روح العصر

18645271_144783146065730_3103530951339147264_n

لعل أكثر ما يمكن أن نصف به هذا العصر هو أنه : عصر البؤس ! … فالسعادة بالرغم من أنها مطلب أولًا ، فهي مفقودة في المجمل ! و لا يختلف في ذلك إنسان الدول المتقدمة عن إنسان الدول المتخلفة ، بل قد يكون الأول أشد بؤسًا من الثاني !

إن هذه الصفة هي عرض مشترك لهذا العصر ، أي كأن للعصر روحًا مشتركة تجمع البشرية جمعاء … فالناظر إلى بني و بنيات الأفكار و الأفعال للإنسان حول العالم ، يجد لها مسلمات موحدة ، منها تخرج معايير للصواب ، أو للتقدم (بلسان أو منطق العصر الحديث) ، فالكل يطلب السعادة ، و لكن الكل بائس !

إن الإنسان المعاصر إنسان مختلف عن سابقه (أو هكذا يظهر على الأقل) ، فقد صنع في عصره إثنية بينه و بين سابقه ، ففي الوقت الذي كان فيه الإنسان السابق إنسانا متدينا ، كل أمله هو إرضاء الإله ، نجد الإنسان المعاصر لا يهمه إلا إرضاء نفسه ، فلهذا كان مطلبه الأول هو الحضارة … إلى الدرجة التي جعلت المتدين المعاصر يؤول جملة فكره الديني ، ليجعل غاية الدين هي إسعاد الإنسان !

و نعني بروح العصر : البديهيات الموضوعة فيه ، و التي يدعي فيها الإنسان بأنها الحقيقة ، و بديهة هذا العصر أن السعادة هي المطلب الأول و الأوحد ، البديهة التي ظن أنه استخرجها بعد حفر في النفس البشرية ، و الحقيقة أنه لم يفعل شيئًا إلا أنه أظهر صفة هذا العصر ، بينما روحه هي تقديس الإنسان ، كبديل عن تقديس الإله ، و لما كانت السعادة أقصى مطالب الإنسان المتأله ، تحولت إلى بديهة ! … أو بمعنى أصح : روحه تكمن في “الأنانية”

إن هذه الروح ليست إلا روحًا وضعية ، إذ ليست غيبية و لا يدعي أحد من المنافحين عنها بأنها كذلك ، فهي على أقصى تقدير : كامنة ، و لكنها كامنة بذاتها ، و هذا هو معنى الأنانية بالضبط !

و لا يخفى على كل ذي بصر بأننا هنا نتحدث عن العلمانية ، فالعلمانية من حيث أنها مذهب فكري يطلب : تمكين الإنسان بالعلم ، أي في النهاية بذاته ، هي في الحقيقة  تطلب تمكين ذاته بالمطلق ، و بالتالي تطلب : تحقيق ذاته بالمطلق ، و هذا هو معنى السعادة بالضبط !

فالسعادة و الأنانية إذا هي وجهان لعملة واحدة …

في الحقيقة لو تتبعنا مراحل تطور كل من النزعتين –إن صح التعبير- : السعادة و الأنانية ، لأدركنا أنه بالفعل وضعي ، فالأنانية ظهرت من تغير وجهة نظر الوجودية للإنسان المعاصر ، فالإنسان المعاصر لما كان نظره عرضيًا ، لم يستطع أن يتقبل فكرة المفارقة الإلهية ، أو التعالي الإلهي المطلق ، فمن حيث نزوعه إلى ذوتنة الإله ، أي جعل الله ذاتا تشبه ذات الإنسان ! لم يستطع تقبل فكرة الآمرية الإلهية (و ما الصراع الكنسي العلماني إلا تجلي لهذا التقلب) ، و ما نزوعه هذا إلا نتيجة لقصور في فهم فكرة الاستخلاف الإسلامية ، أي بنزعها من سياقها التجريدي الروحي أو الطولي ، و وضعها في سياق عرضي أحداثي !

و لما لم يستطع أن يتقبل فكرة الآمرية الإلهية ، و اعتقد القدرة في ذاته ، جعل أنانيته حاكمة ! … هذا التغير الذي تماشى مع نزعته الثورية على الموروث الديني ، و الذي صب في نطاق : تحقيق ذاته بالمطلق ، أي بدون تعلق بالإله ، جعل السعادة مطلبه الأول … تلك السعادة التي لا تتحقق ما دامت النزعة الثورية قائمة ، و ستظل قائمة بهذا النسق العرضي !

أيا كان : إننا لم نحاول إظهار روح هذا العصر فحسب ، بل إننا قد رأينا كيف أن روح العصر قد تغيرت بتغير العصر ، فمن روح عصر توحيدية ، عصر الحضارة الإسلامية ، انتقلت شمس الحضارة من قوم إلى قوم ، أي تقلبت روحها من توحيد للإله ، إلى تمكين الإنسان ، بعد أن سلبت فكرة الخلافة بعدها الروحي ، بتعريض الرؤية الوجودية …

و هذا التغير بالذات هو ما أطفأ الروح التوحيدية التجريدية ، و أشعل الروح الناسوتية التجريبية …

و إننا اليوم نقف على مرحلة يطلب فيها الحقيقة في بعد أعمق من البساط الناسوتي ، أي البساط الذي يقدس الإنسان ، كما نستخلص ذلك من اتجاه الإنسان المعاصر إلى التصوف الروحي الشرقي … كأنما هو بفعله هذا ، يقف على حافة حادث تاريخي أعظم ، يغير من روح العصر ، قد يدفع بالإنسان الغربي إلى الدعة و ترك العمل ، لكنه بالمقابل قد يدفع أهل الحضارة الجديدة ، أي أهل روح العصر القادمة إلى ترويح الحضارة !

مهما يكن من أمر الأحداث التاريخية الكبرى ، فإن الإنسان المعاصر حتى و إن وضع ذاته مرجعية دينية ، فهو كان و لا زال يبحث عن الحقيقة في ذاته ، و بمعنى آخر : يبحث عن الحقيقة . كأنه لم يعد مقتنعًا بفكرة الحفر في الذات ، التي كما سبق و أوضحنا : قد تكون قبرًا لحضارته ، بعد أن كانت شعلة لها !

إن الإنسان بحفره هذا ، كان و لا زال يبحث عن الحقيقة ، أي عن روح عصره ! … و على هذا لا يمكننا أن نقول بالضبط بأن الإنسان المعاصر هو من وضع روح حضارته بذاته ، بل إنه قد تعرض إلى سلطان ما يطلق عليه اليوم : الأنساق ، أو بمعنى أصح و أدق : تعرض إلى سلطان نسق تشكل بعد نسق سابقه !

و سيكون من العبث المورثة للبؤس ، أن نرد هذا التقلب في النسقية إلى محض التلقائية ، لأننا نتحدث عن الحقيقة ! إذ رد تقلب الأنساق إلى التلقائية يسقط معنى و أهمية هذا التقلب ، فضلًا عن إسقاط معنى و أهمية النسق ! … فضلًا عن أنه يبني جدارًا حاجزًا بينه و بين الحقيقة … الحقيقة التي يحاول أن يفسر بها هذا التقلب النسقي !

إنه قد صار لزامًا أن يرد للغيب مكانته الجوهرية ، بعد أن فشلت العرضية في ذلك !

فقد اتضح بما فيه الكفاية بأن الحقيقة ليست إلا غيبًا ، و لن تكون إلا آمرية إلهية … تلك الآمرية التي تقلب أنساق العصور ، أي تطفئ روح عصر و تشعل روح عصر آخر …

و لما كانت الآمرية الإلهية هي من تقلب أرواح العصور ، امتنع أن تكون واقعة تحت طائلة التقلب النسقي ، لأن هذا يدخل ضمن العبثية الحتمية التي تحدثنا عليها قبل برهة … فضلاً عن أنها الحقيقة التي يسعى وراءها و يطلبها الإنسان المعاصر … و بالتالي استحالت أن تكون حمالة لأوجه حكمية متعددة ، فالحكم على أرواح العصور واحد : إما حق أو باطل ، بمعيار الحقيقة المطلقة : الحقيقة الإلهية … فأرواح العصور ليست حقيقة مطلقة

و على هذا يصبح أن الحقيقة واحدة ، و للباطل أوجه متعددة كلها لها تشابه ينحرف عن الحقيقة إن قليل أو كثير ، كما رأينا انحراف فكرة الخلافة الإسلامية ! فتحولت إلى حاكمية ناسوتية مطلقة !

و مرد هذا التعدد في أوجه الباطل ، ندرك أن للنزعة الأنانية سبل كثيرة ، لا يمكن أن تجتمع إلا بدين يضبطها و يحكمها ، فإن انفلتت من سلطان الروح ، أي من سلطان الإئتمار بأمر الله ، ظهر الباطل ! … فالنزعات الأنانية نزعات متعددة ، بينما النزعة الروحية واحدة ، و لن يظهر هذا التوحد حتى يتجرد و يتنزه الإنسان من نزعات الأنانية المتعددة بطبعها

و على أساس النجاح أو الفشل في هذا الامتحان الديني ، تتقلب أرواح العصور … و هذا الامتحان هو معيار الحقيقة المطلقة للأبصار ، و ليست أرواح العصور كما رأينا سلفا …

و لربما أمكننا أن ندرك الحكمة من تعاقب الرسل على البشرية ، ففي كل مرة ينحرف القوم المرسل إليهم انحرافا مخصصا ، يخبر عنه القرآن ، يرسل إليهم رسولا و أنبياء يردونهم إلى جادة الصواب ! … كأنما هو يعلم البشرية كيف تبحث عن الحقيقة ، و لا تستسلم إلى السائد من النسق … و لهذا جعل الدين في أحد أكبر جوانبه رسالة !

فأرواح العصور إذا تتقلب بأمر الله ، و أمر الله يتوقف على اختيار الإنسانية ، توقف حكم ، لا توقف تعلق –كما يدعي أصحاب الرؤية الناسوتية العرضية- … فكيفما اختارت الإنسانية من بين : وجه الحق و أوجه الباطل ، ظهرت الحضارة ، و بهذا تستوفي شروط ارتداد اختيارها : إما ثواب أو عقاب ، عقاب ظهر في هذا العصر ببؤس شديد …

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .