الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في فكر مالك بن نبي

قراءة في فكر مالك بن نبي

Benabi

بقلم : سارة يوسف

كثيرون هم المفكرون في شرق الأرض وغربها ممن طرق موضوع نشوء الحضارات و ممن تداولوا المصطلح ضمن أسس معرفية تناولت التجربة الــبشرية بالفحص والاستقراء ،وبأدوات علمية استجدت في معرفية الإنسان. ومع بداية عصر التراجع للأمة الإسلامية خرجت مقدمة ابن خلدون ووجدناه يلقي نظرة جديدة على التاريخ وهي نظرة السببية ،مدركًا بتلك النظرة معنى تتابع الأحداث من حيث كونها عملية تطور كما حدد الواقع الاجتماعي من حيث كونه مصدرًا لتلك الأحداث وتطورها.
ربط ابن خلدون كل الأحداث العامة والتغييرات الجذرية التي تطرأ على العمران البدوي أو الحضري بوجود أو فقدان العصبية وتعرض لمفهوم العصبية في العمران البدوي ووضح بأنه يوجد صراع بين مختلف العصبيات على الرئاسة وتفوز بطبيعة الحال العصبة الأقوى التي تطمع بعد ذلك إلى ما هو أكثر، وعن طريق الحروب والتغلب تصل إلى مرحلة الملك ، لتبدأ المرحلة الأولى لتأسيس الدولة والمجتمع الحضري. ويرى ابن خلدون أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة “العصبية”وذلك لأن القيم الدينية وصبغتها تذهب بالتنافس الذي في أصل العصبية ،والتفرد بعد ذلك لوجهة الدين .إذًا فهناك تأثير متبادل بين الحضارة والعصبية وهو أنه بينهما بناء وخصائص، فدور العصبية هي نتاج لأسلوب الحياة البدوية ،وهذه العصبية نفسها تؤثر كأداة تغيير في نفس هذا الأسلوب بأن تضع نهاية له وتكون الأساس في تكوين الدولة وبالتالي وجود العمران الحضري.
هذا التوجه لابن خلدون في نشوء الحضارات عائد إلى الإطار البيئي مع نظرته لأن الأحداث التاريخية تعود لظرف تاريخي وواقع اجتماعي معاش ،فكان هذا النتاج الفكري يمثل حدثًا له زمانه وتاريخيته فبيئة ابن خلدون تعود إلى الحياة البدوية التي لها ارتباط من جهة أخرى بالحياة الحضرية .

مالك بن نبي(1905-1937)

اعتبر مالك بن نبي (و هو من ابرز المفكرين الذين عنوا بالفكر الحضاري في القرن العشرين متأثرًا بنظريات ابن خلدون). اعتبر تلك النظرة ضيقة في تفسير النشوء الحضاري، فالعصبية قد تشكل دولة وكيانًا لكنه خارج نطاق الشكل الحضاري- وتكوين نظام اجتماعي طالما هو خارج حدود القيم لا يلبث أن ينقلب على نفسه – وهذا لا يتسق مع ما يبحث عن الشروط الأساسية في تشكيلة المجتمع المثالي. بل أن العصبية في وجودها الكياني ضمن الدولة يمثل سنة لانهيار المجتمعات التي تقف على هكذا قدم.
كما اعتبر مالك بن نبي الفكرة الدينية هي العمود الأساس للمجتمعات وقيامها. ويؤكد أن أول ما يجب علينا أن نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكر في عناصرها ،فهو وجد أن كل ناتج حضاري ينتهي في تكوينه إلى (تراب وإنسان ووقت) ويرى أن المجتمعات إذا ما استطاعت أن تحل الإشكاليات التي تواجه الوقت والتراب والإنسان فقد حلت مشكلة الحضارة،ويثير مالك بن نبي(وهو الكيميائي العارف بعلمه) سؤالًا وهو (انه إذا كانت الحضارة ناتجًا لمجموع الأشياء الثلاثة ،فلما لا تظهر حضارات تلقائيا لمجرد توفير تلك الحدود الثلاثة؟): فيكون اتكاءه على أن نتاج الماء كيميائيُا من الهيدروجين والأكسجين وذلك لا يكون تلقائيًا وإنما يخضع لقانون كيميائي بمشاركة مركب معين. من هنا يضع بن نبي مركب الحضارة وهو(الفكرة الدينية) فيقول (“ولدت المجتمعات التي ما تنفك تسلط حتى هذا الحين انعكاسات حضارتها على الخارطة الجغرافية، وأعني بها: الهندوسية، والبوذية والموسوية والمسيحية والإسلامية، من هذه الانطلاقة الروحية التي أقامت هياكل (براهما) و(بهوة) ومعابد البوذية والكنائس القوطية والمساجد الإسلامية. فلكل هذه الحضارات ـ المعاصرة لنا ـ قد شكلت تركيبها المتآلف، في مهد فكرة دينية”). وامتدت رؤيته حتى مع المجتمعات التي تخلو من الفكرة الدينية،ليفسر نمو المجتمع الماركسي بصورة غير مباشرة على أساس الفكرة الدينية من خلال بديلاتها أي ما تعطي عوضها وروحها في الدفع الاجتماعي.

جعل ابن نبي الفكرة الدينية هي أساس نشوء الحضارة ،أما دورها في معادلة الحضارة فهو المركب الذي ببركته يمكن اجتماع العناصر الثلاثة (الإنسان والتراب والوقت) لكن حلوله الأول في المعادلة هو في الإنسان. إذا ابن نبي يعتبر أن نشوء الحضارة منوط بإرادة الإنسان الحضارية وهذا لا يشكلها إلا إيمان الإنسان بعقيدة تتطلب منه خدمة الإنسان في حضارته وهذا ما تعطيه الفكرة الدينية بأرقى مستوى . القضية إذا في معادلة ابن نبي ليست قضية أدوات ولا إمكانيات بل القضية في أنفسنا فعلينا أولا دراسة الجهاز الاجتماعي الأول أي الإنسان ، فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ. وينبني مفهوم الحضارة عند ابن نبي على اعتقاده الراسخ بأن (” مشكلة كل شعب في جوهرها مشكلة حضارية ،ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها”).ويعطي مالك بن نبي تعريف واسع للحضارة وهو(” توفير مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه.”).

وقد لاحظ بن نبي القصور الذي عانت منه الأمة الإسلامية في فهم الحضارة الغربية وحذر من عواقبه، فالغرب ليس مفهومًا مطلقًا ! بل هو مسألة نسبية ومع هيمنة المفاهيم الغربية لا يمكن اكتشاف أصالة الفكر الإسلامي . كذلك فإن العالم الإسلامي لا يمكن أن يعيش في عزلة وانطواء ،فليس الهدف أن يقطع علاقته بحضارة تمثل وتشكل إحدى التجارب الإنسانية الكبرى بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها.

ويدعو مالك في أغلب كتاباته إلى ضرورة إبداع بدائل فكرية ومناهج مستقلة تتناسب مع البيئة الإسلامية بدل استيرادها ،ويلح على الاستقلال الفكري وأن هناك خصوصيات كثيرة تتميز بها كل حضارة عن غيرها والحضارة لا يمكن استيرادها من بلد إلى آخر رغم استيراد كل منتجاتها لأن الحضارة إبداع وليست تقليد واستسلام وتبعية .وطالما بقي المجتمع الإسلامي عاجزًا عن إيجاد البدائل الفكرية والنهجية والتي تنسجم مع عقيدته وواقعه، فهذا يعني أن هذا المجتمع ما يزال يعاني من التبعية والتخلف ولم ترق أفكاره بعد إلى درجة الاستقلال والتحرر الشاملين وهذا هو الذي يشكل خطرًا علي حاضر ومستقبل المسلمين في نظر ابن نبي لأن (” المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسية لا يمكن على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه ولن يمكن لمجتمع في عهد التشييد أن يتشيد بالأفكار المستوردة أو المسلطة علينا من الخارج …..فعلينا أن نكتسب خبرتنا أي نحدد موضوعات تأملنا،علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق استقلالنا الاقتصادي والسياسي”).
ويوضح ابن نبي أن لكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها ومن أهم الخصوصيات التي ميزت نشوء الحضارة الإسلامية أن نشوءها سببه الوحي الرباني؛ مما جعلها حضارة خالدة خلود المبادئ والتعاليم التي تحملها وتدعو إليها، يقول ابن نبي (“فجزيرة العرب.. لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة يذهب وقته هباء لا ينتفع به؛ لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان،التراب، والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح: مكدسة لا تؤدي دورًا ما في التاريخ؛ حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء – كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن-نشأت بين هذه العناصر الثلاثة (الإنسان + التراب + الوقت) المكدسة حضارة جديدة؛فكأنها ولدتها كلمة “اقرأ” التي أدهشت النبي الأمي، وأثارت معه وعليه العالم”.).

عندما يستعرض مالك بن نبي التاريخ الإسلامي يقسمه إلى فترات ثلاثة:

*الفترة الروحية وهي التي دخل المسلمون فيها إلى حضارة إسلامية وتبدأ ببداية البعثة النبوية ، وهي فترة خضعت فيها كل النوازع للإيمان وغابت كل الأنانيات واندفع المسلم بكل طاقته وكانت شبكة العلاقات الاجتماعية أقوى مما يتصوره إنسان، فالفرد يعيش التوازن الدقيق بين الروح والعقل أو بين الروح والمادة.
الفترة الثانية هي:

*الفترة العقلية وتمثل المدينة الإسلامية كالفترة الأموية والعباسية الأولى وفيها تدون العلوم وتتأسس المدينة ويستبحر العمران وتضعف قليلا شبكة العلاقات الاجتماعية ولكن المجتمع يستمر قويًا بالاندفاع الأول.
أما المرحلة الثالثة هي:

*مرحلة الغرائز والتي يراها ابن نبي أنها بنهاية عصر دولة الموحدين في المغرب وتستمر حتى بداية هذا القرن. والواقع أن الضعف الذي غلب على الأمة الإسلامية إنما هو بعد القرن التاسع وقد عبر ابن خلدون عن هذه الحالة بنبرة الحزن والأسى إذ يقول:(“وكأني بالمشرق قد نزل به ماقد نزل بالمغرب ولكن على مقدار ونسبة عمران،وكأنما لسان السكون ينادي في العالم بالنوم والخمول فأجاب”)

وأصبحت بعد ذلك الأمة في غاية الضعف وأصبحت دوافع الحياة فاترة يعبر عنها قول أحدهم عندما يسأل عن مهمة حياته 🙁نأكل القوت وننتظر) ،وضعفت الروابط الاجتماعية فعالم الأشخاص لا يتألف ضمن منهج تربوي يهتم بالأخلاق ومبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أصبح من الخطابات السعيدة ! وهذا الضعف يقصد به المجتمع ككل ولا يقصد به كل فرد فلا يزال في الأمة (كأفراد) خير كثير ولا يزال الناس في الريف اقرب للفطرة.

كان من نتائج هذا الانفصام الأخلاقي أن المسلم يحمل أفكارًا صحيحة ولكنه لا يستطيع تطبيقها في دنيا الواقع وهناك خلل في طريقة تفكيره فعندما اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية لم يستفد منها المجتمع الإسلامي لأنه لم يكن على المستوي الثقافي الذي يحيط هذا الاختراع بالعناية والمشكلة أن (” مجتمع ما بعد التحضر يسير إلى الخلف بعد أن انحرف عن طريق حضارته وانقطعت صلته بها “).

ويرى مالك بن نبي أن عوائق النهضة الحديثة هي الأمراض الاجتماعية والفكرية التي أصابت المسلمين نتيجة عهود الضعف والانحطاط ويستعرض الكثيرة من الأمثلة لهذه الآفات ،منها أن المسلم أصبح إما أن يرى الأمور سهلة جدًا ولا تحتاج لتعب وفكر وجد أو يرى أن الأمور مستحيلة ويقف أمامها عاجزًا وهي في الحقيقة غير مستحيلة ولكن يضخمها عمدًا حتى لا يتعب نفسه بالحل. كذلك سيطرة النزعة الكمية في المجتمع (“فلا يسأل المؤلف عن الموضوع الذي يتناوله وإنما يسأل عن عدد صفحات الكتاب ،وقد يقع المؤلف نفسه في هذه النزعة فيفخر أنه اخرج كتابًا من كذا صفحة) .ومن الأمراض الاجتماعية التي تطرق إليها ابن نبي أيضًا “طغيان عالم الأشخاص” أي تعلق الناس بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالمبدأ والفكرة! وعندما يرون أن إنقاذهم من الحالة التي هم عليها ب(البطل القادم)الذي ينتظرونه دون أن يقوموا بجهد وهكذا نسمع الخطباء: (أين صلاح الدين؟) فهم يريدون صلاحًا آخر ينقذهم ويلقون على (الرجل النحس) كل ضعفهم وفشلهم . هذا لا يعني إنكار دور الأبطال أو التقليل من شأنهم ولكنها العودة إلى الأصل 🙂 الذي يتعلق بالمبدأ ويقوم بالجهد الجماعي. يركز مالك في أكثر كتبه على هذا المرض ويطالب المسلمين والشباب بشكل خاص بأن يتحول للارتباط بالمنهج لا بشخص معين لأن هذا الشخص مثل الرأس الذي يقود عربات القطار ،فإذا انحرف إنحرف القطار كله. وهناك مشكله أخرى يصفها ابن نبي ب“التعالم والحرفية في الثقافة” فقد عانت مجتمعاتنا في عصور الضعف من مشكلة الأمية ولكنها عندما حاولت النهوض أصيبت بمرض مستعص وهو التعالم أو حمل اللافتات العلمية التي تحولت لزينة تتصدر المجالس وألقابًا للتفاخر ذلك أن نزعة المديح والألقاب قد أسرتنا منذ عهود الانحطاط، ونظرة للصحف الآن التي تعيش على المدح تكفي لنعلم كم نعيش تحت أسر الكلمات الطنانة التي ليست لها معنى.وهذا ضرر كبير على الأمة لأنها تفقد حاسة تقدير الأمور على وجهها ويصبح مثلها الأعلى من هو أقدر على الكلام ولو لم يكن له أي دور اجتماعي ،ويقول مالك: (“وقضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية بل يجب أولًا عملية تصفية نفسية ،وبكلمة واحدة أن يكون التعليم بناء الشخصية”).

الإقــــــلاع باتجاه حضــــارة:

الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه المسلم هو نقطة البدء ، هذا الإيمان الذي يعطيه قوة فوق قوته ، واحتمالًا فوق احتماله ،فيتغلب على المصاعب التي تعترضه ، ويتحول هذا الإيمان إلى عاطفة قوية جارفة. يقول ابن نبي (“ فالروح وحدها هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم ، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير الجاذبية الأرضية”). (فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، ويفقد الإنسان تعطشه الوحيد للطاقة الإنسانية)
هذا الإيمان يصنع المعجزات ،عندما تختفي الأنانيات ويشترك الجميع عن طواعية في بناء حضارة.
وكل الكتب والمحاضرات والخطب لا تكفي لإنشاء أمة لا ترتفع إيمانيًا وأخلاقيًا إلى درجة عالية ، كما جاء في الحديث عن جندب بن عبد الله قال : ( تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا ).

ويقول الدكتور (الكسس كاريل) معبرًا عن هذه الحقيقة : (فالأمل والإيمان والحمية تؤثر في الجسم تأثير البخار في العجلة المحركة )… (وإذا نجحت إحدى الأفكار في تغيير سلوك البشر فذلك لأنها تنطوي على عناصر عاطفية إلى جانب العناصر المنطقية ، إن الإيمان هو الذي يدفع الإنسان إلى العمل وليس العقل ،والذكاء يكتفي بإنارة الطريق ولكنه لا يدفعنا إلى الأمام.)

هذه الطاقة الإيمانية جعلت الفرد المسلم في عصر النبوة يقسم ثروته مع أخيه الذي هاجر إليه ، فالمؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأنصار هي أول عمل تاريخي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده ، ولولا قوة شبكة العلاقات الاجتماعية لما استطاع المجتمع الإسلامي الإقلاع باتجاه حضارة ومن هنا المنطلق.

يقول مالك بن نبي ” أصبح الفرد في المجتمع الإسلامي ، وبسبب ضعف العلاقات الاجتماعية لا تقدم له الضمانات والمبررات التي تجعله يقدم أقصى طاقاته ، وكيف يقدمها وهو يرى الأنانية والتنافس البغيض ، وقلة التشجيع ، والأهم من ذلك هو عدم وجود الخبرة الكافية في العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع! ( ” إن الذي يخطط للنهوض بالمجتمع الإسلامي يجب أن يكون لديه أفكار جد واضحة عن هذه الأمور ،كما أن عليه أن يكون خاليًا من العقد البيروقراطية التي تنتاب الموظف ، ومن أخلاق المغرمين بتملق الرأي العام”) فعملية بناء كيان اجتماعي ليس بالأمر السهل.

*وفي هذه المرحلة المهمة من البناء وبما أن الإنسان في القرن العشرين يؤثر( بفكره ثم عمله ثم ماله) يرى مالك بن نبي أنه لابد من توجيه أمور تحلل مشكلة (الإنسان) في معادلة الحضارة وهي :
*(الثقافة) – *( العمل) – * (رأس المال). .
ويعرف مالك بن نبي الثقافة بأنها (“مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لاشعوريًا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه “) فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته ، وهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة،والتعلم جزء من الثقافة كما أنها نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة.
هذه الثقافة كيف نوجهها ؟ كيف نركبها من أجزائها حتى تؤتي ثمارها ؟ الشرط الأول لتحقيق مشروع ثقافي هو الصلة بين الأشخاص فأساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) و (تأليف) لعالم الأشخاص طبقًا لمنهج تربوي ، أي أننا نريد للثقافة أن تكون وظيفة لبناء جيل مسلم تقوم على أكتافه الحضارة الإسلامية.!
: والعناصر اللازمة للثقافة و التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي
(*عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية – **عنصر الجمال لتكوين الذوق العام *** منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام – ****التقنية أو (الصناعة) حسب تعبير ابن خلدون.)

يتحدث أولًا عن توجيه الأخلاق ويعنى بالأخلاق : (“قوة التماسك اللازمة للأفراد ، هذه القوة التي استطاعت بناء المجتمع الإسلامي الأول ، حتى كان الرجل يعرض على أخيه المناصفة في كل شيء ، وبعض هذه الأخلاق كانت من أسباب بناء المدنية الغربية ، والشباب اليوم ينظرون إلى هذه المدنية في يومها الحالي ويضربون صفحًا عن أمسها الغابر و ينسون أنه لولا صلات اجتماعية خاصة ما قامت هذه الصناعات ولما قام هذا “العلم.
أما العنصر الثاني وهو (الذوق الجمالي) فيوضح مالك انه إذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات ، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته ، وهو شيء مطلوب فوق الضروريات والحاجيات فالذوق الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة ،و إن تربية الذوق الحسن في الأمة هو جزء من ثقافتها ومؤشر على درجة ثقافتها.
ويتحدث مالك بن نبي عن عنصر آخر وهو التقنية أو الصناعة ، فوجودها يدل على درجة التحضر والعلم ، ولابد أن يكون في المسلمين فئة تتقن هذه (الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية ، وتبتعد عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان ،( وهذا يحتاج لمجلس للتوجيه الفني ليحل نظريًا وعمليًا المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعًا لحاجات البلاد). وان الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز.
هذه العناصر التي يرى مالك بن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة.
ويتطرق مالك للاقتصاد ورأس المال فيقول (” فالقضية ليست في تكديس الثروة ولكن في تحريك المال وتنشيطه ،بتوجيه أموال الأمة البسيطة إلى رأس مال متحرك ينشط الفكر والعمل ) – (“والأموال تنفق في توافه الأشياء وتترك المشاريع ذات النفع العام كالمدارس والمستشفيات.. إنها مشكلة توجيه رأس المال” )
ويرى أن المشكلة ليست في المال ولكن في تعبئة الطاقات الاجتماعية ، والرصيد الأساسي هو الإنسان فيقول(“لو سمح لي أن ألخص وجهة نظر عبّرت عنها منذ ربع قرن لقلت أنه ليس من الضروري (ولا من الممكن) أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض ، وإنما ينهض بالرصيد الذي لا تستطيع الأيام أن تنقص من قيمته شيئًا ، الرصيد الذي وضعته العناية الإلهية بين يديه : الإنسان والتراب والوقت ) – (“إن الاقتصاد ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصنع فحسب ، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان ، وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات” ).

فيما سبق حلل مالك بن نبي المشاكل التي تتعلق بالإنسان باعتبار أن له الدور الرئيسي في معادلة الحضارة . ورجوعًا إلى العنصرين الآخرين وهما التراب والوقت يعتبر مالك قيمة التراب في المجتمع مستمدة من قيمة مالكيه في إطار قدرتهم على تسخيره فكلما كانت الأمة تملك وعيًا وفكرًا ناضجًا يعرض لها آفاقًا إبداعية لاستكشاف الطبيعة وإنتاج حاجاتها الاجتماعية في كل قنوات المجتمع يكون حينها التراب ذا قيمة لأنه يؤول إلى شيء ذي قيمة. فالأمر مربوط بالإنسان في فضاءه الثقافي على أن يكتشف قيمة الأشياء التي جعلها الله ـ تعالى ـفيها، وهنا يتأكد دور الإنسان الرئيسي في معادلة الحضارة (لابن بني)، ودور الدين من علٍ عليه ويوجهه إلى السيطرة على الطبيعة، (“فالقرآن والسنة يدعوانه في أكثر من موضع لأن يتحرك من أجل اعتماد هذه العلاقة في تنفيذ متطلبات استخلافه العمراني (أو الحضاري) على الأرض، وهذا لن يتأتى إلا بالنظر العميق في ملكوت السماوات والأرض، والدراسة المتأنية لنواميسه وقوانينه وأسراره، والسعي الدائم وفق الأساليب العلمية، للكشف عن هذه النواميس والقوانين، لتحقيق فهم أكثر لقدرات الله الخلاقة وإيمان أعمق به، ومن اجل استخدام هذه القوانين لتطوير الحياة على الأرض،ومواصلة العمران، وتحقيق مفهوم استخلاف على كل المستويات”)

أما العنصر الثالث من معادلة مالك وهو الوقت ،يقول عنه: (“فالزمن يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، وهو في مجال ما يصير (ثروة) وفي مجال آخر يتحول عدمًا. ..” فهو يجري في الحياة ويرافق تلك الأحداث، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحتها له الأعمال التي أتمت فيه ولكنه على حد تعبيره نهر صامت، حتى أننا ننساه أحيانًا في ساعة الغفلة “)………. ومع هذا فمالك يحذر من الاستغراق في العمل والجهد من أجل الإنتاج حتى ننسى الجوانب المعنوية والنفسية من حياتنا كما حدث في الغرب الصناعي، وكذلك يحذر من الاستغراق في السلبية اتجاه عنصر الزمن بحيث يغدو بغير ذي جدوى، وهو ما يحدث في العالم الإسلامي. فالوقت هو الإطار غير المشهود لاستثمار التراب في حل إشكاليات المجتمع وهو أمام تحدي يؤول به إلى انهيار، فاللحظات تحكم وتكتب تاريخًا، وهذا الحل رهين أعمال الإنسان وإرادته قبل أن تذهب الثواني والدقائق، وتذهب معها حضارة ضياعها نتج عن إفساد ذلك الوقت وإهماله .

هكذا ظهر مالك بن نبي وكأنه صدى لعلم ابن خلدون يهمس في وعي الأمة بلغة القرن العشرين فأظهر أسباب الضعف مع وصف أسباب النهضة ووضع معادلات وقوانين الإقلاع الحضاري ولكن الأمة لم تقلع حضاريًا وذلك إما لثقل حجم التخلف بين أفرادها ومؤسساتها وإما لضعف المحرك المقرر أن يقلع بها وإما لاجتماع السببين معًا! ومع ذلك فقد بقيت هذه المعادلات والنظريات مفيدة للمحركين الذين يهتمون بانطلاق “المشروع الحضاري” للأمة. وبخطاب تجديد غير مجزأ ينطلق من اعتبار الإسلام مشروعًا حضاريًا متكاملًا لا يخص بيئة مكانية ولا ظرفًا زمانيًا ولا عرقًا بعينه

ختامًا 🙂 فإن أهمية فكر مالك بن نبي و ( سمو اجتهاداته ) لم تقابلها بعض الدراسات والبحوث القادرة على النفاذ إلى مقاصدها وهذا ما يدعو إلى ضرورة بذل المزيد من العناية بهذا الفكر وذلك بإعادة نشر كثير من مؤلفاته والتعريف بها ودراستها بعمق وتوظيفها لتحليل وتوليد الحلول المناسبة لكثير من المشكلات الحضارية المستجدة في واقع الأمة.!

المصادر والاقتباسات والنقل:-

كتاب( شروط النهضة) : مالك بن نبي *
كتاب( مشكلة الأفكار) : مالك بن نبي*
كتاب( تأملات) : مالك بن نبي*
فلسفة التاريخ عند ابن خلدون: د.زينب حضيري*
فلسفة النشوء الحضاري :عبد الرازق الجبران*
نقد في فكر مالك بن نبي: محمدالعبدة*

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة