الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: قصص مناهضة الاستعلاء العرقي حول العالم: تحرير أم تغرير (1)

بريد القراء: قصص مناهضة الاستعلاء العرقي حول العالم: تحرير أم تغرير (1)

untitled3

بقلم: رهام حبيب

 

      أنا أنتمي لدولة أفريقية ناطقة للعربية, مزقتها الحروب, وفتك بها الفقر والجهل. في بلادي يقتل الناس بسبب الكراهية, ويتزوج الأفراد تبعاً للون وتاريخ القبيلة, يتصارع الناس لإثبات أن نسبهم ينتهي بقبيلة عربية, يمتلئ تراثه بحكايا مليئة بالعنصرية, ويرقص الغني والفقير علي أغنيات ترسخ للتمييز بين البشر, لا يجد الناس في التعددية الثقافية أو الأثنية فرصة للتسامح وتقبل الآخر, مشتتون بين هويات مختلفة, ولايختلف الحال في بقية القارة السمراء, فحتى في الدول التي لم تشهد غزو القبائل العربية في القرون السابقة يصنع أفرادها معياراً لتقييم بعضهم البعض، إن لم يكن باللون أو الديانة فسيكون بتحيز قبّلي لا يرتكز إلا على أوهام صنعتها العقول, ورغم أن تجارة الرقيق لم تبدأ من أفريقيا إلا أن لفظ “العبد” لا يعتبر إساءة بالغة الحده إلا في أفريقيا.

      ما يهمني هنا ليس هو مقدرة الإنسان على اضطهاد غيره, فمن يمارس الاستعلاء هو الأكثر شعوراً بالضعف والدونية, ولا يهمني حقاً قدرة البشر علي إظهار الشر والكراهية, ولكن على النقيض تماماً أهتم لتفسير تقبل الإنسان للاضطهاد, القدر الذي يمكنه تحمله قبل أن يثور ويطالب بالتحرير، هل الجهل بالحقوق هو ما يدفعه لتقديم تنازلات؟ لماذا يقبل؟ ولماذا يثور؟ ما يهمني حقاً هو محاولة الأقتراب من تفسير وفهم سيكولوجية الإنسان المقهور, ولذلك سأقوم في هذا الملف – الذي سيمتد لعدد من المقالات – بأستعراض  بعض أهم الثوارت التي قام بها الإنسان لمقاومة التمييز العرقي لنماذج من حول العالم, ثم سأقوم بعدها بتحليل بعض النظريات النفسية والفلسفية التي قدمت في هذا الموضوع.

الولايات المتحدة الأمريكية:

تمثال الحرية

 

      قال كليفلاند (الرئيس الأمريكي) في خطبته بمناسبة تدشين تمثال الحرية، المقدم كهدية من الفرنسيين: “لن ننسى أن الحرية قد اتخذت لها بيتاً هنا” فهل اتخذت الحرية من أمريكا بيتاً؟

      التاريخ الأمريكي مليء بالجرائم الإنسانية, منذ قتل وتشريد الهنود الحمر, ولكن في خمسينيات القرن الماضي شكلت أزمة الزنوج نقطة تحول في صياغة قوانين الحريات في كل العالم, وقطع الزنوج طريقاً طويلاً منذ أن كانو يستخدمون مراحيضاً خاصة بهم ويعملون فقط في حقول جمع القطن إلى أن تولى رئاسة البلاد مرشحاً أفريقي الأصل، ولكن رغم أن أمريكا الآن تنصب نفسها حامية للحريات في العالم، ورمزاً للتمازج والانصهار العرقي إلا أن الإحصاءات تشير إلى غير ذلك، وما يحدث في الشوارع يختلف عن ما تظهره أجهزة الإعلام. في أحد الإحصاءات المقدمة من مكتب الإحصاء الأمريكي، والمركز الفدرالي لإحصاءات التعليم، ومكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العدالة، والمركز الفدرالي لإحصاءات العمل: أن نسبة السكان البيض في أمريكا قد أنخفضت من 80% عام 1980، إلى 66% عام 2008, وسيصبحون الأقلية في العام 2042 , ولكنهم رغم ذلك يتقاضون أجوراً أعلى بنسبة 20%, أعرب 48% من الأمريكيين عن مواقف عنصرية ضمنية ضد السود، وذلك في عام 2008، وللأسف ارتفعت هذه النسبة إلى 51% من بين البيض في عام 2012. من بين كل عشر سود يعيشون في الولايات المتحدة تجاوزوا سن الثلاثين، يوجد واحد منهم في السجن. تغلظ العقوبات القضائية التي تصدرها المحاكم الأمريكية ضد السود بنسبة 20%، مقارنة بنفس الأحكام التي تصدر ضد البيض على نفس التهم.

      ولن ننسى حادثة اغتيال مايكل براون في مدينة فيرجسون (حيث تبلغ نسبة عدد السكان السود 67% من السكان، وفي المقابل 94% من رجال البوليس هم من البيض)، ذلك الشاب الأعزل الذي قتل بست طلقات منها إثنتان في الرأس ورغم وجود الأدلة الدامغة إلا أن الشرطة رفضت توجية الإتهام للشرطي دارين ويلسون وبعد أن انتفضت المدينة في احتجاجات ومظاهرات وأمتلأت الجدارن بعبارات الإدانة للشرطة, صرحت الشرطة بأن براون كان متهماً في جريمة سرقة, وعندما أنتشرت هاشتاقات في تويتر مثل (كن مثل مالكوم اكس, قرار فريجسون, وغيرها) قالت أجهزة الدولة أنه تحريض من عناصر تنتمي لداعش لأشعال الفتنه بين الأمريكيين, ولكن رغم كل المحاولات لتهدئة الأوضاع ما زالت الشوارع الأمريكية تمتلئ بالاضطهاد والعنصرية. ورغم التحسن النسبي في أوضاع السود إلا أنه قد تشكلت طبقة وسطى بينما يعاني الأغلبية من التهميش المجتمعي والعنف البوليسي. ولكنني ساعرض نموذجاً لإحدى حركات التحرير والتي أنتهجت طريقة مختلفه للدفاع عن حقوق السود في أمريكا.

الفهود السوداء ((the black panther:

untitled

      في ستينيات القرن الماضي، وفي أحد أقبية جامعة بيركلاي الأمريكية، نشأت جمعية صغيرة من الطلاب من أصول أفريقية مع عدد من الطلاب البيض لمقاومة الإعتداءات ضد الزنوج بشكل سلمي, كانوا يتبعون أسلوب غاندي المناضل الهندي ويردون على الكراهية بالحب, كانوا يتدربون على تحمل الألفاظ العنصرية والضرب من دون أن يبدو عليهم التأثر, يخرجون للأماكن العامة والمطاعم، ويجلسون في المقاعد المخصصة للبيض فيتعرضون للضرب من المواطنين والاعتقال من قبل عناصر الشرطة. ولكن لم يستمر ذلك النهج كثيراً حتى برز من بينهم المناضلين نيوتن وسيل ودعيا إلى رفع السلاح، وقاما بتحرير برنامج سياسي في عشر نقاط في بداية أكتوبر 1966 فكانت نقطة انطلاق لحزب الفهود السود (تمت تسميته بهذا الأسم لأن الفهد لا يقوم بالاعتداء ولكنه يرد على المعتدي), وأكدت هذه النقاط على بعض المطالب السياسية كنهاية العنف، والاضطهاد البوليسي للسود، وعديد من المطالب الاجتماعية الأخرى كحق السود في الصحة والدراسة والتشغيل والحماية الاجتماعية.

      وانطلقت نشاطات الحزب بتكوين لجان مهمتها مراقبة أنشطة البوليس، وحماية أحياء السود وأماكن تجمعاتهم من دخول البوليس. وقام الحزب بتوفير أسلحة لهذه اللجان، وكتب قانون يقع الاستظهار بها أمام رجال البوليس لتذكيرهم بالحقوق التي ضمنها الدستور, وإلى جانب هذه الأنشطة السياسية قام الحزب بالعديد من الأنشطة الاجتماعية الموجهة إلى الجماهير العريضة من الفقراء في الأحياء المهمشة، فتم فتح العيادات الطبية المجانية والتي نشطها العديد من الأطباء المتطوعين، كما نظم العديد من حملات التلقيح على نطاق واسع ضد الأمراض, ولعل أحد أهم أنشطة الحزب هو برنامج “فطور الصباح المجاني للأطفال” الذي عرف نجاحاً منقطع النظير، وساهم في ازدياد وتطور شعبية الحزب لدى الشرائح الرافضة لغطرسة البوليس العنصري الأبيض. وقد وصل هذا البرنامج إلى حد توزيع 10.000 وجبة يومياً.

      ساهم اغتيال مارتن لوثر كنغ في 4 أبريل 1968 في نمو الراديكالية في صفوف الشباب السود وحزب الفهود السود. فنهاية لوثر كينق  كانت بداية النهاية للحل السلمي والنضال المدني من أجل حصول السود على حقوقهم السياسية والاجتماعية. فعرفت تلك الفترة صعود الحل الثوري مما جعل حزب الفهود السود قبلة أغلب الشباب الرافض لهذا الواقع والحالم بحل جذري لمعضلة الاضطهاد العرقي في أمريكا. فعرف الحزب تطوراً كبيراً في تلك الفترة، وفتح فروعاً في أغلب المدن الأمريكية، وإزدادت شعبيته بعد القيام بأنشطة نوعية كخطف طائرة من قبل خمسة مناضلين من الحزب عام 1972 وطلب فدية مالية لتمويل الحزب. فقامت السلطات الأمريكية وخاصة الأجهزة الأمنية بحملة كبيرة للقضاء عليه. وقد اعتبر ادغار هوفر مدير جهاز المخابرات FBI في تصريح له في سبتمبر 1968 أن حزب الفهود السود هو أهم خطر على الأمن القومي الداخلي الأمريكي. فوضعت الأجهزة الأمنية برنامجاً كاملاً للقضاء على الحزب يتضمن الاغتيالات والإيقافات وزرع المخبرين داخل الحزب لافتعال الانشقاقات والخلافات ونجح هذا البرنامج في إضعاف الحزب وإخفاء بريقه.

      فكان تراجع الحزب وراء نهاية الحل الثوري للقضية العرقية في الولايات المتحدة لينخرط السود في الحل السلمي ويجعلون من الانتخابات طريقاً للوصول إلى السلطة لتغيير سياسة التمييز العنصري. ولئن ساهم المد الثوري الشبابي في إحدى الجامعات الأمريكية والمناهض لحرب الفياتنام في نهاية السبعينات في نمو شعبية وتأثير حزب الفهود السود فإن التراجع الذي عرفته الحركة الراديكالية الشبابية انعكس سلباً على تواجد الحزب وتأثيره. وساهم هذا التراجع في هبوط تأثير الحل الثوري. ومع نهاية السبعينات شهد النهج الديمقراطي صعوداً هاماً في أوساط الشباب الأسود الذي عاد إلى إتباع المنهج المدني والسلمي والذي نادى به مارتن لوثر كنغ قبل مماته. وأتجه العديد من السود وحتى من قادة حزب الفهود السود إلى الانتخابات لتغيير واقع معاشهم والوصول إلى نهاية النظام العنصري من خلال المؤسسات الرسمية.

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان