الرئيسية / احدث التدوينات / نافذة مشرعة على الكون

نافذة مشرعة على الكون

مجاهد

     تَأسرهَا الأَمَاكنَ النَائِية، الأَمَاكِنَ القَصية التي تَفصلها عن العالم؛ كالمقعد الأخير في الحافلة، العتمة التي تحجبها عن الكون، الطرقات الجانبية المنزوية، المدن البعيدة حيث تكون غريبة عابرة، الصمت  الذي يقيها التطفل؛ فعلى الدوام تحتفظ بأفكارها لنفسها، تشيد عالماً في مخيلتها ثم تمنحه صفاتٍ تخصها.

      في صباح كل يوم، وبما يتبقى من حلم ليلة سابقة، وبملامح ناعسة، كان أول ما تفعله “نون” حين تستيقظ هو فتح نافذة غرفتها، تجلس هناك – على الطاولة المجاورة للحائط – لبرهة من الزمن، محدقة ومراقبة للأشياء/الكون، وفي كل مرةٍ  تنتبه لتفاصيل جديدة، وربما نفس الأشياء التي لم تحتفظ بها، فلذاكرتها عادة نسيان أحداث كاملة ومهمة من حياتها، الأسوأ بالنسبة لها كان هو فقدانها الشعور المصاحب للتجربة. هذا الأمر الذي انتبهت إليه أول مرة حين وجدت رسومات قديمة تعود لفترة الدراسة الثانوية، ذهلت تماماً، حيث لم تدر متى رسمتهم، أو لماذا توقفت عن الرسم، حيرتها الأسئلة جداً، لكن ما سَبّب لها الكآبة حينها أنها لم تستحضر نوع شعورها/حالتها النفسية عندما كانت ترسم. لذلك بدأت في تدوين مذكراتها.

     وهنا نجد بعضاً من مذكرات “نون” التي كتبتها في فترات مختلفة: 

     الأثنين 30 ديسمبر 2012

     “غداً سيكون أول يوم لي في الجامعة، سأخرج من عالمي إلى عالم جديد عليّ، ترعبني فكرة المجهول هذه…”

    الأحد، 24 مارس 2013

    “هل يا ترى هنالك أمر مميز يخص الكلاب التي تصدمها السيارات؟ فاليوم انتبهت أنها تكون مصابة بالذهول واللا تصديق”

     السبت 1 أغسطس 2015

     “تخيفني فكرة أنني أتقدم في السن، فأجدني أسأل نفسي وما معني ذلك؟ ما معنى هذا الامتداد الزمني. اليوم أكمل عامي العشرين، لكنني لا أحسني أكبر، بل أن  العالم هو الذي يزداد ضآلة بالنسبة لي، لكن بالرغم من ذلك  تداعى إلى ذهني هذا الوصف الذي قرأته في مكانٍ ما: “الفتاة الشابة، الخارجة من نهر الصبا إلى بحر نساء فيها سيتعاقبن…”1 ياااه! لطالما أعتبرت نفسي هذه البنت” 

     الثلاثاء 10 مايو 2016

    “ربما في السفر، يكون للرفقة طعم مختلف، فاليوم في القطار، كان يتملكني شعور آخر عندما بدأ ذلك الشاب في محادثتي، مع أنني لم أقل الكثير إلا أنني استمتعت حقاً بفكرة اللقاءات العابرة، التي تمر هكذا خفيفة على القلب، ولا نطالب فيها بتبادل أرقام الهواتف، أماكن السكن، لا نطالب فيها بالاستمرار، آه لو تعاملنا الحياة بالمثل!”

     “يا له من مشهد بديع، بل أنه طقس احتفالي/مهرجان، ذلك المتمثل في الأطفال الذين يلوحون بإياديهم البضة، على امتداد المسافة؛ كأنهم يمسحون على زجاج لا مرئي منذ اللحظة التي غادر فيها القطار لمحطته في بحري وصولاً إلى عطبرة.” 

     “كان هنالك طفل يجلس مثلي تماماً، في الاتجاه المعاكس لحركة القطار، ومع بدأ القطار في الحركة، أطل برأسه من فوق المقعد أمامي قائلاً: “نحنا متحركين لي ورا!”، كانت عينيه ذات بريق عجيب، جعلني أعيد التفكير في الزمن من منظور مختلف…”

     الخميس 26 يناير 2017

     “الطريقة التي يلاحظنا بها الآخرون مدهشة حقاً، فقد ينبهوك إلى أشياء كنت لا تلاحظها عنك، فاليوم أخبرني صديقي الذي تعرفت عليه قبل قرابة الشهر، وبعد حوارات كانت تستمر لساعات، أنه، ورغم أن أغلب أرائي هي ذاتية، مجرد ملاحظات/انطباعات شخصية إلا أنها تتسم بنظرة نافذة/ناقدة.

     اليوم استيقظت “نون” وصدى حلم يتردد في ذاكرتها، ففي مدة الشهر الأخير، بدأ هذا الحلم يراودها كثيراً، كانت تُجري حوارات متكررة مع أحدهم، ما تعرفه عن هذه الحوارات أنها عظيمة لحد الدهشة، لكنها عندما تستيقظ تكون قد نسيت الحلم تماماً، فقد يتبقى أثره على نفسيتها، لكن اليوم أنسرب بعض من الحلم إلى عالم اليقظة، مقطعاً صغيراً من قصيدة ألقاها عليها الشخص في الحلم، تقول:

أُسَمِيكِ الأَسِئلة، أن:

كَم غَابَة مُحترقة فِيّ،

يطفئها حُضورك.

كَم نَهرٌ يَفِيضُ مِن ثَوبِك.

فأَصِيرُ هكذا…

لهَفةُ مُختبئةُ في المَجَاز. 

     وهي تحدق من النافذة، كانت تسأل نفسها، أهي من اختلقت هذه الأبيات؟ هل ما تحلم به هو ملكها؟ وماذا عن الشخص في الحلم؟… ثم استحضرت تلك الفكرة عن الشاعر الصيني الذي استيقظ من النوم وعنده حلم أنه فراشة، فسأل نفسه هل هو فراشة تحلم بأنها هو، أم أنه هو يحلم  بأنه فراشة. في تلك اللحظة كانت هنالك طفلة في التاسعة تقريباً، بدأت تلوح لنون من نافذة المبني المقابل، انتبهت لها أخيراً، فابتسمت وردت عليها بتلوحية، واشعلت في ذهن نون فكرة وجدتها عظيمة، لتنتقل  بعد لحظات قليلة إلى مذكرتها وتكتب:

     الأثنين 13 مارس 2017

     “النوافذ هي عوالم مستقلة، تشبه اللوحات، بالأحرى هي لوحات في نفسها، ففي اللحظة التي كنت أحدق فيها من نافذتي معتقدةً أنني أرى الكون كله، ربما كنت في عيني الطفلة مجرد فتاة في لوحة، ومن ثم يتملكني هذا السؤال عن عدد الحيوات في اللوحات/النوافذ”.

     بعد الإنتهاء من تدوين هذه الملاحظة، أغلقت نون دفتر المذكرات، ومن مشغل الموسيقى شغلت معزوفة  Le Onde²، المعزوفة التي تشربتها خلال الأسبوع الماضي، كانت تسمعها قرابة التسع مرات يومياً، أرادت أن تحول هذه الموسيقى إلى لغة أخرى، إلى لغة جسدية، شكل تعبيري، عن العوالم التي تخلقها بداخلها، وها هي الآن – بعد مرور ثلاثة عشر ثانية من بدء المعزوفة – تبدأ بالرقص عليها، تصنع تموجات بكلتا يديها، يعلو جسدها ويهبط، تتكاثف غيمات في الغرفة، ومن ثم يفيض الماء من جسدها، وشيئاً فشيئاً تتحول إلى موجة…

___________________

1/ “الفتاة الشابة الخارجة من نهر الصبا إلى بحر نساء فيها سيتعاقبن…”: مفتتح قصة قصيرة بعنوان مصائر لأبكر أدم إسماعيل.

2/ Le Onde  = الموج، مقطوعة موسيقية للإيطالي Ludovico Einaudi

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان