الرئيسية / احدث التدوينات / مفاهيم نيتشوية في رواية كائن لا تحتمل خفته – العود الأبدي (1-2)

مفاهيم نيتشوية في رواية كائن لا تحتمل خفته – العود الأبدي (1-2)

الجزولي

بقلم: الجزولي إبراهيم

 

       العود الأبدي هي فكرة يكتنفها الغموض، وبها أربك نيتشة الكثير من الفلاسفة، “أن نتصور أن كل شيئاً سيتكرر ذات يوم كما عشناه في السابق”.

      هكذا بدأ ميلان كونديرا روايته كائن لا تحتمل خفته، وإن بدايته بهذه المفردات العجيبة وهذا المفهوم الغرائبي لهو أمر مفارق ومفاجئ للقارئ، إذ يدرك القارئ منذ وهلته الأولى إنه محتوم عليه أن يبحث ويعرف هذا المفاهيم، وأنه يواجه عملاً عظيماً يمثل أفقاً كبيراً ورآءه آخر يستنشق من خلالها هذا الإبداع التنويري الذي سيرفع من ذائقته وقدراته، ويفتح له آفاقاً وآفاقاً، وينتشله من هذا السحق اليومي المريع.

     ثم يستطرد كونديرا متعجباً “وإن هذا التكرار بالذات سيتكرر بلا نهاية!” ثم يتساءل : “ماذا تعني هذا الخرافة المجنونة؟. نعم إنها خرافة مجنونة، كنت أتفق معه تماماً لما يشوب هذا المفهوم من لغز واستغلاق، وهو مفهوم ذو أوجه عديدة، ويستخدم و ينوجد في موضوعات شتى، وأذكر أنني عندما قرات العود الأبدي للمرة الأولى في زمن مضى كنت أراه محط هذيان ميتافيزيقي، لكنني أنبه بأن فلسفة نيتشة متشابكة متداخلة لا يمكن فصلها عن بعض، فهي مثل ماكينة ضخمة تحوي عدداً هائلاً من التروس، وسنتناول العود الأبدي باعتباره أحد هذه التروس.

     إن مشروع نيتشة في عموميته يقوم على الحياه والقيمة، وفي كل كتبه بل في كل لحظه من لحظات التفكير لديه نجد مسالة الحياه ومحاولته لخلق تصور جديد لها مفارقاً للتصورات السائدة التي تعادي الحياه وتخنقها بشكل أو بآخر. ويتمثل مشروعه أيضاً في تهيئتنا كبشريين لخوض الحياه ومعايشتها وتحويلها إلى لحظات خلاقة عالية نستطيع من خلالها النظر إلى الماضي والمستقبل دون أن نخضع إلى سيطرة الصدفة أو الأفكار الزائفة، ويعتبر نيتشه أن الحياه تقوم على فكرة الخلق والابتكار والتقويم لذلك نجد أن فلسفته نقدية، فهو أنتقد فكرة التكيف والخمول والانحطاط وكل القيم التي تؤدي إلى احتقار الحياه والحط من شانها. ومن الحلول الأساسية التي يقترحها فردريش لتخليص الحياه من الانحطاط والنزعة العدمية ومن قيم الضعف التي تعتريها هي فكرة العود الأبدي.

      يسحبنا ميلان كونديرا بعنف نحو العودة الدائمة: “هناك فرق شاسع بين روبسبيير الذي لم يظهر سوى مرة في التاريخ، وروبسبيير الذي يعود بشكل دائم ليقطع رؤوس الفرنسيين”. لنتخيل إذاً هذا التكرار المريع لكل فواجعنا وأفعالنا الدامية البائسة، إنه لأمر مهول ومخيف ومهدد للوجود، ولكن لنفكر قبل أن نشرع في أي فعل أو سلوك إنه سيتكرر وينعاد هو نفسه أي أن نجعل من العودة الدائمة إليه من أليات إنتاج الأفعال، وأن تكون بمثابة ايتيقا لأفعالنا وسلوكنا كبشريين، وأن نجعلها قابلة للتطبيق، وأن نتصرف ونحن موقنيين بأن أفعالنا ستتكر في هذا الوجود بنفس الكيفية التي تصرفنا بها في البداية.

      يختم كونديرا ملخصاً فكرته عن العود الأبدي “لنفترض أن هناك كوكباً آخر في الكون حيث يمكن أن نولد مرة أخرى، وأن نصطحب معنا التجربة التي اكتسبناها في هذه الدنيا، ولنفترض أن هناك كوكباً ثالثاً حيث يستطيع كل منا أن يبصر النور مرة ثالثة، مزوداً بالخبرة التي اكتسبها خلال الحياتين السابقتيين، وأن هناك أيضاً وأيضاً كواكب أخرى حيث يمكن للجنس البشري أن يولد من جديد مرتقياً في كل مرة درجة “أي حياة” على سلم الكمال”.

      يقول جيل دولوز في هذا الشأن وهو من أفضل شُرَاح نيتشة: “العود الأبدي هو فكر يعطي قاعدة عملية للإرادة ، لأنه فكر ينتفي، ومن ثم يجعل من الإرادة شيئاً كاملاً يزيل منها كل ما يخرج عن دائرة هذا العود الأبدي بحيث تصبح الإرادة معادلة للإبداع، بحيث تكون عملية النفي نفياً للقوى الارتكاسية في حد ذاتها وبفعل هذا العود الأبدي تصبح العدمية تدميراً للضعفاء”.

      كلما تقدمت الحياه زادت خبراتنا وتراكمت وتوسعت خياراتنا، فالحيوان البشري بوصفه يمتلك وضعاً مميزاً بإمكانه أن يعلو بطريقته وأن يزيد من سعة الحياة، لو قارنا طريقة عيشنا مع الطرائق التي عاشت بها الإنسانية في مسيرتها الطويلة والممتدة هذه سنجد أننا ترقينا درجات ودرجات، ونحن في طريقنا المحفوف بالعقل والإرادة والتدابير المتماسكة نحو المجد والكمال نتيقن الوصول ونعلم أننا في حالة تعبئه قصوى وعلينا أن نستلهم كل ما بإمكاننا.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة