الرئيسية / احدث التدوينات / شوق الدرويش – مقاربة تحليل فاعلي لشخصية بخيت منديل.

شوق الدرويش – مقاربة تحليل فاعلي لشخصية بخيت منديل.

475

بقلم : يدجوك آقويت

شوق الدرويش للكاتب السوداني حمور زيادة الصادرة عن دار العين للنشر، تعتبر العمل الوحيد الذي أثار ضجة مؤخرًا. الرواية مستوحاة من التاريخ السوداني، عن فترة الثورة المهدية في أواخر القرن التاسع العاشر (1881- 1899). الخرطوم، المدينة التي يحكمها غردون باشا الانقليزي تتعرض للخراب على أيدي ثوار المهدية، وتشهد مقتل حاكمها. يختار المهدي عاصمة جديدة لدولته بامدرمان، لكن قبل ان تستقر الأوضاع كليًآ، يدخل الجيش الاستعماري ليضيف حلقة أخرى لسلسة الفوضى.

الرواية الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للرواية، دورة 2014 التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتي رشحت أيضًا للقائمة القصيرة للبوكر العربية في العام 2015، حظيت باهتمام عظيم في السودان مقارنة بأعمال أخرى لا تقل أهمية عنها من الجوانب الفنية، حيث أن معظم الانتقادات التي وجهت للعمل انطلقت من أرضيات سياسية وأخرى اجتماعية تاريخية. نسي أو تناسى من انتقدوا العمل، و اتهموا كاتبها بالعمالة لمصر، أن حمور زيادة كتب عملًا أدبيًا خياليًا. و شوق الدرويش بالطبع من روايات “التخييل التاريخي”، عمل أدبي خيالي مستلهم من تاريخ المهدية، مثل رائعة غابرييال غارسيا ماركيز “الجنرال في متاهته” المستوحاة من حياة الجنرال اللاتيني (سيمون بوليفار).

هذه المقال محاولة لتقديم قراءة مختلفة في سطور “شوق الدرويش”، عبر تحليل شخصية بخيت منديل من منظور “منهج التحليل الفاعلي”. فما هو منهج التحليل الفاعلي؟ بل، وما هي الفاعلية؟

“الفاعلية لغويًآ تعني المبادأة، التجاوز والإبداع. واصطلاحًا، هي القدرة على الإنتاج والإثراء الشامل للحياة”*1 بناءً على التعريف ، تحليل الفاعلية هو منهج يحلل فاعلية الأفراد، المجتمعات والنصوص. ويقصد بذلك، الكشف عن نمو وتفاعل بنيات العقل من خلال الاستجابة لتحديات الوجود الاجتماعي. بنيات العقل ثلاث، البنية التناسلية، التي تعطي الأولية للبقاء عبر التناسل، المادية (البرجوازية)، أي أن يعي الإنسان ذاته ككائن مادي، يسعى لتراكم الخيرات المادية، ومن ثم البنية الخلاقة، أن يعطي الإنسان الأولوية للحب والعطاء الكوني.

الأدب (الرواية) من المنظور الفاعلي هو “بنية فاعلية لغوية تخيلية، ناتجة عن التماهي بين بنية العقل و بنية (ملكة)اللغة.”*2

بخيت منديل (عبد اسود) لليونانية الأصل ثيودورا، لاحقَا تسمى ب(حواء) التي تصل الخرطوم مع بعثة تبشيرية ارثوذكسية. تقيم و تعمل في الخرطوم وتعشق المدينة، بل وتصلي للرب أن تنتمي لهذه المدينة المدهشة. تقرر البقاء حين تقرر أسرتها بمصر العودة إلى اليونان. تقع ثيودورا ضحية اسر بعد اندلاع الثورة المهدية، و يختارها رجل ثري لنفسه. و عندما تتمنع عليه وتحاول الهروب يقتلها. يكرس بخيت منديل حياته للانتقام من من تسببوا بمقتلها. ينجح في قتل خمسة منهم، قبل أن يلقى عليه القبض. وحين يجد فرصة للهروب من الأسر، يفضل البقاء والموت تقربًآ من (المحبوية) ثيودورا.

نفسية بخيت منديل هي نفسية الإنسان المستعبد، الذي يرى في حبه للفتاة اليونانية إنعتاق (نفسي) من حمل العبودية وتحقيق للذات.

“مرة أخرى هو عبد. كلما خرج إلى حرية ألفى نفسه عبدًا من جديد. يسلم نفسه لقدره. بارع هو في التسليم لقدره. بارع هو في أن يكون عبدًا”

الكارثة، أن عشقه لثيودورا صار بمثابة عبودية من نوع آخر، عبودية مزدوجة، الحب، ولاحقًا بعد مقتلها، الانتقام. بعد خروجه من سجن الساير و لجوئه لبيت مريسيلة، سرعان ما عبر بخيت منديل عن مهمته النبيلة:

“إنها الثأر يا مريسيلة. الموت لمن قتلوها. الموت يا مريسيلة. أنا الموت.”

وفقًآ لسيكلوجيا الفاعلية، تحدث التعاسة و الضغط النفسي عندما ينهار المشروع المتبع للفرد وفقًآ لبنية عقله بالطبع. بنية عقل بخيت منديل (عبد) هي بنية تناسلية، تعطي الأولوية للبقاء عبر التناسل (حلمه في الزواج بثيودورا)و غير فاعلة، غير قادرة على التجاوز والإبداع، فقط الانتقام. هذه الطبيعة الداروينية(الحيوانية)  لبخيت منديل، هي نتيجة طبيعية لتدني الفاعلية (الحياة)، لذا أعلن عزمه على الانتقام. لا يمكن الخروج من الطبيعة الداروينية للإنسان، إلا عند ارتقاء الفاعلية (الحياة) التي تتسم بالحب والإبداع. ثيودورا كانت مشروع حياة لبخيت منديل، بمقتلها، صارت اللامعنى، اللامعيارية ملازمة له. تبددت كل أحلامه، وبات الثأر دافعه للحياة:

“لست خائفًا من الموت. أنا خائف ألا أراك مرة أخرى”.                

دوامات الانتقام و الطبيعة الدرواينية التي يدور في فلكها بخيت منديل هي نتيجة تدني الفاعلية و عدم قدرته على الإبداع والتجاوز. الركون للانتقام، ولاحقًا انتظار الموت والانكفاء على الذات هو آخر تجليات الطبيعة الداروينية والتي تتمثل في ممارسة العنف على الذات في حال غياب موضوع للعنف. 

المتن:

1- نحو علم الفاعلية – ملخص ورقة بحثية قدمت في مؤتمر ترقية الوعي البشريز منشورة بموقع سودان فوراول. الشيخ محمد الشيخ.

2- نفس المصدر

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة