الرئيسية / احدث التدوينات / نحو تفكيك البنى التقليدية (2)

نحو تفكيك البنى التقليدية (2)

19978823301439006677-1fb91c72c3b55fb5864a1f18a27f01b4

بقلم : حسان الناصر 

أفق جديد للجامعة

السياسة و الوعي  الأمر الذي أول ما يتم ذكره في أي تجمع طلابي، يبدأ الجميع في الخروج من دائرته بصورة غريبة ، وهذا إن دل إنما يدل على تقهقر الوعي داخل مفاصل الجامعة ، لأن المجتمع الحديث هو المجتمع الذي يعي فيه الأفراد بحقوقهم في جميع مناحي الحياة يقابله وعي بالواجبات كذلك ، فأحد الأعمدة المهمة في بناء مجتمع مدني حديث هو أن ينتقل الفرد من حالة الجهل التي يقبع فيها والتي  تعوق عمليه الفعل الديمقراطي والممارسة كسلوك يرتقي به من مستنقعات الجهل و التخلف  . 

والديمقراطية في حد ذاتها من دون وعي غير مجدية وأحيانًا تفضي إلى نتائج عكس مضمونها وجوهرها الأساسي  ، فكما ذكر د. منصور خالد في كتابه حوار مع الصفوة أنه لا فائدة من إقامة القوانين و تشريع الحقوق ما لم ينتقل وعي الفرد و المجتمع إلى أن يدركها فلا قيمة للكتاب في يد أمي ولا قيمة المدرسة في مجتمع جاهل .

من المقلق أن تكون هنالك فئة مثل الطلاب يجهلون أدنى حقوقهم وواجباتهم ، ولان الجامعة إحدى بصمات الحداثة داخل المجتمعات وكبنية تعمل على تربية الفرد تربيةً مدنية بحيث تعمل على صياغة وعي من خلاله يستطيع  الانتقال لإدراك وفهم ماهية الدولة الحديثة و المجتمع المدني ويدرك كينونته إنسان لهو هدف في الوجود و الحياة التي يعيشها كمواطن في المقام الأول وكطالب داخل مؤسسة الجامعة .

 ومن هنا فلنعرف السياسة ومن ثم العمل السياسي ، لنكشف الفرق بين المصطلحين ومن ثم نعرف السياسي ونتقصى الفرق في هذه المفهومات لنكشف عرى القوى السياسية التي أصبحت مصدر تشويه للسياسة والعمل تحت مظلتها حتى يعلم الطلاب الثقب الذي شكل من جهلهم بهذا الجانب ، وكذلك نفتح أفقًا مختلفًا وجديدًا نعبر من خلاله إلى المجتمع الذي ننشده كأفراد يريدون إقامة دولة حديثة لذلك علينا تعريف السياسة Politics، هي الإجراءات والطرق التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية. ومع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول وأمور الحكومات فإن كلمة سياسة يمكن أن تستخدم أيضًا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة وقيادتها ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد، بما في ذلك التجمعات الدينية والأكاديميات والمنظمات.

أما العلوم السياسية فهي دراسة السلوك السياسي وتفحص نواحي وتطبيقات هذه السياسة واستخدام النفوذ، أي القدرة على فرض رغبات شخص ما على الآخرين. وتعرف السياسة أيضًا بأنها كيفية توزع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين .

بعد أن علمنا تعريف السياسة علينا أن نوجد تعريف للتنظيم السياسي ونفرق بين تنظيم وحركة وان لا نخلط المفاهيم و المصطلحات  لأن أي منظومة أو مجموعة لا تحدد طبيعة عملها ستقف بالتأكيد وتغيب عندها الرؤية والأهداف التي جاءت من اجل تحقيقها ،و من المؤسف أن  هذه التنظيمات و الحركات توجد لديها إشكالية في تعريف ذواتها وهذه إحدى المشاكل التي قد تواجه الفرد في فهم طبيعة هذه القوى و التنظيمات كما أنها تقوده إلى الانخراط فيها من غير وعي مسبق .لا أريد الدخول إلى تعقيدات تعريفية كثيرة وكل  ما أريد أن انوه إليه  ، هو التشوهات التي  طالت هذا الجانب المهم من وعي “الطلاب” ولننتقل بصورة سلسلة إلى كشف مكامن الخلل لتبنى تيارات جديدة نقدية من دون تلك العوائق و التشوهات .

إن التنظيمات السياسية لم تعمل على فهم طبيعة الجامعة كمؤسسة حديثة ذات سمات معينة ، ولم تدرك بعد ماهية الجامعة في أنها تقوم على إعداد الفرد ليفهم طبيعة الدولة و الحقوق و الواجبات كمواطن وفي أنها حقل معرفي يقوم على أسس علمية أكاديمية ، وان نظرنا إلى الخلفية التي نشأت فيها الجامعة في مجتمعنا نجد أنها أتت مع الاستعمار كبنية دخيلة لم يتم فهمها من قبل المجتمع ، وابعد من ذلك هو مفهوم الدولة الذي جاء كذلك مع المستعمر .

إذن نحن أمام إشكالية كبيرة جدًا تقود مباشرة إلى فهم طبيعة العمل  السياسي الموجود حاليًا و المتأثر بالخلفية التاريخية وكثيرًا ما نسمع هتافات جياشة مثل “الطلاب وقود الثورة ” وما إلى ذلك من شعارات يدجن الطالب فيها ويتم تكبيل كل تلك الطاقات و هدرها من قبل آخرين  افقدوا الممارسة استقلاليتها الكاملة  ، والأبعد من ذلك هو احتكار الأفق من قبل ممن يطلقون على أنفسهم سياسيين  وبالتأكيد عندما أقول يطلقون اقصد بها الكلمة بما تحمله من معنى فالبنية التي نشاهدها أمامنا هذه شائهة ، ولغياب النقد المنهجي ظلت هذه القوى تقبع في مستنقع الفعل الغير واعي الذي لا يتسم بهدف أو ببعد استراتيجي من خلاله يمكن أن نصل إلى حلول للمشاكل المطروحة ، فافتقرت خطابتها من المعرفة و التنوير  وتعريف الطالب كفرد يتفاعل داخل المحيط منتج لقيم و معارف و ممارسات وتقاليد يجب أن تقوم  كلها على الوعي ، فظلت قابعة في نقطة سيئة وهي أنها  “تتعامل مع نفسها كامتداد للمنظومات الموجودة خارج أطر الجامعة” فما لم تتجاوزها و تغير افقها ورؤيتها للواقع الجامعي لن تقدم شيء بل ستكون عالة على التقدم الديمقراطي لفقدانها الاستقلالية المؤسسية وكونها مجرد دمى تلعب بها مصالح أخرى لأحزاب جامدة و فاشلة عجزت عن  أحداث تغيير سواء أكان على مستوى المفاهيم  أو المجتمع  أو الدولة

يجب علينا تجاوزها و خلق حراك يقوم على الديمقراطية و تفكيك المفاهيم وإعادة بنائها  لتتمظهر في صورة خطابات معرفية وسياسية و مطلبية يكون الوعي هو الجوهر المحرك . و تفتح مساحات أوسع لكل الطلاب ومسارات واضحة . فتزدهر الجامعة وتساهم في بناء الدولة الحديثة ، و تعمل على  إشاعة روح المواطنة .وعلى حد قول هابرماس :” فإنه متى ما انغلق أفق على أمة أتى مثقفوها ففتحوا أبواب النور أمامها “، إذن فإننا نحتاج إلى طلاب يحملون مشاعل التنوير ليعيدوا صياغة المفاهيم و تعديل البنى وترتيب الأشياء المبعثرة من جديد ، ولنقتل السياسي الذي لا يقوم على أي قاعدة معرفية داخل الجامعة لان الهدف من العملية السياسية داخل الجامعة هو الوعي و بذر قيم الديمقراطية ، التي تؤهل الأفراد لفهم الدولة في النهاية ، ومن اجل ذلك علينا الانتباه من تلك المفاهيم و القيم حتى لا نفقد أهم صروح معرفية ألا وهي  الجامعة.

               

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان