عَنَاقِيدْ

shof_0d24ab86cab4484

بقلم : عُمر النّمري                        

 

      كُنّا في هذا الوقت من السنة نسرق العنب الحامض من الكروم الموجودة تقريبًا أمام كل منزل في مدينتنا #فرندة، نظرًا لأني طويل القامة مقارنة بأصدقائي و خفيف أيضًا، كنت أتسلق الشجرة و أرمي لهم العناقيد في حين يقومون هم بحراستي … و في إحدى المرات لما وصلت إلى أعلى، و تفقدت المكان تحت لم أجد الرّفقة.بل رجلٌ ضخم الجثة يقف قُبالتي، هو صاحب المنزل، لقد هرب أصدقائي و بقيت عالقًا هنا، قال لي و كان هادئًا _ لأنه كان يُضمر شرًّا كبيرًا، لأننا لا نتركه ينام وقت المقيل، فهو الوقت المفضل لنا للسرقة، و هو نفسه الوقت المفضّل له للنّوم، كنا سعيدِين بهذا التواقت، لأن الشمس تكون حارقة و الأحياء تكون خاوية على عروشها، كنا منسجمين مع الطبيعة_ ” ماذا تفعل هناك فوق ؟! ” ، كان وجهه يبدو كبيرًا و كذلك فمُهُ و كأنه سيعضني، فأجبتُه بهدوء يفوق هدوءه ” أنا أحرس لك الشجرة سيدي”.

قال ” انزل فقط لا تخف .. لن أضربك ” ، كنت أرد عليه و أنظر إلى حذائه، كان يرتدي جزمة كالعساكر و يده خشنةٌ، أصبع واحد منها يُغطي وجهي بالكامل، ربما هو يعمل في مصنع الآجور أو قد يكون بناءً أو لحّامًا. قلت له ” اعتبرني عصفورًا أكل من ثمار شجرتك و استظل تحت ظلها … هي صدقه يتقبلها الله” . قال لي ” العصفور لا يأكل خمس عناقيد بأكملها في كل مرة .. يتناول حبّة أو حبتين ثم يطير .. أقوم بعدّ العناقيد كل مساء وهي في تناقص مستمر، و أيضًا العصفور لا يُحدث ضجّة بل يُؤنسنا بزقزقاته، إنزل أيها القط اللعين .

– قلت له ” هذه أول مرّة لي هنا سيدي، أتعلم … في الأحياء المجاورة هناك عصابات لا تسرق العنب فحسب بل تقتلع الأشجار بما فيها و يحملونها إلى الواد يعومون و يأكلون منها، هذا الحي تحت سيطرتنا نحن ارحم منهم عليكم ” . بينما كنت أتحدث معه سقط عنقود كنت أضعه في جيبي و تبعثر على الأرض، كان عنقودًا كبيرًا حقًا، رأيت دمعة انزلقت من عين الرجل تمامًا كما انزلق العنقود من جيبي و جُنّ جُنونه بعدما أراد أن يجمع حبات العنقود الساقط فلم يتجمّع له، فراح يدهسه تحت جزمته الكبيرة و يحرك جذع الشجرة بقوة و الدموع تسيل من عينه، و هو يقول هذا العنقود بالذات كنت أحرسه، كنت أريد أن آكله في رمضان عندما ينضج ، انزل أيها المتشرد اليوم سأقتلك سأمزقك، و قد اتسعت عيناه و احمرّتا، في الحقيقة أنا أيضًا حزنت على ذلك العنقود، لأني كنت سآكله وحدي.

تحريكه الشديد للشجرة جعل عناقيد أخرى تسقط و كدت أسقط معها، لولا الشبّاك الملتصق على طول الجدار و الذي ترتمي أغصان هذه الكَرمة أو الدالية فوقه و تتدلى من خلاله عناقيد العنب . الظاهر أنّ الرجل قد تعب في تحضير هذا الشباك، فداليته من أجمل الدوالي في المنطقة .

قد جن جنون الرجل عندما رأى عنبه يتساقط كحبات البرد و يتكسر أمام رجليه و فوق رأسه و راح يرميني بالحجارة، لكنّي اتخذت لنفسي مكانا يُشبه العش تمامًا، لم تكن حجارته تصل إلي، حتى هو لم يعد يتراءى لي، وجدت عنقودًا رائعًا فقطفته في هدوء و وضعته في جيبي، تفقدت صاحبي في الأسفل رأيته يدخل داره، اغتنمت الفرصة و فررت بسرعة، اختبأت في موضع، كنت أجزم انّه دخل ليخرج بندقية لكن بعد لحظات رأيت الرجل خرج و فأس في يده، اتجه نحو الشّجرة و راح يقطع جذورها من الأصل، كانت ضرباته قويه و متفرقة، واحده في جذع الدالية و الأخرى في الجدار، و كان يتصبب عرقًا، التفت الرجل فرآني أراقبه من مكان قصي فهاجمني و الفأس تلوح في يده، هربت بسرعة مع احد الأزقة الضيقة التي تأخذك إلى الوادي مباشرة، حيث توجد عين ماء باردة، أخرجت عنقودي و تركته يتبرّد، و رحت أفكّر، ما بال هذا الرجل قطع داليته بهذا الشكل يبدو منزعجًا من أمرٍ ما . أكلت العنب و أنا أستمتع بخرير المياه حولي و بزقزقة العصافير .

في المساء عدت إلى البيت، وجدت أخي الكبير قلت له ” أتعرف صاحب المنزل ذا اللون الأصفر من طابقين الذي يقع بجانب المخبزة؟ ” قال ” نعم ، لقد رأيته قبل لحظات يجر دالِيته في الشارع، لقد نزعها و شوّه واجهة منزلته بالكامل، ماذا حصل لك معه ؟! “

قلت ” لا شيء، فقط أعجبني الطلاء الذي استعمله لتلوين واجهة منزله، أليست فكرة جميلة أن نسبغ واجهة بيتنا نحن أيضًا” و خرجت دون أن أترك لأخي فرصة للرد على هذا الاقتراح .

لقد أهمني أمر هذا الرجل كثيرًا، منذ مدة و أنا أسرق العنب، لم يحصل معي أمر مشابه، يبدو رجلًا صادق المشاعر و منظمًا .

مررت بالطريق المؤدي إلى المخبزة لأتفقده و لأعاين واجهة منزله، رأيته يكنُس الرصيف أمام منزله و يجمع بقايا الأوراق في كيس بلاستيكي أسود، كان يبدو هادئًا و كانت واجهة بيته شاحبة كوجه امرأة خمسينية نهضتْ للتّو من نوم عميق . بعد أن غربت الشمس تمامًا عُدت أدراجي، ها هي سيارة والدي ذات مقطورة من نوع مازدا ( Mazda ) متوقفة أمام البيت، صعدت إلى المقطورة فوجدتها متسخة .. فيها بقايا عناقيد عنب و أوراق.

 دخلت لأتعشى، نحن نجتمع على مائدة واحده أنا و أخي الكبير و والدي، هكذا جرت العادة، لم يتبادر لذهني أن أسأل والدي عن تلك البقايا التي وجدتها في مقطورة السيارة، حتى راح يقول ، ” إنّ جارنا الذي يسكن بجانب المخبزة قد اجتث داليتَه و قطّعها قطعًا متساوية و طلب مني أن آخذها إلى مزرعة أحد أقاربه على حدود المدينة حيث يعمل هناك مزارعًا، لم أكن أريد أن آخذ منه أجرًا فهو صديق قديم، لكنّه حلَف و أعطاني 200 دينار ( 200 دينار يمكن أن تشتري بها كيلوغرام و نصف من لحم الخروف في ذلك الوقت ) . وضعت ملعقتي على المائدة و لم أستطع بلع اللقمة التي في فمي، نهضت .. قال والدي ” إلى أين؟” قلت ” لا شيء، فقط ألم في ضرسي ” خرجت مسرعًا و بقيت واقفًا أمام مقطورة السيارة، شعرت بإحساس رهيب، ليس من عادتي أن أشعر بالذنب، حدث مرّة قبل سنتين، يوم عيد ميلاد أختي الصغرى، كنت نازلًا مع السّلم و اصطدمت بوالدي عند الباب فسقط من يده قالب الحلوى الكبير، لم يلمني أو يعنفني أحد لكني شعرت بنفس هذا الشعور، كانت أختي فوق مع صديقاتها ينتظرن قالب الحلوى الذي قد كتِب عليه اسمها و أسماء صديقاتها كما طلبت هي . هناك خسارات لا يمكن تعويضها أبدًا . أتذكر جيدًا أني دخلت في فترة اكتئاب حاد حتى دخلت المستشفى، بعد شهرين من الحادثة استرجعت عافيتي، منذ ذلك الحين و أنا أبتعد عن كل شعور يجعلني أمرض، بقيت نصف ساعة متجمدًا في مكاني و عيناي شاخصتان تنظران إلى ورقة عنبٍ ملتصقة بالباب الخلفي للسيّارة تُحركها رياح خفيفة باردة من جانب واحد، ثم دخلت البيت .

قلت لوالدي ” قد سمعتُك تقول أنّ صاحب الدّالية كان صديقًا قديما لك، هلا حدثتني عنه قليلًا ”
قال ” اه ، أجل ، تعني ‘ فَريد ‘ كان صديقًا لي أيام الدراسة، كان منظمًا و منضبطًا في كلّ شيء، لازلت أتذكر يوم جاء الرئيس هواري بومدين إلى هنا ليدشّن مقر الدائرة، لم يذهب في ذلك اليوم أحد إلى المدرسة، لا التلاميذ و لا المعلمين، حتى الحارس لم يكن هناك، لكنّ فريد بقي طوال اليوم بمئزره و محفظته أمام باب المدرسة ينتظر أن يُفتح له . كان قبل أن يصبح مُزارعًا يعمل في البلدية في مكتب الأشغال العمومية، و قد تخلى عن وظيفته بعد سنتين فقط بسبب حادث سير أودى بحياة عائله بأكملها في المخرج الشمالي لمدينتنا، هذا الطريق خطط له المكتب الذي يعمل فيه كعون مكتب فقط، كانت هناك أخطاء تقنيه في الانجاز، هذه الأخطاء هي سبب الحادث، بعدها بأيام قدّم استقالته و أغلقت البلدية هذا الطريق و فتحت المعبر القديم أمام السيارات، و منذ تلك الفترة قبل إثنتا  عشر سنة و هو يعمل مزارعًا في أرض ابن خاله التي تقع غير بعيد عن حدود المدينة بجانب السّد ”
_ عظيم ، ألم يُخبرك يا أبي عن سبب قطع كرمته ؟!
_ قال أنّها قد شاخت و أصبحت ثمارها شحيحة و هزيلة، هو يريد استبدالها بكرمة أخرى على ما أعتقد .

هدأت قليلًا بعدما جمعت هذا الكّم من المعلومات، إنّ هذا الرّجل لا يُفكر كمعظم رجال هذه المدينة، حتى إنّه لا يفكّر مثلي، خرجت من البيت، كانت ليلة صيفيه جميله، إنّ ما يُميّز مدينتي فرندة عن باقي المدن التي زرتها، هو أنّها تقع فوق الجبل و تحيط بها الغابة من كل الجهات، هنا في الليل يمكنك أن ترى أنوار المدن الأخرى المجاورة .. هنا تتمتع بنسيم الوادي المنعش .. هنا ترى القمر قريبًا .. لا اعتقد انه يوجد مكان في العالم فيه ليل أجمل من ليل #فرندة .

اتجهت إلى الشارع الذي يقع فيه منزل ‘ فريد ‘  قد أصبحت أعرف اسمه، تحاشيتُ في طريقي الأماكن المحتمل أن يتواجد فيها أصدقائي، أريد أن أفكر وحدي،إن وجودهم معي لا يسمح لي بالتركيز الجيّد . عموما إنّ اللحظات التّي تُقرر فيها أن تنضج يجب أن تكون فيها وحدك، وجود الرفاق معك في هذه اللحظات يجعل العهود التي تقطعها على نفسك مجرّد أمنيات تمنّي بها النّفس .
تشغلني أمور كثيرة أريد أن أجد الرابط بينها لأن هذه الأمور تخص شخصًا واحدًا، ألا و هو ‘ فريد ‘ إنّ هذا الرجل فريد من نوعه حقًا، سبحان الله، إسم على مسمى . كان الحي مظلمًا أمامي و شبه فارغ، بعض السيارات التي تمر و عمال المخبزة الذين يسهرون في تحضير الخبز الذي نجده نحن صباحًا فوق موائدنا بعد أن نكون قد شبعنا نومًا . يوجد هِرٌّ في الشارع يمشي على الرصيف المقابل، توقّف عند موضع الدّالية التي وجدها كما قيل ” أثرًا بعد عين ” ، قد تبدّل المكان عليه، ربما كان في السابق يتسلق أغصانها ليصل إلى أسقف المنازل المجاورة، لقد أحدث قطعها تغييرًا في منظومته، هو حائر مثلي تمامًا، هو الذي لم يجد الدالية ليتسلقها و أنا الذي قررت أن لا أتسلق و أن لا أسرق العنب مجددًا .
الأمر الذي شغل بالي أكثر هو عدم إخباره والدي بأنّي السبب في انزعاجه مما أدى به إلى قطع كَرمته، لقد رآني وهو يعرفني . النّاس هنا تعرف بعضها جيدًا و تعرف حتى التفاصيل الدّقيقة، لأنّ ليس لهم شيء ليفعلوه .
حدث مرة .. اشتكاني أحد الجيران إلى أخي الكبير لأني سرقت العنب من كرمته، لم يوبخني أخي بل سمعته يقول ” إنّ العناقيد الكثيرة المتجاورة في كرمة واحده تَفسُد، و إنّ نزع بعضا منها يسمح للعناقيد المتبقية أن تبلغ مرحلة جيدة من النضج بسبب وفره النسخ الكامل و وفرة أشعة الشمس ” . ثم أردف قائلًا : ” انتم بسرقتكم العنب تقدمون خدمة لهؤلاء المغفلين و خدمةً للطبيعة ”
لم أفهم جيدًا ماذا كان يعنيه أخي، لكني فهمت أنه تشجيع ضمنيٌّ لنا على السرقة .

وقفت أمام واجهة منزله، الشارع متسع أمامي، هذا الطريق يؤدي إلى محطة الحافلات، لا أحد سينتبه لي، رأيت نافذتين مضاءتين في الطابق العلوي . رغم أنّه نزع الدالية و الشباك، إلا أن الواجهة تبدو أفضل من عديد الواجهات المجاورة و عموم المباني في مدينتنا، لا توجد أسلاك مشبكه و لا ثلمات في الجدران، حتى تلك القضبان الحديدية التي يتركها الناس عادة ليبنوا عليها طوابق إضافية غير موجودة، الظاهر أنه قد بنى منزله وفق خطة و هندسة واضحة .
لوهلة تذكرت قول والدي ” قِطع الأغصان كانت متساوية” يعني انه قد قطعها بواسطة مِسطره … هل هذا الشخص حتى تخريبُه لممتلكاته يكون وفق أبعاد مسطّره ؟!!!
في حقيقة الأمر، أشعر بنوع من الارتياح لأني أشعر أنني مقدم على فك طلاسم أحجية، إنها مغامرة أكبر من سرقه العنب و الذهاب إلى الواد لأكله .

الناس في مدينتنا يشبهون القطط تمامًا، فالقطط تحب الأكل و النوم و ممارسة طقوسها الليلية، إنّ القطط عديمة الذوق و عديمة الوفاء، همّها الوصول إلى ما تريد، بالتّملّق تارة و بالسرقة تارة أخرى، تقترب منك بهدوء تحك ظهرها على قدمك مطمئنة مرتاحة البال، إنّ العيش بلا ضمير شعور حيواني آثم رغم وداعة المظهر و حُسن المُواء، لهذا أكره القطط و بت أمقت رجال هذه المدينة .

 شخص مثل ” فريد ” الذي تخلى عن منصبه بسبب خطأ لم يرتكبه هو، فتصميم الطرقات من اختصاص المهندسين وحدهم، هو كان مجرد عون مكتب ينقل الأوراق أو ينسخها، لم يكن يختمها أو مسئولًا عن المراقبة الميدانية للمشاريع، إن  وفاة تلك العائلة قبل أكثر من عشر سنوات، هو من أثر عليه و جعله يترك وظيفته و يعمل في المزرعة .

كانت صبيحة يوم جمعة، الأحياء فارغة إلا من بعض النساء، محلات الملابس مفتوحة في الطريق المؤدي إلى المخبزة، كنت ذاهبا لأشتري الخبز، يوجد خبز في الحانوت الذي في حيّنا، لكني أريد أن أكون قريبًا من منزل ‘ فريد ‘، وجدته يستعمل سلّما من الألمنيوم، منهمكًا في ترميم واجهة بيته، كان بنفس الزي الذي رايته به أول مرة، أردت الاقتراب منه و إلقاء التحية، لكني خفت .. خفت أن يهاجمني، لأنّه إن هاجمني هذه المرّة لن أستطيع الهرب، أنا أشعر بالخوف منه حقًا، لازالت صورته و هو ينهال بالفأس على جذر داليته ماثلة أمامي، أردت أن أحدث جلبة لعلّه يراني من بعيد كي أرى ردة فعله إن هو رآني، لكنّي وحدي في الطريق، كيف لي أن أحدث جلبة وحدي، مررت بعيدًا عنه، كان وجهه للجدار فلم يلحظ وجودي، لما يئست عدت أدراجي، اشتريت الخبز و رجعت إلى البيت.

وقت الظهيرة ذهبت إلى صلاة الجمعة رفقة والدي، كانت الخطبة تتناول قضية الظّلم … ” إنّي حرّمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم مُحرّما فلا تظالموا ” .. ” الظّلم ظُلمات يوم القيامة ” ، كان الإمام جهوري الصوت، و راح يضرب الأمثلة من واقعنا، بل قل من مدينتنا التي نسكن فيها، و في آخر الخطبة حثّ الناس على إفشاء السلام بينهم، و التحلي بشجاعة طلب الاعتذار و على أن يتسامحوا و لا يتباغضوا و يكونوا عباد الله إخوانًا .
إنّ الشحنة الإيمانية التي اتقدت في نفسي، جعلتني أفكر _بينما كنتُ قائم في الصلاة_ أن اذهب مباشرة إلى فريد و أطلب منه الاعتذار، بعد السلام مباشرة تدافع الناس للخروج من المسجد، باب المسجد كبير لكنه لم يسعهم كلهم، قلت في نفسي أليس في هذا التدافع نوعا من “الظلم” !!    لم لا يصبر الناس دقائق و يخرجون في انتظام، أم أنهم يُطبقون قوله تعالى ” فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ” سبحانه، هو لم يقل لهم ليضغط بعضكم على بعض و ليدُس بعضكم أقدام بعض، بدأت قاعة الصلاة تفرغ من المصلين تدريجيا، رأيت فريد جالسا في ركن هُناك .. ها هو يهمّ بالنهوض . كنت جالسا بجانب والدي، قلت له ، هل نخرج الآن ؟ قال ، حسنٌ .

الحمد لله أن والدي لم يتباطأ، كنت أمشي إلى جانبه في هدوء مصطنع، تقابلنا نحن ثلاثتنا عند الباب، والدي و فريد و أنا .
قال والدي “تقبّل الله سي فريد “
رد عليه فريد ” تقبل الله منّا و منكم صالح الأعمال أخي عليّ” … و راح ينظر إليَ في دهشة، و فُتحت شفتاه عن ابتسامة حتى خُيّل إلي انّه يضحك … ” هل هذا ابنك يا علي ؟! “
” أجل ، هذا إبني مصطفى ، هو في الثاني عشر من عمره ”
” إنّ ابنك يحب أكل العنب .. أليس كذلك ؟! ”
ضحك أبي و قال ” كيف ذاك؟! ”
” فقط ، يوم كنت انزع في كرمة العنب خاصتي كان يُراقبني من بعيد ، و الله إنّي أجد فيه شبها بأخي مُنير ( الله يرحمه ) ”
قال والدي ” الله يرحمه ” و صمت قليلًا . كنت أصغي لحديثهما و أنفاسي تتقطع، و عيناي ترمشان تمامًا كما تفعل النملة، ترمش مرتين متتابعتان بسرعة و تبقى شاخصة مدة، و كأنني كنت أشاهد مشهدًا للصور المتحركة .
أضاف فريد : “بالمناسبة يا سي علي، أريد نقل بعض أكياس من السماد إلى المزرعة ”
قال والدي ” حسن ، متى تريد نقلها ؟ ”
” بعد العصر ، إن لم تكن مشغولًا طبعًا ”
” بعد العصر إذن ”
ذهب فريد في طريق المخبزة، و انعطفت أنا و والدي إلى حيّنا .

ليس من عادتي أن أرى والدي صامتًا هكذا، هو دائمًا يجدُ ما يقوله .. يُسهب في أحاديثه التي لا تنتهي حتى و نحن على مائدة الطعام .  شعرت ببرودة في أطرافي و تصلّبت ملامحي بسبب المشاعر المختلطة التي راودتني .
دخلنا البيت لنتغدى … اليوم أخي الكبير ليس هنا ، ذهب مع الجمعية الرياضية ليُجروا مُنافسات في البلدة المجاورة .
قال والدي ” الآن عرفت لم فريد أقدم على قطع داليته “
سارعت لسؤاله ” كيف ذلك ؟! ”
قال ” كان لفريد أخ صغير يسمى مُنير، أسمر مثلك و نحيف و في مثلك سنّك … حدث مره كانوا يتسلقون كرم العنب كما جرت العادة في مدينتنا، سقط منير من أعلى الشجرة على الرصيف ، و أصيب بنزيف داخل رأسه، مات بعد الحادث بأسبوع … هذا هو السبب الذي جعل فريد يقطع داليته  إن منزله في الشارع الكبير بحيث لا يتجرأ الأطفال على تسلق داليته ”
صمت والدي قليلًا و نظر إلي نظرة أفزعتني و قال ” هل قمت بتسلق داليته ؟! … هيا أخبرني “

اندفعت إلى الخلف لا إراديًا من زمجرة أبي، سقطت الملعقة من يدي و توقفت أنفاسي، لم أرَ والدي يحتدّ هكذا من قبل، كان يُعالج المشاكل الكبيرة التي تقع بالضحك و الابتسامات، هذا ديدنه مع كل أمور الحياة، ربما لأن فريد في القضية، هو يراه الفضيلة بعينها تمشي على رجلين، هو لا يريد أن تُداس هذه الفضيلة التي تجسدت في هذا الرجل، رغم أن والدي بعيد عنها نسبيًا إلّا انه يعشقها . علمت من صمته في الشارع أن هذا اليوم يومي ، و لا يسعني سوى الفرار.

تحرك والدي من مكانه جافلًا، قلب الطاولة أمامه، و سارع لتناول عصاه المعلقة بجدار الغرفة، خرجت من البيت حافيًا، و قلبي من شدة نبضه كأنه غيّر موضعه، فهو يضرب في دماغي، فمي المفتوح اللاهث و دمعتان تحجرتا تحت عيني، و أنا اجري في الشارع كضبيّ هارب من قسورة ( قسورة هي الأسود)، ما هي إلا لحظات وجدت نفسي أُعانق باب فريد أطرقه طرقًا متكررًا لا ينقطع، و ما إن أوشكت تلك العصا تنهال عليَ، حتى فتح الباب و احتضنني و قال لوالدي الذي احمر وجهه غضبًا ، ” إلعن الشيطان يا سي علي … العن الشيطان ”
قال والدي ” اتركه لي أرجوك يا سي فريد، يجب أن أؤدبه”

هدأ والدي تدريجيًا ، كنت ألاحظه من وراء ظهر فريد ملتصقًا بتلابيب ثوبه . قال ” لو لم تحل بيني و بينه لكنت قتلته اليوم ”
رد فريد ” هدّئْ من روعك يا سي علي، هؤلاء الأطفال هذا دأبهم .. انسى الأمر .. بما انك أتيت  سأحضّر أكياس السماد لننقلها .. احضر السيارة . و أنت يا مصطفى أبقى هنا ”
راح والدي يستغفر و يتعوذ .. هو يتنفس بقوه .. إنه سريع حقًا .. لم أتخيل انه سيلحق بي هكذا .

واقفًا في الرصيف أراقب أبي يمشي حافيًا، و يجر تلك العصا خلفه، لأول مرة في حياتي بدا لي والدي فيها غريب الأطوار، إن في القُرب حجاب كما قيل، ربما هذه الجفوة ستجعلني أرى والدي من بعيد بوضوح.

 قال فريد : ما بال ثيابك ملطخة ؟!   أوقد ضربك ؟!
قلت له : كلا ، إنما قلب الطاولة التي كانت بيننا، هذا مرق انسكب عليَ _ جرت العادة أن نصنع الكسكس و نتناوله بعد صلاة الجمعة لا قبلها _ قال فريد : إذن لم تتغدى بعد، هيا أدخل .

بيت فريد بسيط جدًا من الداخل لكنه أنيق، تلك المكتبة الممتلئة بالكتب تمامًا في نفس الجدار الذي يعلّق فيه والدي عصاه، هذا هو الفرق بينهما إذن، والدي يصلح أن يكون قائد ثكنة، و فريد يصلح أن يكون فيلسوفًا، و كلاهما لا غنى له عن الآخر. لطالما سمعت أمي تقول لوالدي، انزع تلك العصا إنها تشوه المنزل، و هو يرد عليها أنها لا تشوهه بل هي تحميه .
وضع فريد أمامي صحنًا فيه أرز ابيض و خبزًا و قارورة ماء على مائدة صغيرة تبدو كأنها من صنع يديه، لاحظت عدة قطع فنية، بعض المجسمات على الطاولة التي يوجد فوقها التلفاز، و لوحة زيتيه لجمل و حَاديه معلقه ( الحادي : هو الذي يسوق الجمال ، و يغني لها كي تزيد من سرعتها) .
سألني فريد بعد اللقمة الثالثة ” لماذا أراد أن يضربك سي علي ؟! “

شعرت بالخجل من نفسي كثيرًا، نحن عائلة ” علي ” تسببنا في قطع دالية فريد .. و أخذنا منه أجرة للتخلص منها .. و نحن الآن نتناول الطعام في بيته . قلت له ” نحن نعتذر منك ، أتمنى أن تقبل اعتذارنا ” قال ” لم الاعتذار ؟! ” قلت ” لقد كنت سببًا في قطعك لداليتك ، و أبي أخذ منك أجرة ، لهذا هو منزعج ”
قال ” أنا لم اقطع الدالية بسببك، لقد كنت أقرأ في كتاب عن زراعة الكروم، اكتشفت أن التربة في الأماكن الحضرية تكون منعدمة التهوية و شحيحة الرطوبة بسبب الطرق و الأرضيات المعبدة، فتتغلغل بجذورها عميقًا في الأرض لتبحث عن الماء و قد تلجأ ـ إن هي لم تجده ـ إلى مجاري الصرف الصحي لتستقي منها، كنت أقرأ هذا المعلومات حتى سمعت حركة أمام النافذة، لمّا خرجت وجدتك فوقها، لهذا قررت فورًا قطعها، كنتُ قد أخبرت والدك بهذا، قلت له : “إن نوعية العنب أصبحت رديئة ”
تمتمت قائلا ” أتمنى انّ ما تقوله صحيح ” حينها سمعنا صوت سيارة والدي، قال فريد ” أسرع تناول غداءك، ستذهب معنا إلى المزرعة “
راح فريد يُعبّئُ الأكياس في مقطورة السّيارة، بينما كان أبي منهمكاً في تفقد محركها .. و كأنّه لا يُريد أن يراني .. أو أن يُحدّثني. أشار إليه فريد بأنّ الولد سيذهب معنا، صعدت مع الأكياس في الخلف، ما هي إلّا لحظات حتى تركنا المدينة خلفنا، لمّا استقامت الطريق زاد أبي من سرعة السّيارة ، شعور جميل حقًا و كأنّك تُحلّق، أُدخل الهواء بقوة في صدري، ما أجملها رائحة الغابة .

 لم تكن المزرعة بعيدة، انعطفنا يمينا في ممر تُرابي .. هاهي ذي الكلاب استقبلتنا بنباحها و هي تحرك أذنابها .. نزلت بعد أن أبعدها فريد، هناك حقل كامل للكروم، مصطفّة على أسلاك و تفصل بينها ممرات، يوجد الآلاف من العناقيد المتدلية اليانع منها و الحامض على ارتفاع متر واحد فقط من الأرض، بعد أن أنزل والدي و فريد الأكياس، قُلت ” لم هذه العناقيد قريبة هكذا .. بينما هي في المدينة ترتفع عاليًا ؟! “
قال والدي ” لأنه لا يوجد من يسرق العنب هنا “
و قال فريد ” ربّما العناقيد في المدينةِ لا تشعر بالأمان ”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة