الرئيسية / احدث التدوينات / سينما: إبن عربي ودریدا وإثنا عشر رجلاً غاضباً: قراءة عن التصوف والتفکیک في فلم (12Angry men)

سينما: إبن عربي ودریدا وإثنا عشر رجلاً غاضباً: قراءة عن التصوف والتفکیک في فلم (12Angry men)

وقاص

      هل تعتقد أنک علی حق؟! هل حصل وکنت متأکد حول معرفتک لأمر ما؟ حسناً، هذه هي المشکلة؛ ملایین الناس یعتقدون أنهم علی حق في نفس اللحظة، وبآراء مختلفة!، الملایین متأکدون! ینظرون إلی اللوحة ویعتقدون أنهم یرون کل شئ فیها، یصدقون الأشیاء لمجرد أنها مرتبة بطریقة منطقیة، لا یشککون فیما یعرفونه، وبذلک لا یعرفون أبداً ما یجب أن یشککو فیه!  لا یدرکون أن أکثر لحظة یکون فیها الشخص مخطئاً هي حینما یعتقد أنه محق!

      یحذرنا الطیب صالح من هؤلاء الأشخاص الذین یجذمون تمام معرفتهم بأمر ما، بینما یدعونا إبن عربي للتحرر دائماً من النسق، وعدم الإیمان بالحقائق الجاهزة المعلبة. أما الفیلسوف التفکیکي “دریدا” فیؤمن بامتناع الحقیقة الواحدة عن المثول والتمظهر، لکنه یقر بإمکانیة خلع ثوب الوهم عن الحقائق المزیفة حولنا. وکذلک یقول الکاتب الفرنسي “بییر دانینوس”:(الذین یدعون أنهم یعرفون بلداً بطريقة جيدة هم أولئک الذین لم یقضو به غیر إسبوعین ثم غادروه، وما حملوا في حقائبهم سوی آراء جاهزة لقنت لهم، أما أولئک الذین یعیشون حقاً في ذلک البلد فیدرکون یوماً بعد یوم أنهم لا یعرفون إلا عکس ما عرفوه من قبل”.

      إذا کنت سأمدح هذا الفلم فسأقول أنه أفضل فيلم في التاریخ! ربما ستندهشون من تقییمي هذا؛ فهو فلم مصور كله في غرفة واحدة فقط تدور فیها کل الأحداث! وأصل الأحداث عبارة عن حوارات فقط بین هؤلاء الإثنا عشر رجلاً، بمعنى أن الفيلم هو ساعتین من الکلام تلو الکلام تلو الکلام! فکیف یکون فلم کهذا الأفضل في التاریخ؟! حسناً، سأقبل تشکیککم في كلامي برحابة صدر؛ لأن قضية الفلم الأساسية هي التشکیک، العصف الذهني، التمرد على کل ما تعرفه، في سبیل خلع الأوهام واکتشاف حقیقة الأشیاء.

     یبدأ الفيلم بانتهاء جلسة المحاکمة، ینتقل أعضاء لجنة المحلفین إلی غرفة مغلقة لیقیموا اجتماعهم الذي سیحددون فیه إذا ما کان المتهم مذنباً أم لا، وعلی القرار أن یکون باجماع الأعضاء، یقررون أخذ استراحة قصیرة قبل بدء إجتماعهم، وأثناء الإستراحة یتکلمون ویثرثرون عن وضوح القضیة وسهولتها، وأن الولد قد قتل أباه بلا شک، وأنه لابد من إعدام أولاد کهؤلاء، ثم یتذمرون وینزعجون من هذا الزمن الذي یقتل فیه الأبناء آبائهم، لکنهم یبدون ارتیاحهم أیضاً أن الإجتماع سینتهي سریعاً نسبة لوضوح القضیة، وتأکد الجمیع من أن الولد مذنب، ثم یبدأ الإجتماع بالتصویت فیقول رئیس اللجنة: “من یعتقد أن الولد مذنب فلیرفع یده” فیرفع الجمیع أیدیهم، إلا شخص واحد فقط، “شخص واحد فقط شکک فی هذه اللوحة التي یراها الجمیع بوضوح”. لتلتفت العیون نحوه باندهاش واستغراب.

     ینزعج الجمیع من هذا الشخص المعترض، ویسألونه: “هل تعتقد فعلا أن الولد غیر مذنب؟” فیقول: “لا أعرف .. ربما هو مذنب بالفعل!” فیندهشون ویسألونه لما إذن لم لم یصوت معهم، فیصمت محتاراً ثم یقول: “لا أعرف شیئاً لا تعرفونه، أعرف بقدر ما تعرفونه بالضبط، طبقاً للشهود والأدلة الولد یبدو مذنباً، ربما هو مذنب بالفعل، لقد جلست في المحکمة لستة أیام أستمع للمرافعات والشهود والأدلة وهي تتوالی، الجمیع بدو متأکدین جداً من قتل الولد لأبیه، بدو متیقنین من ذلک لدرجة أني استغربت من یقینهم هذا ! لا یمکن لجماعة أن یکونو بهذا الیقین والتأکد من أمر ما، لا یوجد یقین کهذا!”.

      إذن یرفض هذا الشخص – وسط إثنا عشر شخصاً – الرضوخ للنسق والوضوح. یرفض الحقیقة الجاهزة، لیس لأنه متأکد من براءة الولد، بل لأنه خائف من أن یکونوا مخطئین فیرسلوا ولداً بریئاً الی المشنقة. لذلك یدعوهم للمزید من التفکر حول هذه القضية. معرضاً نفسه للسخریة والإهانة والتعنیف من الجمیع، فیبدأ منذ تلک اللحظة صراعاً عظیماً مع باقي أعضاء اللجنة تتکشف علی إثره الکثیر من الحقائق والخبایا، وینخلع شیئاً فشیئاً ثوب الوهم عن أنظارهم.

     في نفس الفترة التي کنت أقرأ فیها کتاباً یتحدث عن مقارنات ومقاربات بین المنهج الصوفي والتفکیکي شاهدت بالصدفة هذا الفيلم للمرة الثالثة، لتلوح لي الکثیر من الروابط بينهما، بالأخص الصراع بین الشخص المعترض وباقي الأعضاء، هذا الصراع الذي یمکن أن نناقشه بطریقة أفضل على ضوء منجهي التصوف والتفکیک، وبنموذجي الشیخ الأکبر إبن عربي والفیلسوف التفکیکي دریدا, وبذلک ستفهمون لماذا أضفت شخصين آخرين إلی الطاولة التي یجلس عليها إثنا عشر رجلاً غاضباً.

      التصوف والتفکیک منهجین متعارضین ظاهریاً. ولکن بینهما الکثیر من الأشیاء المشترکة، فالتصوف منهج إسلامي یهدف إلى البحث عن الله / الحق/ والحقیقة/ بعیداً عن النظرة التقلیدیة له، وبدون اختزاله في صورة معینة أو بإحاطة معینة، بمعنی أن اتساع الله/ الحقيقة/ لا متناهي ولا یمکن حصره، إذ یقول ابن عربي أن الفلاسفة واللاهوتیین یحدون الإتساع الإلهي ویضیقونه بنسبة الصفة إلیه وهو بلا صفة، أما التفکیک متمثلاً في دریدا فاختلافه عن التصوف هو أنه منهج إلحادي لا یؤمن بوجود إله، بمعنی أنه لا یؤمن بوجود حقیقة واحدة نهائیة، إذ يفترض موت الکاتب وانفصاله تماماً عن کتابه، فیصبح المعنی مفتوحاً علی کل التفاسیر، ولکنه في نفس الوقت یتبع نفس طریقة النقد والتحلیل التي یتبعها إبن عربي. وبطریقة مختصرة فابن عربي یؤمن بوجود إله، لکنه لا متناهي وغیر قابل للإحاطة، بینما یؤمن دریدا بعدم وجود إله /أو معنى للنص، لذلک یکون المعنی لا متناهي، فمعنی الکتابة عند دریدا حاله حال الحق عند ابن عربي ممتنع عن التقیید والتحدید ولا متناهي. فالذي یشترکان فیه ابن عربي ودریدا أنهم یبحثان عن الحقیقة بمعزل عن الحقیقة بمعنی أنهما یقولان أن الله/أو الحق/ أو الحقیقة؛ لا تعرف بإثباتهما وإنما بنفي الصفات عنها. بمعنی أننا لا نستطیع أن نقول أن “هذه هي الحقیقة”، ولکننا نستطیع القول “هذه لیست الحقیقة”. أي بإمکاننا تمییز الوهم ونفي الحقیقة عنه.

      إذا طبقنا المنهجین علی الفلم فسنجد أن الشخص المعترض إستخدمهما في مجادلاته مع باقي الأعضاء؛ فهو لا یعرف إذا کان الولد مذنباً أم لا، “أي أنه لا يعرف الحقيقة”، لکنه تجاوز هذا الأمر إلی مناقشة معطیات القضیة وأدلتها، وعمل علی تفکیکها وتمحيصها واحداً واحداً، لیثبت أن کافة الأدلة الموجودة هنا لا تکفي لإثبات التهمة على الولد. بمعنی أنه حتی لو کان الولد قد قتل أباه فعلاً فعلیهم أن یحضرو أدلة أخری ولیست هذه الأدلة الضعیفة، (وهذه هی الکیفیة التي یتعامل بها الصوفي والتفکیکي مع الحقیقة؛ بإسقاط ما حولها من الزیف والأوهام وبنفي الصفات عنها وتنزیهها).

    لذلک قال الشخص المعترض لباقي الأعضاء أن الولد ربما هو مذنب فعلاً لکن هذا لیس المهم! المهم هو أن یتناقشوا حول الأدلة التي تؤکد ذلک، لیتأکدوا تماماً من صحتها، بمعنی أنه سیفکک اللوحة التي رآها الجمیع في المحکمة وصدقوها تماماً إلى أجزاء صغيرة. وقد کانت الأدلة التي تثبت قتل الولد لأبیه هي: سکین الولد الممیزة والفریدة من نوعها التي وجدتها الشرطة مغروسة في بطن الأب، وادعاء الولد أنه في وقت الجریمة کان في السینما، ورغم ذلک لم یتذکر الفلم الذي کان یشاهده. كذلك إثنان شهود؛ امرأة قالت أنها رأت الولد عبر النافذة یقتل أباه، ورجل قال أنه سمع الولد یهدد بقتل أباه ثم بعد ثواني سمع سقطة علی الأرض. هذه هي الأدلة التي جعلت جمیع أعضاء لجنة المحلفین متأکدین من قتل الولد لأبیه، والتي تبدو لوهله أدلة دامغة وتثبت لأي شخص أن الولد مذنب، لکن الشخص المعترض کان له رأیاً آخر حولها، فقام بدحضها دليلاً تلو الآخر؛ أولا بالنسبة لدلیل السکین الممیزة والتي یظن الجمیع أنه لیس لها شبیه في البلده فقد أخرج الشخص المعترض سکیناً تشبهها تماماً قائلاً أنه اشتراها من متجر قریب! بمعنی أن السکین التي قتل بها الأب ربما لیست سکین الولد ذاتها، ثانیاً عدم تذکر الولد لاسم الفلم الذي شاهده في السینما فقال أن هذا طبیعي نسبة للضغط العصبي الذي واجهه أثناء استجوابه الأول. أما بالنسبة للرجل العجوز الذي قال أنه سمع تهدید الابن ثم سقوط الأب فقد قال الشخص المعترض أن هناك قطار مر بجوار المنزل أثناء لحظة القتل، فکیف یستطیع الرجل العجوز أن یسمع ویمیز تهدید الولد لأبیه وکذلک سقطة الأب أثناء ضوضاء وهدیر عجلات القطار؟ فیسأله حینها أحد الأعضاء: “إذا لم یکن الرجل العجوز قد سمع هذه الأصوات بوضوح فلماذا یکذب في الشهادة ویدعي أنه سمعها، لماذا یکذب رجلاً عجوزاً في شهادة محکمة” حینها یجاوبه رجل آخر بجواب جمیل وتبریر عظیم فیقول: “الاهتمام! الرجل العجوز ربما کذب لیکون موضعاً للاهتمام، لقد نظرت الیه مطولاً، سترته کانت ممزقة تحت الکتف، أعني کیف یأتي رجل عجوز بسترة ممزقة الی المحکمة، ما لم یکن لا یملک غیرها، وقد کان یسیر ببطء إلى المنصة، کان یسحب ساقه الیسری محاولاً إخفاءها لأنه کان خجلاً، أظنني أعرف هذا الرجل أفضل منکم، هذا مجرد رجل عجوز بسیط وخائف، لم یكن شیئاً مهماً في حیاته کلها، لم یسبق أن قدره أحد ولا ذکر اسمه في صحیفة، لا أحد یعرفه أو لاحظه من قبل، وطوال عمره لم یطلب منه أحد خدمة أو نصیحة، مجرد رجل نکرة، وکم من المحزن أن تکون نکرة. رجل کهذا یحتاج أن یلاحظه أحد، أن یستمع له أحد لمرة على الأقل، هذا شيء مهم لرجل عجوز کهذا. لذلک حینما قدم شهادة خاطئة في المحکمة هو لم یکن یکذب حقاً؛ بل فقط أقنع نفسه أنه سمع تهدید الولد ثم سقوط الأب. فقط ليكون موضعاً للاهتمام!”

     أما بالنسبة للمرأة التي قالت أنها رأت الولد یطعن أباه بالسکین من نافذة منزلها فقد قال نفس الرجل أنه من المستحیل أن تكون قد رأته فعلاً من کل تلک المسافة، لماذا؟! لأنها لم تکن تلبس نظارتها الطبیة! فسأله أحدهم کیف عرف أنها تلبس نظارة طبیة!، فقال: “لأنها کانت تفرک مکان النظارة في وجهها کثیراً أثناء جلوسها في المحكمة” فسأله “ولماذا لم تأتي للمحکمة وهي تلبس النظارة؟” حینها أتت إجابة رائعة منه أیضاً، إذ قال: “هذه المرأة عمرها 45 سنة، ولکنها بذلت جهداً کبیراً لتبدو في ال 35، إنها أول مرة تظهر فیها أمام کل هؤلاء الناس، لذلک استعملت مکیاج ومساحیق تجمیل وشعر مصبوغ وملابس امرأة أصغر سناً، وبالتأکید لن تلبس نظارة طبیة. النساء یفعلن ذلک، النساء یردن أن یظهرن بشکل أصغر سناً”.

     وهکذا اهتزت الأدلة جمیعها. وتساقطت المعرفة الزائفة أمام إعمال العقل والتفکر، واضمحل الیقین شيئاً فشيئاً عن باقي أعضاء اللجنة، فصار أغلبهم مثل الرجل مشککین في هذه الأدلة، وأنها غير كافية لإثبات التهمة. بمعنی أنهم انتقلوا من مرحلة الیقین إلى مرحلة الحیرة، والحیرة تعتبر من المراتب العظيمة والعالية عند المتصوفة، إذ تعني الابتعاد عن الأشکال والقوالب التي نری بها الله “أو الحقیقة”، فالحق لا متناهي ولا یمکن حصره، وما الحیرة إلا دلیل الإبتعاد عن الزیف، إذ یقول ابن عربي “اللهم أصب بالحیرة والذهول الحدود البسیطة التي حاولت حبسک فیها”. أما دریدا “التفکیکي” فالحیرة بالنسبة له هي الأصل؛ لأنه ما من مرکز حقیقي/ أو معنى حقیقي/ أو حقیقة نهائیة واحدة. فالأصل هو الشک الدائم في المعرفة وفي المعنى.

      اعتقد أن أهم ما حصل أثناء حوارات لجنة المحلفین، وأثناء اهتزاز الأدلة وانکشاف الزیف والأوهام هو ظهور الأسباب التي تؤدي لتکون هذه الأوهام. الأسباب التي تجعل الشخص یحمل معرفة زائفة أو یشهد شهادة خاطئة أو یکذب أو یعتقد أنه علی حق، أو حتی یصر إصراراً دوغمائي متشدد علی رأیه الخطأ. فمثلاً السبب الذي جعل الولد يعترف بأن السکین المستخدمة في القتل هي سكينه هو فقط لأنها تشبهها، والسبب الذی جعل العجوز یظن أنه سمع جریمة القتل هو جریه وراء اهتمام الناس وسماعهم له. والسبب الذي جعل المرأة تعتقد أنها رأت الجریمة هو لأنها لم تکن تلبس نظارتها، وسبب عدم لبسها لنظارتها في المحکمة هو لتصغیر نفسها، وحتى بعد اقتناع معظم أعضاء لجنة المحلفین بضعف الأدلة تبقى إثنان لم یقتنعا، بل وأصرا أنهما على حق، وأن الولد مذنب. ولتعنتهما وإصرارهما الغبي أسباب طبعاً؛ فالأول لأنه یحمل ضغینة للأولاد المشردین وأنهم مجرمین بالفطرة، وأن الولد منهم ولابد أنه مذنب! وأما الرجل الآخر فکان مصراً نسبة لأسباب عاطفیة، فقد كان له ابناً، تشاجر معه قبل سنتین وضربه ثم هرب ولم یره من حینها.

     کل هذه الأسباب شيدت في هؤلاء الأشخاص معرفة خاطئة مزیفة، جعلتهم یعتقدون ویتیقنون أنهم على حق، وأعمتهم عن الحقيقة، أما الذي جعل الرجل المعترض في البدایة لا یصوت على أن الولد مذنب هو سبب واحد، الإنسانیة! الإنسانیة منعته أن یرسل ولد إلى الإعدام ما لم یهز الأدلة ویتأکد من قوتها وإثباتها للتهمة. ولذلک نجی الولد من الإعدام؛ لأن أعضاء لجنة المحلفین دخلوا إلى الغرفة متأکدین، وخرجوا منها غیر متأکدین، إنها الحیرة عند المتصوفة، إنه الوصول.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .