الرئيسية / احدث التدوينات / التساب العظيم

التساب العظيم

403

” قد آل البشر إلى الطين , كانت المياه بمحاذاة السقف , تهالكت و انحنيت , و قد أغرقت الدموع وجهي , ثم تطلعت في كل الاتجاهات , مستطلعاً حدود البحر ..” *ملحمة قلقامش .

      اتشحت السماء بلون غامق , و بدت مثل قعر صحن صدئ , ضاربة إلى الحُمرة بسبب الغبار العالق , الشمس التي بدأت شروقها بكسل تتحرك بين السحابة الترابية , أصوات الكلاب و الديكة . العناقريب الخشبية التي توزعت في الحوش الواسع , عند نهايته شجرة نيم تظلل  ” زيرين ” مطليين بنثار طوب أحمر غير ناضج , أعلى الحائط المطلي حديثاً بروث البقر و التراب الناعم ” الدقني ” وعاء عليه مياه يتم تجديدها كل صباح ليشرب منها الطير .

 استيقظن مبكراً من النوم كعادتهن , إلا أن الصغير ” الحسن ” تكاسل , بينما بدأن في كنس الحوش ذي التراب الأبيض ” السوني ” المكون من نحت الرياح للتلال , بينما لازال الحسن نائماً , فالحائط ينشر ظله القصير , وضعت الأم صينية الشاي في الصالة المعروشة بسعف النخيل و الطين و روث الأبقار , التف البقية يضحكون و هم يجلسون على المقاعد الخشبية ” البنابر ” و قد راحت أمونة توقظ ابنها الصغير الذي لم توقظه أشعة الشمس التي غطت أرجله , فهو يتهرب دائماً من الذهاب إلى المدرسة , لم يبد حراكاً أو تجاوباً .. شدته من رجله و صرخت ل” الضو ” – تعال شوف ولدك دا مالو ؟  الذي وضع كوب الشاي بشدة فتدفق منه شيء على الصينية اللامعة , جرى باتجاه السرير ثم سحب الملاءة القماشية التي غطت نصفه الأسفل , و بدأ بتحريكه و هزه صارخاً باسمه – قوم يا ولد شان تشرب الشاي..  لا أحد يرد , بدأت العبرات تنزل من وجه الأم التي بدأ صوتها أقرب للنواح ثم أسرع الآخرون حول سريرها – لعله لُدغ ؟ – قول كلام تاني يا ” الضو ”  – قالت الأم بحرقة . – يا ولية الولد ما فيهو نفس . ثم ركع على رجليه و هو ينوح كناقة – عليه أن يصمد – إخترق صوت بكاء أمونة قلبه فخرجت دمعة سخينة , شاقةً دربها بين تجاعيد وجهه .

 إرتجفت يد الصغير ثم ضغط بيد أمه المُمسك بها ثم أدار رأسه في اتجاه والده الجالس على التراب – ساقوني يا يابا مسح الضو بيديه عينيه و هو غير مصدق .  ثم أخرج الصغير من فمه المياه التي سالت حتى بللت الوسادة , شهق كغريق ثم مسح وجهه الشاحب , وبدا في صوته الغصة . – ساقوني البحر يا أبوي , ثم واصل دعك عينيه . كانوا يغنون و يرقصون , أخبروني بأن البحر سيزيد و واصلوا غناؤهم و رقصهم , أجلسوني على شجرة هشاب ضخمة , المياه كانت تغمر الأرجاء , البيوت تذوب كما يذوب البسكويت في الشاي, البهائم , الناس , البيوت , الجميع يغرق , كانت قلوبهم من حديد مربعة , و لهم ذقون , كانوا يغنون بينما المياه تتحول إلى اللون الأحمر . القرية ذات البيوت المتلاصقة بدأت تدب فيها الحياة , و حين ظهرت قطة ” مديني ” جارتهم على الحائط طاردها الصغار و هم يهمون للخروج للمدرسة البعيدة , مروراً بحي ” الحلب “, يتناهى إلى سمعك نباح الكلاب و غناؤهم للأناشيد الصباحية .  .

عدلَ الضو سرج حمارته و تهيأ للخروج , في طريقه إلى الحقل . مرَ بدكان ود البصير حيث الراديو و برنامج ” من ربوع السودان ” , أعلنت الإذاعة على عجل ارتفاع مناسيب النيل و حذرت من فيضان وشيك , لم ينصت أحد , تناول الزبائن حاجياتهم و تبادلوا السلام اليومي . النخلة ” البمبوناية ” الطويلة و التي تقف وحيدة , نظيفة بلا لحاء , و التي زرعها جده , من بلاد ” المحس ” البعيدة , كانت تثمر بلحاً ضخماً و له حلاوة مميزة بلونها الأسود كأصابع عروس مخضبة , و حصاة صغيرة , شجرة البرتقال فقط احترقت أوراقها الجانبية بسبب الحر, بقايا البرسيم الأخضر نامية .

اليوم الأول .12 أغسطس 1988 قبل الفجر , أُعلن الغوث بواسطة ميكرفون الجامع , بأن المياه قد كسرت في المزارع الملاصقة للنيل و وصلت حتى الطريق الرملي للمواصلات , استيقظ الضو فزعاً , و أيقظ أمونة ثم ارتدى سفنجته الخضراء و هناك عند المسجد توزعت المهام . بدأ أهل القرية بعمل جسر ترابي من ساقية العمدة إلى الممر الذي يمثل حدودًا بين الحقول و درب العربات كان بارتفاع ثلاثة أمتار و مجهود ساعتين من الكد , و عندما أشرقت عليهم الشمس بدأ منسوب المياه يرتفع إلى عدة بوصات , حتى تلاميذ مرحلة الابتدائي نالوا إجازة لمساعدة ذويهم , هكذا أخذوا يصارعون المياه التي هدت جسورهم الترابية الناعمة عند العصر زاد المد المائي حتى وصل إلى منتصف البيوت كان ارتفاعها بوصتين .

و في الليل بدا أن صوت المياه يعلو , و هكذا ذاب الجسر الترابي الأطول , إلى أن بدءوا في إدخال الطين بين فتحات جريد النخل و جوالات الطين و توقف تسرب المياه بكميات إلى شوارع القرية التي لم تنم تلك الليلة . تناوبت على العمل على السد مجموعات . صباح يوم جديد , بعد أن عاد مرهقاً نام لثلاث ساعات فقط , و عندما استيقظ كانت الأرض عطنة , ظن أن كل ذلك سيكون لخير وفير سيعم المنطقة , فهم لن يحتاجوا إلى بوابير الحكومة , النيل سقى لهم أرضهم و سيخصبها بالطمي , عندها سيزرع الذرة و البرسيم , سيجني الجميع ثمار ذلك الخصب , لم يكن وحده من تخيل ذلك كل من غاصت أرجله في ذلك الطين تمنى ذلك , كأن الأمر حلم و هم  كانوا يتحسسونه بكعوب أرجلهم الخشنة .

تأثر الحائط الطيني القصير لحظيرته , في الصباح ركب حمارته و مضى يتفقد الآخرين , لقد صارت قريته مثل جزيرة تحيط بها المياه , بدت ضعيفة مثل قصبة في يد طفل , ستنكسر للفيضان بالتأكيد , بالأمس القريب كان الأطفال يعدون مسرعين إلى المدرسة بذات الطريق , و يعودون في مرح . لكن يا لليأس الذي تسرب في نفوسهم فالمياه تزداد يومياً, فهم ذاتهم يؤمنون أنهم من طين و أنهم هشين .

 الليلة الثانية 14 أغسطس كان الامتحان صعباً , فقد ترك الجميع أشغاله و بدت السماء أكثر ظلمة , كانت غائمة بسحب سوداء و تنبأ البعض بأنها قد تمطر ,  كان للنهر المبادرة في الهجوم , انفتح السد الترابي من جهة جدولة الشركة الذي كان يمثل حاجز طبيعي نسبة لارتفاعه , يمُر جدول الشركة بمعظم حواشات أهل القرية , في الماضي شهدت نزاعات حول مواعيد الري , غير أن النهر ملأ الفراغات التي بينها , للنهر حكمته الخاصة كما للكارثة , أمطرت قليلاً ضوء البرق و صوت الرعد كانا مزعجين , و مع انبلاج شمس الصباح بدأ الجميع بتفقد الأخبار .

الليلة الثالثة 16 أغسطس .في الصباح كانت الشمس مشرقة  و عندما كانت أمونة تُخرج بقايا الوقود الخشبي لتعد لهم وجبة ” القراصة ” و جدت ثعبانين يندسان , فأسرعت تنده زوجها ليقتلهما لأنها تخاف رؤيتهما , عند الظهر بدأ السحاب بالتجمع , جاءت التحذيرات هذه المرة لتجنب النوم داخل الغرفة لأن الطين قد تشبع بالمياه و سرعان ما سيبدأ بالإنهيار . علم جميع من في القرية أن الفيضان سيؤثر على محاصيلهم فبدءوا الحصاد , جاء ” الضو ” إلى المنازل حاملاً معه عرجوني تمر قد بدآ بالاصفرار , و ما أستطاع حمله من ثمار المانجو و البرتقال , و رباط برسيم . كان طرق نقط المطر ضخماً جداً منذ الساعة الخامسة عصراً , وضع الرجال المرتكزين عند السد على رؤوسهم عرارقيهم لتقيهم , و عندما تشربت الغُرف الطينية بالمياه , كانت أولى حلقات التساقط غرفة عريس حديث كان يعمل مع الدورية فأخذ يردد  كمجنون : – البيوت بيتبنن , البيوت بيتبنن فصرخ فيه أحدهم : – و هل سيتفتحن كالورود . في الليل بدأ صوت النهر غاضباً , و بدأت السدود المقامة كعبث بتصفية المياه من ثقوبها , كانت موجة عالية من المياه – لم يكن في مقدورهم مجابهتها .

 الليلة الرابعة 20 أغسطس في الصباح السيئ الرطوبة كان إخراج المياه من البيت هو محاولة لا مجدية , لذلك كان عليهم تقسيم المهام فيما بينهم , على الحسن الذهاب لشراء الجاز , و على البنات تغطية ما هو مهم بالمشمعات لأن السقف لم يعد يمسك بالمياه , في الطريق و هو عائد من دورية الحراسة من ليلة أمس المتعبة , كان العمدة يتحدث أمام حشد من خمسة أشخاص و يقول : – منسوب المياه أقل من فيضان عام ستة و أربعين . و أن طائرات إغاثة محملة بالوقود و المواد التموينية ستصل . لكنه غير صحيح  فمن المحزن أن يكذب نفسه و يصدق راديو أمدرمان و هي تغني ” .. حبيبتي آه .. و ودادي وين .. وحَبيبي وُوبْ ..” ثم ما تبقى من النشرة كان عن  – من مع قوانين سبتمبر و من مع القوانين البديلة , فالصراع في العاصمة كان حول هذا الهراء الغير مجدي . أطبق زوج نعليه تحت إبطه و نفض عراقيه من المياه ثم لفه و ربطه حول خصره و عدل وضع قبعته للخلف قليلاً في أنفة , و مضى يخوض في المياه , فهي قد كشفت كل ذلك العفن المدسوس منذ أقوام قديمة . كانت الحوائط الطينية قد تساقطت , حتى حائط مسئول الحكومة المزين بمباركة الحج , كانت المياه قد باركتها , و عند دخول الليل كان صوت الضفادع و صرير الجنادب , و البعوض الذي صار يأكل أيدي أبنائه , كانت ثمة إشاعات حول وجود تماسيح و أفاعي عائمة , إن خوفه على أبنائه قد زاد , فهو قد اتفق مع زوجته على الرحيل إلى المدرسة التي في الجبال البعيدة , لكن ثمة ما يؤجل كل ذلك فالأمر لم يُصدر بعد لنبي الله نوح .

 الليلة الخامسة 24 أغسطس  عند الصباح كانت كل الأواني متسخة و عائمة في مياه التنور الذي يعج بالذباب , و لون المياه شبيه بلون شاي الصباح و أشد حمرة , عندما خرج الضو في الصباح كان منسوب  المياه قد وصل حتى ركبته , كانت دكاكين التموين قد خلت منها البضاعة , لم يبقى سوى انتظار قطار كريمة , كانت ثمة إشاعات تسري حول تماسيح تحت الماء و أخرى بذقون فوقه , كما بدا الشارع مستقيماً و خالياً , ألقى التحية على الشباب المرابطين عند السد الترابي : – يا رجالة أصبحتوا زينين ؟ , و هكذا بادلوه السلام . – الليلة هو موعد ورديتك . كان كالعريس يقدل بينهم , و في البيت كان يتفقد ما بقي سالماً من أشيائه الخاصة , أوراق قضية و سبحة ,  أخذ صورة زواج قديمة ببرواز جميل , رماها فهو قد خشي بأن تكون مثل أملاك غيره . لم يجد مكاناً جافاً يضع عليه السجادة ليصلي العصر , إحتار . – كيف الوضوء و المياه قد إختلطت بالأوساخ  و نجاسة الحمامات التي طفحت , بل كيف حتى الصلاة , سمع هديل حمامة بالأعلى , طلب منها أن تصلي قبله , أستغفر ربه على الحال , ثم قرأ سورة الزلزلة سراً , و رأى فيما رأى كيف تخرج الأرض أثقالها , و مالها ؟ , فهو ماله غير الصبر . قال لزوجته أمونة بعد أن انتهى من الصلاة – يجب الرحيل , لنجمع أغراضنا , لا شيء يستحق أن نبقى من أجله , و لا شيء بقي من أجلنا . فجأة كان صوت دوي قادم من الصالة , سقطت أخر خشبة ضخمة ” المرق ” , لم يكن هنالك أحد , قبل أن تغرب شمس ذلك اليوم و تبدأ الضفادع بالنقيق و البعوض بطنينه المزعج كانت أسرته قد انضمت للأسر التي هجرت المنطقة .

 الليلة السادسة 25 أغسطس  بعد ليلة شاقة كانت فيها الغلبة للمياه التي وجدت منافذاً من خلال قلوب الرجال التي وهنت قبل جوالات الطين الذائبة في صمت , كانت قد هطلت أمطار عنيفة , جعلتهم لا حول لهم و لا قوة و فرقتهم . في الصباح كان عائداً للبيت بعراقيه الذي تحول من اللون الأبيض إلى اللون البني كان ماراً ببيت العمدة , و بخط الخلاوي مسح عبارة حجاً مبروراً و كتب اسمه في غضب ثم تمتم : – ما ضرَّ بيتَ أبي لهبْ لو ظلَّ بينَ المسلمينْ , لوْ جاء فينا لِما ذهب يا مؤمنينَ بغير دِينْ … رمت المياه حائط البيت و بقي الباب للعظة . غرقت بيوت كبار السن و الأزواج حديثي العهد , غرقت بيوت الفقراء , و بيوت الأغنياء . حتى المهجرين اقتسموا اللقمة في المدارس , كانت الأخبار التي تصل عنهم مطمئنة , سيرجعون يوماً ما , كأن لم تنقطع خيوط قلوبهم , ستنمو البيوت كما الزرع , هكذا أنشده الضو بخياله يؤمن بأنه لم ينشق فاه إنسان ليضيع , هناك من سيطعهم , و عليه حراسة حقه , بالقوة ليسترده .

الليلة السابعة ” اللقياء ”  في عصر هذا اليوم كان الشاعر ” حميد ” يحمل على رأسه حطب الثورة و الدفء والقصيدة , فقد انعدم الجازولين و كل ما وصل كان عبوات الحليب الأميركي للإغاثة , الخيام التي وزعتها المنظمة على اللاجئين بالمدارس , و بيعت بعض مواد الإغاثة في السوق المحلي , و زاد سعر القمح , و اللحم , و الخضار , و الملح . رأى الضو فيما يرى النائم أن ابنه يسأله : – يابا المدارس إندمرت ؟ صاح و الجوامع انكسرت ؟ – أي , يا الحسن – يابا الجوامع هيل منو ؟ –  هيل الله – حتى المدارس حقتو ؟ – لا اللت الحكومة –  هو الزول بيكسر حقوا كيف ؟ – صح يابا في الجامع , جا تمساح و إنبطح ؟ – أي .. آ .. الحسن . – يابا التماسيح , مسلمين ؟ – لا مجرمين , لابسين دقون .. لافين طرح هنا إلتصق الحسن في صدر أبيه خوفاً من البحر , أستيقظ الضو ليجد حماره الوحيد قد نفق ,وجد اللاجدوى تحيط به , لم يجد كلمات عزاء , حمل نفسه للنادي فاليوم هنالك شاعر منطقته ” حميد ” سيحضر , ثم تلا ” حق الغنى ” فردد الجميع : – من حقي أغني لشعبي , و عندما فرغ الجميع كانت تقف القصيدة و الشاعر وجهًا لوجه .

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان