الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: أحوال: حينما يحاول الشعر تخليص اليومي من رتابته

قراءات: أحوال: حينما يحاول الشعر تخليص اليومي من رتابته

الغلاف

      في الفترة الأخيرة لم أعُد أقرأ الشعر كثيراً، صِرتُ – ببساطة – أتهرب منه. لذلك لا أدري إذا ما كُنتُ قادراً على إبداء رأيي في مجموعة شعرية بأكملها، كهذه المجموعة الصادرة حديثاً، والمسماة بـ “أحوال… لأن الحياة ليست هكذا” للشاعر محمد عمر جادين، فلكل قصيدة فيها فرادتها التي لا تقبل أن نختزلها، ولكني سأحاول ذلك – كقارئ – عبر هذه الملاحظات البسيطة:

      تهجس المجموعة وقصائدها بالزمن وثِقله لأسباب متعددة: منها نمط العيش الاستهلاكي، وتكراره الذي لا مفر منه…، فمنذ العنوان الرئيسي “أحوال” مروراً بالعناوين الفرعية – والتي للمفارقة هي أكثر شاعرية من عناوين القصائد التجريدية والمباشرة، التي تختزل النص فقط دون أن تضيف إليه شيئاً. أظن أن “مجتزأ من سيرة الوقت” هو عنوان مناسب للمجموعة ككل.

      يمكننا أن نصف رغبة ومهمة الشاعر في التخلص من تلك الرتابة – تنتهي المجموعة بتحقق تلك الرغبة: التحرر – وتلك هي مهمة الفن – بكلمة واحدة: الجمال – فهو يقوم بفتح نوافذ تخلصنا، وتمنحنا لحظات خالدة  كما في قصيدة “انفلات”.

      لكل قصيدة من قصائد أحوال زمنها/ إيقاعها الخاص، وبعض القصائد مثقلة بالمفردات والمفاهيم الزمنية، وبالإيقاع الرتيب الناتج من استخدام متتابع لجمل فعلية – يؤخر ذلك قوة ودهشة المعنى والصورة، وأحياناً يطغى الذهني والتجريدي على الشعري والملموس. مثلاً في قصيدة “خيبة”، يتكرر ذات التركيب للجملة في سطور متتالية:

لذلك ها نحن نفني أعمارنا

في اللهاث خلف سرابها

الذي تخفي وراءه كنهها

ويمنعنا من إدراكها

     ولكن قد ينجح ذلك الأسلوب كما في قصائد تسرد مشهداً أو قصة، مثل: “أثر في رمال المكابدة”، ففيها يمتزج جيداً الشعري والقصصي، تحديداً عند النهاية المفاجئة. ولكنه في قصائد أخرى ك “نافذة تطل على اللا شيء” يشوه معمار القصيدة، فهي مليئة بأفعال ذات تتابع وأثر زمني “تزهر الخيبات، يورق العطب، تتدلى، تنوح، تعصف، تتساقط، تضيع، تجلس، يسود، يغيب…”، لذلك يمكن اختصار بعض القصائد التي تحمل موضوعة معينة، بتكثيف تلك الثيمة في جمل وصور سريعة، لتصير أكثر تأثيراً كأن تكون “مُنهك هو الوقت، ولا أمل لي في الخلاص”.

      أعجبتني وأدهشتني قصائد عديدة؛ أراها مكتملة بشكل ما: كـ “رهق” ، “أثر في رمال المكابدة”، “نافذة تطل على اليومي”، الصفحة الأولى من “تجوال”، وبالطبع “لهاث” و”نضج”، و”انفلات”، مفتتح “تجاهل”: الصورة المدهشة لشارع يتحسس ندوب أحدثها المارة، ولكن لماذا التوضيح “فيدرك كم أنهم كانوا قساة… “؟. وقصيدة “اكتمال” التي تحمل فكرة مدهشة: أثر القول والكلمات المضبوطة – لا أحد يعرف ذلك أكثر من الشعراء -، وأيضاً هنالك “نزوع أول”، وقصائد أخرى.

     هل من الممكن أن نتحدث عن الصفات، لا أدري؟ أظن أن استعارات وتشبيهات أي شاعر – مجازه – هي شيء مقدس بالنسبة له، ولكن ماذا عن الصفات؟ “فأنا لدي حساسية تجاه صفات كـ “مقيت، باذخ” – وهذا انطباعي كقارئ، لا أرى أنها تضيف شيئاً، ربما يمكن استبدالها – وهذا تدخل غير مسموح به بالنسبة لي عدا عند فعل القراءة – بالطبع لدي الشاعر حساسيته اللغوية، ووجهة نظره فيما يخص ذلك. في النهاية، إنه مجرد رأي.

     سأعود مرة أخرى إلى (الذهني، الشكل، والصوت)، هنالك شاعران، يعرفهما الكثيرون جيداً: بورخيس ودرويش. كونت موضوعات ذهنية عديدة ثيمات لقصائدهم: الزمن والمرايا ونظريات القراءة والكتابة عند بورخيس، وكذلك بعض قصائد درويش. لكن تناولهم ذاك كان في الغالب ذاتياً، عن أثر تلك الموضوعات داخلهم – وهنا يكمن الشعر – وشاعرنا يفعل ذلك في قصائد ك “انفلات” مثلاً، حيث نسمع فيها صوتاً متحرراً بالفعل من قبضة الزمن، ولكن في قصائد أخرى ك “حصار” يتغلب الذهني على الحميمي والذاتي. ربما عند الإلقاء والقول تكتسب تلك القصيدة نبرتها، ولكن على القصيدة أن تكون – إلى حد ما – كونية، يمكن لأي قارئ أن يستمع إلى صوتها ونبرتها؛ شعورها المعين. مثلاً في “نافذة تطل عليّ”: يخاطب الشاعر ذاته، أو ذات شخصية ما. قد تكون تلك تقنية سردية جيدة، لكن هذا الابتعاد والإزاحة يبعدان كذلك الحميمية والأثر.

     في الختام يمكن القول بأن النزعة القصصية التي لا تكتمل أحياناً، المفردات التي تتكرر باستمرار، الكلمات والاوصاف التجريدية المستخدمة داخل القصيدة دون أن تلحق بسياق يمنحها معنى وشعرية مغايرة، وتغليب الذهني والموضوعي على العاطفي والذاتي أحياناً. تشكل أبرز عيوب القصائد لدى محمد جادين، وبالتأكيد هو قادر على إصلاحها وتجاوزها في قادم إنتاجه، ونحن ننتظره بشغف بلا شك.

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان