الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : عصيان مدني

بريد القراء : عصيان مدني

مستشفى-بحري

بقلم : سامر عامر

حتى شهر نوفمبر ، لم يعد نوفمبر الذي عهدناه في السودان تغير هو الآخر مواكبًا تغيرات السودان بكافة أشكالها ومسمياتها . هذا ما قاله مصعب محدثًا نفسه وهو يضع رأسه خارج ( الحافلة ) شارد الذهن جاعلًا من آخر صف مجلسا له ( كنبة شكرا ) . لم يفق من شروده إلا عندما لفت انتباهه من كان بقربه بنكزة على كتفه ، حينها اخرج السماعة من أذنيه والتفت إلى جاره الذي لم يتفوه بكلمة واحدة فقط أشار له بإصبعه إلى ( الكمساري) فاستذكر مدركًا انه لم يدفع التعرفة وبحركة رشيقة ادخل يده داخل جيبه الذي يكاد يكون  فارغًا إلا من أيديه وبعض الجنيهات فأرسلها إلى الكمساري صاح الكمساري بأعلى صوته طالبًا من مصعب دفع جنيه آخر ، وبطريقة استفزازية قائلًا له ( انت ما عارف انه الحكومة رفعت الدعم ولا شنو ). دفع المصعب الجنيه الآخر وساد صمت في الحافلة لبرهة من الزمان وبدون سابق إنذار اصدر مصعب صوتًا كزئير الأسد مخاطبا الركاب ( يا ناس انتو عاجبكم الوضع دا . كفاية ياخ البلد دي ما معروفة ماشة على وين بكرة في عصيان مدني نظمناه نحن الشباب فياريت كلكم تلتزموا بيه ) وصب جام غضبه على الحكومة. تفاعل كل من في الحافلة واخرجوا الكبت من داخلهم باستثناء رجل كان بجوار السائق يرتدي بدلة اشتراكية ونظارة شمسية أخرج هاتفه واتصل على أشخاص في بادئ الأمر لم تعرف هويته ولكن سرعان ما اكتشف أمره حينما حضر بوكس الأمن كسرعة البرق ولو كانت في تلك اللحظات المطلوبة سيارة إسعاف لإنقاذ حياة شخص ما لما حضرت بتلك السرعة . فنهض وطلب من مصعب أن يركب معهم بوكس الأمن . بعد عدة مشادات كلامية بين مصعب ورجل الأمن رضخ في نهاية المطاف إلى الأمر الواقع ، أما السادة الركاب أصبحوا كما الأفلام الهندية يجيدون دور المشاهد عند حدوث شجار .

فتح طارق باب منزله المتهالك بعامل الزمن ودخل منزله وبعصبيه مفرطة قذف الباب ولولا عناية الله لسقط من قوة تلك الضربة . استقبلته والدته حاجة آمنة عند منتصف فناء المنزل وهي تلطم على صدرها عندما رأت الذعر في عينيه ممزوج بالغضب ( بسم الله الرحمن الرحيم مالك ياولد في شنو) فتمتم بكلمات كما الطلاسم مفادها أن الحكومة رفعت الدعم عن المحروقات والدواء ، فلم تعريه اهتمامًا وواصلت طريقها إلى المطبخ . دخل صالون والده الذي كان يحوي عمه ووالده وبعضا من أعيان الحلة . ألقى عليهم السلام وجلس بجوار والدهم ، لم يكترثوا لوجوده حيث كانوا غارقبن في تفاصيل العصيان المدني وكل منهما يلعب دور المحلل السياسي والمحلل الاقتصادي ولا علاقة لهم بالتخصصين لا من بعيد ولا من قريب ، أصبح يسترق السمع لعله يجد سانحة يشاركهم الخوض في الحديث لكونه الأكثر علمًا بتفاصيل العصيان المدني ولكن تم إقصاءه من النقاش والأدهى والأمر تم الحكم المسبق على فشل العصيان ولسبب بسيط انه من تنظيم الشباب !!!

على بعد عدة أمتار منزل حاج الصافي المجاور لمنزل طارق . جلس حاج الصافي مع أحفاده بالرغم من علم بعضهم بأنه ولى الزمن عليه وأصبح كالمعتوه في كثير من الأحيان يهرطق بأشياء من الخيال لا تلامس الواقع ولا تمت له بصلة ويعد من المعمرين في الأرض عن عمر يناهز الثمانين عامًا ولكن لم يبح بسنه يومًا ما إلا بمحض الصدفة في يوم ما ورط نفسه في زلة لسان وذكر عمره الحقيقي . كانوا يجلسون في شبه دائرة يخبرهم عن انجازاته ودوره في ثورة أكتوبر المجيد ويحكي قصصًا عن تلك البطولات اقرب للخيال من الواقع وتحمل في طياتها الكثير المبالغة وكثير من هم في سنه أدرى بتلك الأحداث والبطولات ويعلمون علم اليقين انه بطل من ورق ، سرح الكل معه في خيال الماضي وعزموا على إعادة أمجاد الشعب السوداني المقهور ولكن ختم حديثه معهم بمقولة نزلت كالصاعقة عليهم ( الزمن دا ما في شباب بقدروا يعملوا ثورة ولا يغيروا حاجة)!!!!!.

في صباح العيد المرتقب استيقظ الكل مبكًرا ليرى ويتابع العصيان في يومه الأول . دخل الشاب المواقع الاسفيرية وصور العاصمة تبدو أنها بلا سكان وعمت الفرحة النفوس إما رويدا رويدا بدأت الزحمة تعم أرجاء العاصمة وبكل تأكيد هنالك شرفاء أوفوا بوعدهم ولم يذهبوا إلى العمل ومنهم طارق حينما أيقظته والدته رسم بسمة على وجهه وأردف قائلا أنا معتصم ولن اخذل الشعب .

كانت عقارب الساعة تشير إلى أنها الواحدة ظهرًا خرج طارق من البيت ليحول رصيد لتفعيل الانترنت حتى يتسنى له متابعة العصيان عن كثب وترك والده يسترق النظر إلى التلفاز وبتابع تصريحات الحكومة المتضاربة والرعب يتملكهم . قابل طارق صديقه في الدكان وأصبحوا يتجاذبون أطراف الحديث وتارة أخرى يطيلون النظر إلى المارة ويتناقشوا أحيانًا معهم واتفق الكل على إجابة واحدة ألا وهي أن كل منهم خرج من منزله ليرى كيف يسير العصيان . رن هاتف طارق واتاه من الجانب الأخر صوت صديقه معاتبًا إياه لعدم حضوره إلى العمل بالرغم من أن من حضروا اقليه فقاطعه طارق المدير أتى ؟؟ أجاب صديقه والحسرة ظاهرة في نبرات صوته انه تم فصلك فأجاب طارق باقتضاب ( ما في قانون عمل بفصل زول لأنه غاب يوم واحد وبعدين العصيان ناجح لأنه الحاجة المفروض يفهموها الناس انه الهدف الجوهري للعصيان انه مافي رسوم تدخل للدولة ) أغلق طارق حديثه وكأن شيئًا لم يكن لأنه كان يعلم أن تلك هي نتيجة حتمية لاختياراته .

بعد الثلاثة أيام المقررة للعصيان المدني والتي كانت تحمل نسبة نجاح كبيرة حتى ولو لم تكن ظاهرة للعيان وهنالك ثمة انتصار وبوادر للتغيير تلوح في الأفق . طيلة تلك الأيام ظل مصعب في المعتقل هزيل الجسد يعاني من آلام في كل جسمه جراء التعذيب الوحشي الذي تعرض له .

في التحقيق الأخير معه اخبره الضابط بان العصيان لم يحدث تغييرًا ولم يسقط الحكومة ولكن تكبدت الحكومة خسائر فادحة ماديًا ومعنويًا وحذره بعدم الانخراط في العمل السياسي لأنه سيحل به ما لا تحمد عقباه .

فرحة عارمة عمت ديار مصعب احتفالًا بعودته ونجاح العصيان المدني نوعًا ما . بالرغم من الخسائر التي تعد طفيفة مقارنة بإحداث تغيير . مثل خسارة طارق لوظيفته .

وبدأ العمل والترتيب للعصيان القادم و بشكل مكثف .

في انتظار ديسمبر القاتل لإنهاء المعاناة.

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة