الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية الخلود لكونديرا: حينما يحايث الاسم مدلوله ويتجاوزه في نفس الوقت

قراءات: رواية الخلود لكونديرا: حينما يحايث الاسم مدلوله ويتجاوزه في نفس الوقت

خالد

      إيماناً مني بأن هذه الرواية – وكذا هي معظم روايات كونديرا – تحتوي على عدد من الموضوعات المرتبطة في خيط خفى تستحق أن تناقش كل على حدة، لذلك فإنني سأحاول قدر الإمكان فرد عدد من القراءات لها.

      في البدء سأتعرض لجزئية وقفت عندها كثيراً، واعتبرها جوهر الكاتب كونديرا في كتابة الرواية والتي استشفيتها من المقطعين التاليين:

      “ففي قرارة كل منا يوجد (Grund) الذي يشكل السبب الدائم لأفعالنا، والأرضية التي ينمو عليها قدرنا …”

      “لكنني آسف أن تكون كل الروايات تقريباً التي كتبت حتى يومنا هذا خاضعة بشكل مفرط لقاعدة وحدة الحدث. أقصد أن أحداثها ووقائعها جميعاً تقوم على تسلسل سببي واحد. إن هذه الروايات تشبه زقاقاً ضيقاً نطارد فيه الشخصيات ونحن نجلدها. إن التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية التي حلت بالرواية لأنه يحرق كل شيء، بما في ذلك أبدع الصفحات، وأكثر المشاهد والملاحظات إدهاشاً إلى مجرد مرحلة تقود إلى الحل النهائي الذي يتركز فيه معنى كل ما سبقه. هكذا تحترق الرواية”

      ويمكن الرجوع للسياق لفهمها كاملاً، لكن هذا الاقتطاع كافي لفهم الفكرة، بحيث اتناولها من جانبين:

      الأول: هناك تفريق بين السبب والأساس، وأرجع الأمر عبر الجذور اللغوية للتفريق بين السبب المنطقي المبرر والسبب اللامنطقي واللامبرر، لكنه في النهاية سبب، واوجد له مصطلح آخر عبر اللغة وهو (Grund) أي الأساس، وهي مسألة من مسائل المعرفة التي نوقشت بحيث أنه إذا كانت المعرفة هي اعتقاد صحيح مبرر، وتمت مساءلة المعايير التي يستند عليها التبرير. فبالرجوع إلى الرواية نجد أن الفعل ليس له تبرير مقنع لكن في النهاية يمثل سبباً لفعل الشيء، ولمجاوزة المعضلة يكون حل مصطلح أساس مقنع نوعاً ما لإطلاقه للأفعال العامة، ومن بعدها نسائلها إذا كانت منطقية وعقلانية أم لا، لنتجاوز الوقوع في معرفة موهومة مبنية على مبررات غير عقلانية. فالأساس هنا هو قاعدة أو أرضية تمثل عمق النفس البشرية الغير مرئي لفعل الشيء ويمكن نوعاً ما موازاته باللاوعي كما يقول فرويد. وهو مفتاح جيد يمكن مرحلته إلى الواقع بحيث نستخدمها في التحليل النفسي لإيجاد علل السلوكيات والوصول إلى الأساس بعيداً عن المسببات المغطية للأساس الحقيقي الذي يجعلها في خانة فعل رئيسي أياً كان هو، واوجد فعلاً مضاداً يتجسم عند الإنسان. فرجوعاً إلى الرواية وإلى الحدث الذي انتج المقطع اعلاه، نجد أن جلوس فتاة في منتصف الطريق لتدهسها سيارة أي انتحار له أسباب كما قال واهية لنا من الخارج، لكن باستخدام الأساس سيكون هناك مبرراً من الداخل، من أعماق الفتاة، يبدو لها كافياً ومبرراً لانتحارها وخلاصها من الحياة.

      أما الجانب الثاني: هو الدخول في تنظير السرد الروائي بحيث اعتبار الرواية هنا هي عبارة عن مسك لأساس الشخصيات الروائية في فعلها وقولبتها من كل الجوانب بالتفاصيل المساهمة للوصول إلى العمق النفسي المحرك لها. وهو ما يسميه لذة البطء، وهي معالجة مضادة للنسق الحداثوي المتسارع، النسق الذي لا يهتم إلا بالوصول إلى النشوة، اللذة، عبر المراحل السردية المرتبة.

      والرؤية المطروحة هنا يمكنها أن تكون إبداعية في مجال الكتابة الإبداعية. وخروجاً من الرواية الكلاسيكية على حد قوله، بحيث أن المعيار يصبح أن يكون من المتعذر الاقتباس من النص الروائي، وهي معالجة تسير في ذات النسق السابق بحيث أن الأنساق الساهلة والغير داعية للتعمق في الحدث واستخلاص النتيجة حسب مدركات القارئ هي ما يكثر فيها الاقتباس ووحدتها الحدثية متناسقة للغاية ومرتبة كمثالية افترضها أنا القارئ.

      وفي مقطع آخر بذات الباب المعنون تحت الصدفة – وهو موضوع سأناقشه لاحقاً – بأن الرواية تبدو وحدة تناغم موسيقى في اختلاف الاحداث، فالأحداث المسرودة هي التي تكون لها وحدة الموضوع لا الحدث، بمثال أن طفلاً هنا يعزف سيمفونية، وطفلاً في مكان آخر يعزف سيمفونية مغايرة، لكنهما معاً يمثلان خيطاً متناغماً يمكن التلذذ بهما، وكذلك العرض الروائي حسب ما يمكن الاستنتاج من المثال.

      أيضاً من العلامات المفهومية التي يمكن التقاطها من بين متن الرواية الرب كمحايث موضوعي عند كونديرا عبر رواية الخلود بحيث يظهر من المقاطع التالية: “فتفكر انييس: وضع الخالق في الحاسوب قرصاً مرناً يحتوى على برنامج مفصل، ثم غادر. ترك العالم بعد أن خلقه بين أيدي البشر وهجرهم. وهم حين يتوجهون إليه لا يلاقون غير الصمت المطبق، وهي فكرة ليست بالجديدة، لكن تخلى رب الاسلاف عن البشر شيء، وتخلى الإله خالق الحاسوب الكوني عنهم شيء آخر، إذ يترك مكانه برنامجاً يطبق في غيابه بكيفية مكتوب رسم حدود الممكنات، ويترك المجال للصدفة بين هذه الحدود.”

      عند مسائلة هذا المقطع وربطه مع سياقات أخرى أجد أن الكاتب يطرح مسألة تتعلق بوجودها برسم ماهيتها، فسؤال الرب الذي عبر حدث سردي منطقي بسيط أن عندما كانت طفلة سألت أبيها وقال: “أؤمن بحاسوب الخالق”، وبعدما كبرت تذكرت الأمر، وأخضعت الذكرى للمسائلة النقدية الخاصة بها، ربطت ما يجري بحدث سابق حصل لها بأن المرأة التي كانت في حمام البخار حددت ماهيتها وهي تؤانس النساء عبر محددات خاصة بها، فعلت فيها دلالات الفاظ تحمل محمولات عنيفة لتُري الآخرين أن هذه ماهيتها، بل وفريدة من خلال البحث عن اللفظ الذي يعبر عن استعدادها للمحاربة من أجله.

      هذا الأمر عند ربطه مع فلسفة الرب، يكون الأمر تماهياً مع ذاته ومحدداته العامة، يصل بالأمر إلى عمق المعنى للإنسان نفسه من خلال الأنا، عبر أيقونة الوجه الذي يرسم معنانا ويحدد الأخير خطوطنا الذاتية.

     من خلال هذه السردية في الصفحات من 1-17 الملاحظ أن هناك قراءة بنيوية (أي عبر الفاظ اللغة) من السارد لشخصية المرأة التي كانت في حمام البخار، ومن ثم الوصول إلى دلالاتها والترسيم عبرها إلى مفهوم ومعنى، وهو أمر له بعد في نظريات القراءة والتلقي عند مواجهة نص (وهنا كان حكائية داخل متخيل) والسارد يُعلّم القارئ كيف يمكن استنتاج الدلالات فيقول المقطع: “فقد جاءت لتخبر كل النساء الحاضرات: 1/ بأنها مولعة بالتعرق. 2/ وتعشق المتغطرسين. 3/ وتكره المتواضعين 4/ وشغوفة بالحمامات الباردة 5/ وتكره الحمامات الساخنة. فقد رسمت صورتها الذاتية من خلال خمس سمات، وحددت أناها في خمس نقاط قدمتها للملأ. وهي لم تقدمها بطريقة متواضعة (لقد أصفحت على كل حال عن كرهها للمتواضعين)، بل بمكابرة. استعملت أفعالاً عاطفية: مولعة، أكره، أمقت، كما لو أنها تريدان تثبت استعدادها للدفاع بشراسة عن سمات صورتها الذاتية الخمس، محددات تعريفها الخمسة”.

      فكما نرى في المقطع السابق عبر استخلاص الفاظ ذات بنية تأثيرية واحدة وصل إلى استنتاج لشخصيته الروائية، وهو أمر مساعد للقارئ، ولمن يكتب الرواية، في تحديد سمات الشخصية الروائية من كل النواحي حتي في الألفاظ لترسم بعداً مفهومياً عند من يتلقاها. وكذلك القارئ بتنمية مهارات التأمل في كل قول للشخصيات سواءاً أكان على المتخيل أو الواقع.

      وبذات النسق والانتقال الموضوعاتي، أي ما يمكن أن أسميه تراتبية موضوعات، ينتقل الكاتب في القسم الأول عبر فكرة الرب التي تنتاب انييس والدخول عبر ذهنها وربط الأمر بالطفولة بأنها كانت تفكر بأن الرب دائماً ما يراقبها، وربط الفكرة مع سردية أنها كانت تشاهد صورة في مجلة، ومن ثم الانتقال وربط مراقبة الرب والعين والواحدة أي الكاميرا والتقاط الصورة وصولاً للفردانية. فترابطية الموضوع تكون كالتالي: بأن السردية هنا تساءل مفهوم من مفاهيم الحداثة وهو الفردانية الذي يتمظهر في الصور حتى أنه هناك مصطلح يطلقه الكاتب في أقسام لاحقة (الصورولوجيين) ومعالجته هنا مغايرة لجانب آخر له تناص معي كقارئ، فهذه السردية خلقت لي تناص مع مفاهيم وفق مرجعيتي بأن الصور تمظهر للفردانية، رغبة في خلق اناه، وصنع ذاته ليرى انجازه، وهذا يرى من خلال هوس من يحبون التصوير لأنفسهم، ولكن الكاتب هنا ينظر للأمر من زاوية أخرى، من خلال أن الكاميرا الآن هي فوق كل شيء عبر ربطها بمفهوم أن الرب يراقب كل شيء، فهذا الوهية الإنسان عبر تقنية الكاميرا، ولكن المعالجة تؤول إلى أن الأمر يدخل في فردانية الشخص، الحق في أن لا أكون عام، متاح لكل الأشخاص، في جعل الوجه سمة مميزة للإنسان، وليس ما تنتجه مجموع الصور لعدد من الأشخاص، ودلالة الأمر كما في سرديته بأنه لا وجوه لهم، ذوبان في لوحة كاملة.

      فما يمكن تلخيصه من هذه القراءة أن الكاتب استطاع استخدام تقنيات الغوص في ذهنية الأسئلة التي نتجت من شخصيته التي يمكن اعتبارها محورية (انييس) عبر الذكريات في الطفولة، والسؤال الطبيعي حول الرب، والانطلاق منها تأملياً في مفهوم التخيير والتسيير، سواءاً لقارئ ذا مرجعية دينية أو غيره، والانطلاق من ذات المفهوم إلى تحديد السمات الشخصية للإنسان وما يكون ضده من تغول الصورة على مميزات الوجه، العلامة المميزة للإنسان. واشارة للانطلاق في مفهوم الفردانية وجذوره عند نسق الحداثة وما يربط بينه وبين الصورة وتمظهراتها على السلوك الشخصي للإنسان.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان