الرئيسية / احدث التدوينات / مساع عبثية: المحاكاة

مساع عبثية: المحاكاة

مأمون

      نعرف؛ منذ بورخيس ورولان بارت، أن كل عمل فني متشظ زمنياً، وأنه لا وجود لذلك العمل الكامل؛ وأن اسم المؤلف، الشكل المادي للكتاب، والاطار الزمني للفيلم، كلها حيل لإيهامنا بوجود مثل ذلك العمل المنغلق والمكتفي بذاته – أي ايهامنا بوجود صانع واحد وبالتالي عمل واحد، وبفضاء معين ومحدود للعمل – لكن كما هو معروف أيضاً فان كل رواية، فيلم، قصيدة هي نتاج امتزاج لأزمنة ومؤثرات عديدة وتلقيها حسب تعبير بارت – هو المكان الذي تتبعثر فيه – وبحسب بورخيس –  هو المكان حيث يعاد خلقها -. لا تتوقف هذه الفكرة عند حدود وصف العلاقة بين نصوص قديمة وأخرى حديثة فقط وانما تقوم أيضاً بالتركيز على وجود زمنين مختلفين، ينفصلان ويتصلان: زمن الكتابة وزمن القراءة.

      انطلق بورخيس من الفلسفة المثالية، ومن عماه الخاص ليكون هذا المفهوم عن فعل القراءة، وليثبت أيضاً أن كل قراءة هي كتابة بمعنى ما “لا حروف في صفحات الكتب؛ لكنها تنبثق عندما أفتحهن، أياً كان من يقرأ كلماتي هذه، فقد اختلقها بنفسه “بينما اشتغل بارت على التحليل البنيوي للغة، وعلى مراقبة طويلة لتلك اللعبة المسماة “الأدب”، مستكشفاً قواعدها وهي لعبة لا يمكن مراقبتها من الخارج، لا بد من خوضها، وهذا ما شكل حيلته؛ طريقته في الكتابة: التناوب المستمر بين القراءة والكتابة داخل نفس النص.

     التنظيرات المتنوعة والعديدة لهذين الكاتبين – اللذان يلتقيان في نقاط أخرى كثيرة – ساهمت في ازاحة مفاهيم التلقي القديمة والعقيمة، وقامت بتحرير القارئ والسماح بتقديم قراءات مشاغبة للأعمال الفنية، وهذه احداها: محاولة لوضع شخصيات في نصوص مختلفة – تتقاطع في فكرة معينة – جنباً إلى جنب، لتغني وتفسر كل منها البقية بشكل متبادل:

     امبراطورية شاسعة، وثلاث شخصيات رئيسية في – فيلم، رواية، وقصة – سيجربون ذات المسعى: محاكاة كاملة لذواتهم، لأسباب مختلفة وبطرق مختلفة، وجميعهم سيفشلون.

      تحاول الامبراطورية أن تستنسخ نفسها، أن تسجل بدقة كل تفصيل منها داخل خرائط تسع مساحتها وتتطابق مع الامبراطورية نفسها، هذه فكرة إحدى أمثولات بورخيس “في الصرامة في العلم” التي يمكن قراءتها كرمز للمحاكاة؛ أي للعلاقة بين الواقع المادي وتجريده الذهني  – اللغة/ الأشياء ، الفن/ الواقع … -، ففن رسم الخرائط في تلك الامبراطورية يبلغ من الدقة حد أن خريطة اقليم كانت تشمل مدينة، وبعدها صارت خريطة الاقليم تشمل اقليماً وخريطة الامبراطورية تطابق مساحة الامبراطورية، لكن سيجي زمن حيث يتم التخلص من كل تلك الخرائط واستبدالها بما يمكن تسميته “خريطة” بالفعل ، تعود لوظيفتها الأساسية: عرض للمكان بمقاسات تقريبية.

     استخدمت الامبراطورية فن الرسم، بينما سيستخدم أنطوان روكنتان كتابة اليوميات لصنع خريطته، ليسجل يومياً كل تفصيل وكل انطباع له عن علاقته بالعالم والأشياء وكل ما يراه داخل يومه سواءاً كان تافهاً أو مهماً، هذا ما أراده بطل “الغثيان” لسارتر، وما عدل عنه بعد صفحة واحدة ومحاولة بسيطة كشفت له أن هذه ليست الوسيلة الأكثر فعالية لمواجهة حياته واصدار حكم دقيق بشأنها، وأن من الأفضل له أن يدون ما هو مهم وما يحدث من تغيير حقيقي بداخله أو في الخارج – المفارقة أن هذا الشخص المهووس بمراقبة حياته لحظة بلحظة، يشتغل أيضاً على كتابة مؤلف عن شخصية تاريخية، ويتتبع حياتها عبر كتب التاريخ واليوميات، إن شخصاً يعرف أن حياة المرء لا يدركها تماماً إلا هو، سيسخر بالطبع من فكرة التاريخ والشخصيات التاريخية.

     الفرق بين روكنتان وبين بطل فيلم ” seyndoche , newyork ” – أننا لا نرى روكنتان إلا عبر عينيه وادراكاته؛ كلماته. ورغم  أن أوراقه مكتشفة من قبل آخر إلا أن ذلك الآخر لا يتدخل سوى في الهوامش، وذلك لتوضيح بعض العبارات الملتبسة والفراغات. إننا نرى روكنتان في الغالب أثناء قيامه بالمحاكاة، بالكتابة، ونحاول أن ننفذ عبرها إلى حياته. أما فيليب سيمور  هوفمان الذي يؤدي دور مخرج مسرحي يقوم بتحويل حياته كاملة أو جزء منها – بامتداداتها الزمنية والمكانية – إلى مسرحية – سنشاهد الأصل والمحاكاة؛ يعرض الفيلم ذلك الجزء من حياته ومن ثم تحوله إلى جزء من المسرحية التي لا ينتهي اعدادها أبداً، وتظل كما هو متوقع في طور الإعداد أو في ذهن صاحبها – هو يختار الشكل الأمثل للمحاكاة – فالمسرح يتطلب حضوراً جسدياً مباشراً (التمثيل)، ويأخذ بالاعتبار ثقل الوجود هنا والآن – لكن هذا الاختيار الأكثر دقة وصعوبة سيواجه بعوائق عديدة. أولى بطل المسرحية اهتماماً مبالغاً فيه لتفاصيل حياته، ونحن سنتجاهلها، وسنجازف بالمرئي، بكل تلك الأجساد والهويات والحوارات وتكرار الأمكنة، أي بالفيلم نفسه، وبكل ما يجعل المشاهد في بلبلة وحيرة – لأن ما يهمنا ليس كون زوجته وابنته هجرتاه، وأنه لكي يعوض ذلك ينشئ عالماً خيالياً، فهذه تفاصيل تافهة بالنسبة لمهمته التي يدفعها أيضاً وسواسه القهري وخوفه المرضي من الموت. المفارقة هاهنا أن عالمه الخيالي أكثر ثراء من عمله الفني، غير المعين تماماً ما إذا كان داخل عالم خيالي ذهني أم واقعي – وسنتجه إلى العائق الذي واجه عمله الأبدي: بحثه عن بدائل:  في البدء هنالك شخصية متخيلة ستؤدي دوره في المسرحية، لكن لأن تلك الشخصية ستحاول أن تحل محله في الواقع أيضاً – ويظل هو مراقباً من بعيد لحياته، هل هذا ما أراده فعلاً؟ – ولأنها ستموت فان ذلك سيجعله يبحث دوماً عن شخص ليؤدي دوره وأدوار الشخصيات الأخرى في المسرحية – هنالك البديل الأول للشخصيات الحقيقية، ثم البديل الثاني للبديل الأول، وهكذا إلى ما لا نهاية، لأن المسرحية نفسها ستتحول إلى حياة؛ فالجمهور نفسه، المارة في الشوارع، وحتى ما يشاهده في التلفاز، كل ذلك سيقتحم المسرحية، وسنضطر للبحث عن مسرح داخل تلك المسرحية لنشاهد ما يمكن أن نطلق عليه اسم “مسرحية”.

     “في ذلك الوقت لم تكن هنالك سينما أو آلات تسجيل، وأدهشني أنه لم يقم أحدهم بعمل تجربة على فونيس “ما أراده راوي قصة “ذاكرة فونيس الحية” حققه الفيلم، لكن فونيس بعيد عن برود روكنتان وأسى شارلي كوفمان – ربما لأنه ليس سوى رمز / استعارة – فهو سيكتفي بمسرحه السري: ذاكرته. فسقوطه من ظهر حصان سيمنحه ذاكرة حية – تحاكي ما يحدث في الواقع تماماً – وتتذكر بطلاقة كل ما حدث في حياته”  مرة أو مرتين تذكر أياماً كاملة، بلا تردد، لكن تذكر  اليوم سيستغرق يوماً كاملاً “الذاكرة أو طريقة عملها لا يطلع عليها الآخر إلا عبر حوار يجريه  مع فونيس، فالقصة مروية من قبل صديق يعرفه، وستبدأ بجملة تعيد تعريف فعل التذكر”.  أتذكره، مع أنه لا يحق لي الحديث عن فعل التذكر المقدس، فقد تذكر شخص واحد وقد مات ذلك الشخص”  – لن يروي أحداثاً مر بها فونيس، وإنما سيصف ويعرض أفكاراً حاول فونيس تنفيذها: اختراع نظام جديد للعد: تحويل الأعداد إلى أسماء، منح كل عدد اسماً بديلاً..  والوطأة التي يعيش تحتها من يمتلك تلك القدرة الهائلة على التذكر” نحن بنظرة واحدة، يمكننا أن نحيط بثلاثة أقداح على منضدة، أما فونس فبكل نبتة وعنقود وثمرة تشملها كرمة. كان يعرف تكوينات السحب الجنوبية في فجر الثلاثين من أبريل من عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين ويستطيع أن يقارنها في الذاكرة بخطوط ورق الكتب الاسباني التي رآها مرة واحدة لا غير، وبخيوط الزبد التي خلفها مجداف في النهر الأسود عشية حركة كبراتشو. وتلك الذكريات لم تكن بسيطة، إذ أن كل صورة بصرية مرتبطة بأحاسيس عضلية، حرارية، إلخ “إن ذاكرته البصرية الفادحة وعينه التي تلحظ كل تغيير يحدث في عالمه – لا يذكر الراوي شيئاً عن ذاكرة حواسه الأخرى – ستحرمانه من التفكير؛ حسب اعتقاد الراوي،  فهو ليس بإمكانه أن يجرد، يعمم، أو يستوعب الأفكار الأفلاطونية، وكل ما يمكنه القيام به هو التصنيف؛ وفي ليالي الأرق الطويلة سيحاول تصنيف أحداث حياته والصور المختزنة في ذاكرته وفهرستها، وسيموت دون أن يتمكن من انجاز تلك المهمة.

     تسخر هذه الشخصيات من فكرة المحاكاة ومن الفن، بأخذ عنصره الأساسي وما يكون الشكل: التكرار – تكرار الأسلاف، الحياة، حضور أشخاص وغيابهم في الأعمال السردية – إلى حدوده القصوى، حيث تؤول كل الأشياء إلى خسارة. وفي كل منها يلوح كافكا هازئاً من تطلعات البشر إلى الكمال؛ من بناء برج بابل، ومن سور الصين العظيم، ومما هو أبسط – أم أكثر تعقيداً؟ – من ذلك: معرفة المرء لنفسه.

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان