاميركي ريتشارد ويلبور – مؤلف لكتاب (إدغار ألن بو..قصائده وتنظيره) والحاصل على جائزة الكتاب القومي، وجائزة بوليتزر وجائزة بولينجين للترجمة، في محاوراته الأدبية عنه.

/9/ من المقال المنشور بلوس انجلوس تايمز بتاريخ 25 أكتوبر 2015 مـ.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان