بخيته

hqdefault

“القصة مبنية على واقعة حقيقية”

فتح عينيه ببطء.. رفع رأسه من على سطح المكتب.. متلفتًا كمن يتحقق من المكان..

كل شيء في مكانه.. سماعته… جهاز قياس الضغط.. وذلك القلم الذي أهداه إياه مندوب شركة الأدوية قبل يومين..

يبدو الباب مواربًا.. ربما نسيه هكذا مفتوحًا.. كما نسي نفسه نائمًا على مكتبه..

مسح بيديه على وجهه.. وهو يتذكر ملامح ليلته السابقة.. أسرع بيده اليمنى إلى داخل الدرج.. فوجدها في مكانها.. مطبوقة كما تركها مساءً..

فتحها.. نظر إليها طويلًا.. تملكه نفس الإحساس مرة أخرى وهو يعيد قراءتها.. ذلك الإحساس الذي يداهمه في كل سفرياته.. فكلما أقلعت الطائرة وحلقت أحس أنه حلق معها مخلفًا أحشاءه على الأرض.. للحظات أحس أنه إنسان يسكنه الفراغ..

 تنفس عميقًا ثم خرج الهواء من داخله مناديًا “يا الله”..

***

قبل نحو سبعة أشهر من تاريخ الورقة التي بيده.. كان معتز قد خاطب إدارة المستشفى التى يعمل بها فى شأن الطاهر أحد الممرضين بقسم الباطنية.. والذي لم يكن فقط ممرضًا يعمل معهم.. بل كانت زوجته إحدى المريضات اللائى يتابعن بالعيادة.. إلا أنها اختفت لفترة من الزمن.. لم يأتي الطاهر خلالها على ذكرها مطلقًا.. إلى أن تم إستدعاء معتز لمعاينة إحدى المريضات بقسم الولادة بالمستشفى.. ليفاجأ بأنها هي.. ولكن في حالة أسوأ من سابقتها بكثير.. ولدت طفلًا توفي يومها بمرض خُلقي بالقلب.. كانت قد عانت كثيرًا بعدها وتم تشخيصها بداء نقص المناعة المكتسب والذي توفيت على إثره.. طُلب من الطاهر أن يقوم بالفحص.. وكانت نتائجه تؤكد إصابته بالفيروس المسبب للمرض أيضًا.. وقف معتز مع الطاهر يومها مُحدثًا إياه بشأن إصابته

“الطاهر نحنا حننقلك لعمل مكتبى عشان مصلحة المرضى”..

“إرادة الله .. إرادة الله” ردد الطاهر حزينًا

فربت معتز على كتفه “ونعم بالله”..

***

أعاد معتز تطبيق الورقة.. أدخلها فى جيب قميصه..

نظر إلى ساعته.. إنها السادسة والثلث صباحًا..

ونهض مغادرًا مكتبه..

الشوارع ساكنة بعض الشيء.. إلا من بعض المتحركين أمثاله..

لم يأخذ وقتاَ طويلًا ليصل منزله.. إلا أنه كان صامتًا.. مفكرًا فبدا له الطريق طويلًا لا يكاد ينقضي..

دخل مسرعًا.. أستحم.. وبدل ملابسه.. أعد لنفسه كوبًا من الحليب الدافئ.. ثم تناول هاتفه.. أخذ يطالع تلك الرسائل التي ازدحمت على الشاشة.. لاشيء مهم.. حتى وصل إلى رسالة من صديقه محمد علي.. المحامي.. المحامي.. ترددت الكلمة في رأسه.. وبدأت الأسئلة تتقافز أمامه.. 

ثم أرسل لمحمد رادًا “وصباحك يا أبكاتو”

لم ينتظر كثيرًا حتى أتته الإجابة

“معتز.. أبكاتو دى مابراها”

فابتسم معتز مع نفسه ورد كاتبًا “والله أنت تفهمها وهي طايرة”..

***

إتفضل..

دخل معتز.. ألقى التحية وجلس.. كان صديقه ينهي بعض الأوراق وقتها فطلب له كوب من الشاى ريثما ينهى مابيده من عمل..

دقائق وإلتفت نحوه “شايل الهم.. مالك”

أخرج الورقه من جيبه.. وناولها له قائلًا “أنا داير فتوى”

ضحك محمد قائلًا “نحنا ما ناس فتاوى نحنا ناس استشارات”

فتح الورقة ثم وضعها جانبًا “أها وبخيته دى منو؟؟”

***

صغيرة هي.. ربما فى السادسة عشر أو نحوها من العمر.. رغم تلك الحناء المبعثرة على يديها وقدميها.. وذلك الثوب الذي بدا واضحًا أنها في معركة معه ليثبت مكانه.. لم تستطع أن تخرج من إطار الطفلة الذي كان جليًا في ملامح وجهها وتقاسيم جسدها.. دخلت على معتز العيادة يتقدمها الطاهر ممسكًا بيدها.. ذلك الرجل الخمسيني نحيف الوجه.. بدا أصغر سنًا بعد أن تخلص من تلكم الشيبات اللاتى كن يعطينه بعض وقار.. تقدم.. سلم.. وجلس على الكرسي قبالة المكتب من اليمين.. وهي كما هي.. تحركت قليلًا لتقف على جانب كتفه الأيمن.. تكسو وجهها إبتسامة فرح بازخ.. شعر معتز بالضيق من ذلك.. وقبل أن يتحدث بادره الطاهر قاطعًا لحظات الصمت تلك

“ماتبارك لى يا دكتور”..

كتم معتز غيظه.. ورد سائلًا ” كان بينا وعد يا الطاهر”

فتنحنح الطاهر “مُصر ماتبارك يادكتور.. معليش..”

ثم أدخل يده فى جيب جلبابه الأمامي.. وأخرج ورقة مطبوقة النصف.. ناولها معتز.. وتناول قطعتي حلوى من العلبة التي أمامهم.. اخذ احداهما وناول زوجته الثانية..

وقال مبتسمًا “أقعدى يابخيته.. العيادة عيادتنا برضو”

***

أربعة أشهر وبضعة أيام قبل تاريخ الورقه..

جالسًا بالعيادة دخل عليه أحد الممرضين.. يجمع بعض المال لمساعدة أحد زملائهم الذي ينوي الزواج قريبًا

فسأله معتز ضاحكًا وهو يخرج بعض النقود من محفظته “وشوبش لمنو المره دى؟؟”

رد الممرض هاشًا “إتخيل للطاهر”

رفع معتز رأسه بإتجاه الممرض “الطاهر منو؟؟”

كان الخبر صادمًا.. لم يمضي على وفاة زوجته زمن.. ليس ذلك وحسب إنه مصاب بداء نقص المناعة.. من تلك التي اختارها لتكون شريكة المرض.. تلاحقت تلك الخواطر في رأسه فاندفع متسائلًا لائمًا

“كيف لكن.. وحيعرس منو؟؟ الزول دا مُش عيان”

رد الممرض متراجعًا بضع خطوات “اى عارفين يادكتور”

وتردد قليلًا قبل أن يواصل مكابرًا “المرض مابعيب زول.. و بت أهله رضيانه.. نحنا مالنا”

أرجع معتز نقوده إلى محفظته.. وبدا متضايقًا من حديث الممرض..

“نحنا مالنا”

“نحنا مالنا”

“أنا مالى….”

“يا الله..”..

***

لاحقًا في ذلك النهار.. صادف معتز الطاهر.. فسأله عن خبر زواجه.. فأكد له الخبر.. ودعاه دون أن يلتقى ناظريهما.. ثم استدار ليتحرك مبتعدًا.. إلا أن معتز أستوقفه قائلًا

“الطاهر أنت عارف مرضك.. بت أهلك عارفه؟”

تلكأ الطاهر فى الإجابة ثم قال “أنا إتبرعت ليها زمان بدم فأكيد هى ذاتا عندها”

“جيبها نعمل ليها الفحص خلاص.. لو ماعندها ماتظلمها معاك”

بدا الطاهر منزعجًا من إلحاح معتز فرد “قلتا ليك أنا اتبرعتا ليها يادكتور.. يعني الواحد ما يعرس”

رد معتز بحزم “مسألة الزواج دى مامشكله.. فى كتار عندهم مرضك ممكن تتزوج منهن.. لكن لو إلا بت أهلك دى أحسن تتأكد”

“سمح سمح” ولوح لأحد الممرضين المارين من بعيد فى إشارة أن ينتظره..

فأمسكه معتز من كتفه “الطاهر.. وعد”

بضيق وعلى عجل قال الطاهر “وعد يادكتور وعد”

***

فتح معتز الورقة

قرأ الأسم والعمر

 بخيته …. 17 عامًا…

رفع عينه بإتجاهها تمضغ حلاوتها.. وقعت عينها على عينه فطأطأت رأسها فى حياء..

عاد إلى الورقة

“HIV positive”

بحث عن تاريخ الفحص فوجد أنه أسبوعين من تاريخ لحظته هذه.. إنقبض وجهه.. كمن سقطت أحشاءه.. للحظه أحس أنه إنسان يسكنه الفراغ..

تنحنح الطاهر مرة أخرى “أها وعدتك ودى النتيجه طلعت” متحاشيًا ذكر المرض مواصلًا “تانى مافى لوم”

وضع معتز يده على تاريخ الفحص “عملتو بعد العرس”.. وضرب على مكان التاريخ بيده مرددًا “بعد العرس”

رد الطاهربإقتضاب “يادكتور..خلاص أنحنا لحدى هنا حبايب”..

وقف معتز وأشار نحو الباب “انا ماعايز أشوفك تانى خالص”..

دفع الطاهربخيته أمامه وغادر.. أغلق الباب خلفه ومضى.. وأرتمى معتز على كرسيه.. عندها وجد الورقة مازالت في يده..

فتح الدرج.. طواها.. وألقى بها فى داخله..

***

“بخيته بت مسكينه وأهلها مساكين.. الزول دا ماممكن نرفع عليه قضيه”.. قال معتز باحثًا عن السكينة.. فقلبه موجوع لأمر الفتاة..

أطرق محمد قليلًا.. مفكرًا في بخيته ومثيلاتها.. هائمًا في تعقيدات هذه الحياة.. تناول قلمه وأخذ يرسم دوائر كثيرة على دفتره.. رفع الدفتر لافتًا معتز لتلك الدوائر

“هذه هى الحياة ياصديقي.. دوائر وخطوط متقاطعه..”

معتز مبتعدًا عن تآملات محمد الحياتيه “بنقدر نرفع عليه قضيه “

وضع محمد الدفتر “الأخلاق والقانون والمفروض.. دى ذاتها دوائر.. والحقيقه بخيته دى سابقه.. على قولك ماحأقدر أفتيك فيها”

 أخذا وقتا طويلًا تارة يتحدثان وتارة يصمتان.. تبادلا عددًا من القصص.. تشبه ولاتشبه بخيته.. تذكر معتز ماهو قانون في بعض الدول.. ألا يتم عقد القران إلا بعد شهادات الفحص لعدد من الأمراض من بينها “فيروس نقص المناعه”..

 ضحك محمد حينها “عندنا إلا المأذون يكون معاهو بتاع معمل”

إمتعض معتز.. إلا ان اجتهاده في الأمر لشيء في نفسه.. فكلما صمت تذكر صوت الممرض “نحنا مالنا”..

انتصرت كلماته تلك على بخيته فأصبحت ضحية.. تنهد بصوت عالي وقال

“كم بخيته يلزمنا ليصبح مالنا.. لنا..”

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .