الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : راهن المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية، إذا سقطت القدس، سيسقط العالم!

ترجمات خاصة : راهن المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية، إذا سقطت القدس، سيسقط العالم!

View over the Old City with the Dome of the Rock, UNESCO World Heritage Site, Jerusalem, Israel, Middle East

بقلم : زكريا كورشون (مؤرخ و كاتب تركي)

ترجمها عن التركية: صبحي آدم

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

منذ مائة عام و القدس تبكي دمًا، ابتداءً من تصريح الكاثوليكي الشهير مارك سايكس و نتيجة لمبادرة عالم الكيمياء الصهيوني المشهور ويزمان و من ثم إعلان وزير الخارجية الإنجليزي بلفور، خلال الحرب العالمية الأولى و مع دخول المحتل الإنجليزي بدأت القدس تبكي دمًا، نتيجة فشل و سوء الإدارة الإنجليزية انتقل الصراع بين المسلمين و اليهود من حائط المبكى إلى مسجد الخليل و من حينها بدأ سيل الدم، و أستمر بكاء القدس الدموي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية حيث اجتمعت في أزقتها الأيادي الملوثة و تصافحت، و تقاطعت مصالح الشبكات الإستخباراتية هناك، خطة التقسيم للأمم المتحدة في  عام 1947 أبكت القدس مرة أخرى، و عندما خرج الإنجليز في عام 1948 و تم إعلان دولة إسرائيل، جفت عيون القدس، حيث لم يبق لها دمع أو مجال للبكاء.

منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا حُرم الفلسطينيون الكثير من الحقوق، و في مرات عديدة هددت حقهم في الحياة، و حرم ملايين اللاجئين من حق العودة، قسمت العائلات بين الضفة الغربية و غزة، فصلت القرى عن بعضها البعض، توقف تطور المدن  وأصبحت كلها عبارة عن معسكرات لجوء كبيرة. مفاوضات السلام في كامب ديفيد و مدريد و أوسلو لم تستطيع أن تخرج بـ “حل الدولة الواحدة و شعبين” و لا بـ “الحل الدولتين“، فقط كانت عبارة عن حلول ضعيفة و مسارح سياسية. لم يستطع أي شخص أن يعارض تحول إسرائيل من دولة قومية إلى دولة يهودية. لكن رفع علم فلسطين في الأمم المتحدة لطف الجو و أكسب وقتًا إلى حدًا ما. إنقسام الفلسطينيون إلى مجموعتين سياسيتين أو  أكثر من ذلك أدى إلى عجزهم عن إيجاد حل لمشكلتهم، حوصرت غزة عدة مرات، و تم تحويل موطن اثنين مليون من البشر إلى سجن كبير، و حُرموا من حريتهم و أبسط حقوقهم الإنسانية، و بجانب ذلك تم تجريمهم و اتهامهم بالإرهاب.

الأمم المتحدة، الجامعة العربية و كثير من المؤسسات الدولية تدخلت في المسألة و لكنها فشلت في إيجاد حل للمشكلة،  و الرباعي المحرك في الشرق الأوسط اليوم (مجلس الأمن، الجامعة العربية، الولايات المتحدة و روسيا) قدموا توصيات لم تحدث تأثيرًا في الواقع.

إذًا لماذا؟

الأسباب كثيرة و لكني لن أدخل في التفاصيل هنا، لكن السبب الرئيسي لمشكلة المائة عام هذه  يتمركز في تصغير صراع حضاري و مشكلة تشارك كبرى متعلقة بكل العالم و اختزالها في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. و بالطبع استطاعت إسرائيل صاحبة اللوبي العالمي القوي أن تبرر كل تصرفاتها العدوانية في سبيل بقائها و استمراريتها. أما مطالب الفلسطينيين المشروعة و حتى حقهم في البقاء ربط بأمن إسرائيل، ما لم تأمن إسرائيل لا حق لهم في الحياة. بهذا الشكل تحولت مشكلة فلسطين إلى مشكلة محلية و أصبحت أمرًا عاديًا معتادًا و بقيت بلا حل، و كان الاهتمام بالمشكلة مثله مثل الاهتمام بالمشاكل المحلية الأخرى. و كثير من القادة المسلمين و المسيحيين أصحاب الرؤية الدولية لقضية القدس في سبيل كسب القبول كانوا يستخدموا عبارات مهدئة مهادنة لإسرائيل.

فالاشتباكات التي حدثت في الأقصى في الرابع من يوليو الماضي و التي بدأت بمقتل ثلاثة فلسطينيين ليست بجديدة. فالسماح فقط لأعمار معينة بدخول المسجد الأقصى و الأماكن المقدس الأخرى و منع الآذان بالمكبرات الصوت و غير من القيود أصبحت من الأمور المعتادة مع مرور الوقت.

نحو دولة يهودية في مئوية وعد بلفور

سيحتفل الإسرائيليون في أكتوبر من عام 2017 بالذكرى المئوية لإعلان بلفور الذي أعطى وعدًا لليهود بإقامة “موطن ” لهم، إسرائيل الحائزة على هذا الوعد قبل مائة عام بإقامة “موطن” لها و من ثمة حولته إلى “دولة” تريد أن تجعل من القدس عاصمة رسمية و فعلية لها، لذلك تحاول إسرائيل القفز فوق التوتر الموجود و تسعى لتقدم الصراع للعالم كنزاع محلي يعني تريد أن تجمع تعاطفًا دوليًا بشكل ما، و ذلك بوضع قيود حول دخول المسجد الأقصى و من ثم رفعها و كتعويض عن هذا الرفع  تعمل مستغلةً للمشاكل الحساسة في العالم اليوم من إرهاب و تدابير أمنية للوصول إلى هدفها “القدس كعاصمة لدولة إسرائيل”

مدينة القدس و معابدها التي كان الجميع في يوم من الأيام يدخلها بأمن و أمان، يتم العمل على تصنيف المسلمين و المسيحيين فيها (و الذين تفتح معابدهم و تغلق و بسمح لهم بدخولها و يمنعون حسب كيف إسرائيل و مزاجها) كإرهابيين محتملين.

مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأساليب ليس من ميراث التجربة التاريخية للقدس. حيث أن الحريات الدينية في ما يعرف بالشرق الأوسط اليوم و بالأخص في القدس خلال مختلف الفترات التاريخية كانت مكفولة و مضمونة للجميع. الإداريون و الأنظمة السياسية كانوا دائمًا على تيقظ في ما يخص حماية اليهود المهاجرين للمنطقة بعد طردهم من إسبانيا خصوصًا أمام انتهاكات المسيحيين، لاسيما السلاطين في العهد العثماني بالتحديد في القرن الثامن و التاسع عشر كانوا يدحضون أسطورة و مقولة تهريب اليهود لمسيحيين من سوريا و حلب و جزيرة رودس و قتلهم و استخدام دمائهم في مهرجانات دينية،  و بواسطة القرارات و الفرمانات المنشورة  من قبل السلاطين آنذاك و التي تدحض هذه الأسطورة الجاهلة في حق اليهود، تم حماية الشعب اليهودي البريء من كثير من المجازر و كذلك مكنت  اليهود من القيام  بعباداتهم في دور العبادة الخاصة بهم و ممارسة حياتهم بكل حرية.

  مسألة القدس اليوم  أكبر من مجرد قضية محلية تترك للفلسطينيين و الإسرائيليين، هذه المسألة متعلقة بكل العالم، الحساسية السياسية التي تملكها شعوب الدنيا اليوم لابد أن تنتقل لمستوى القيادة السياسية أيضًا، بالطبع المسألة ليست فقط مرتبطة بروح المسجد الأقصى الذي هو دار عبادة مقدس للمسلمين، في الأصل يريد البعض أن يختزل مشكلة القدس في المسجد الأقصى و تصغير المسألة كما حدث في القضية الفلسطينية.

ترك مسألة القدس لإسرائيل وحدها يعني على الأقل إعطاء فرصة  لقسم من الإسرائيليين لتحويلها من دولة قومية إلى دولة يهودية، و هذا لن يكون بلاءً للفلسطينيين فقط، بل على العكس تمامًا سيكون بلاء لكل العالم. عالم عاجز عن مقاومة مدعوا الدولة الدينية كداعش، ماذا يستطيع أن يفعل أمام المجموعات الصليبية المعادية للسامية؟  لنترك حماية حرية الدين و العبادة للمسلمين، في ظل وضع كهذا كيف و من سيحمي الديمقراطية و القيم العالمية و حقوق الإنسان المقدسة و غيرها من مبادئ؟

عن صبحي أدم

mm
مترجم من السودان، ماجستير في التاريخ العثماني الحديث، مهتم بالشؤون التركية.