الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : المجذوب

بريد القراء : المجذوب

7d46dd5c0e0aedfae6caefef838f3065

بقلم : معاذ أحمد أبو القاسم

«الله أكبر.. الله أكبر»

صوت الآذان يأتيك من بعيد، تحاول القيام من فِراشك، لكن ثمة شيء ما يسحبك للأسفل؛ إبليس بكامل أناقته البشِعة جاسم عند رأسك وقدميك “يلويك”، تواصل نومك بتلذذ، تحلم بأنك صِرت غنيًا، لك حساب في البنك به ملايين الجنيهات، تسكن إحدى الأحياء الراقية، في عمارة مكونة من ثلاثة طوابق، تناسب عدد نسائك الثلاث. تلطمك إحداهُن بقبلة، تُناديك بصوت ملائكي:

– يلا يا حبيبي الوكِت إتأخر، قوم عشان ما تتأخر على الشُغل.

تفتح عينيك ببطء، وابتسامة جميلة تكسو محياك، تحاول التشبث بثوبها الأبيض الفضفاض، لتنتبه أن يدك تطفو في الهواء تؤشر لإحدى الشقوق الظاهرة على غرفتك، تفيق لتجد نفسك في جحيمك القديم، أشعة الشمس الحارقة لا تدعك تُكمل لحظاتك في الجنة، هبطت الآن إلى مكانٍ سحيق. حاولت جاهدًا أن تعيد ذاك الحُلم، قدمت رشوة لإبليس ليعود بك مرة أخرى إلى وهمه اللذيذ؛ بأنك سوف ترتكب بعض المعاصي: ستلف ورقة البرنسيس تلك وتتبعها بسائل الخلود، لكن يبدو أن عرضك غير مُغري فغضّ عنك الطرف.

تحاول القيام بتكاسل، تتخبط وتترنح في مشيتك، كأنك ارتشفت من ذاك السائل الأبيض، في جلسة عامرة عند -ميري- خابِزة “العرقي/ سائل الخلود” كما تُطلِق عليه، تتجه صوب الحمّام، كعادتك تتأمل وجهك فـي المرآة، هل صرت وسيمًا كما يجب أم ليس بعد، تأخذك غفوة، يُعاودك بقية الحلم، ثوبها الأبيض الناصع يغويك كي تتبعه، اصطدامك بالحائط يوقظك، تلعن إبليس في سرك، كيف أمكنه أن يتلاعب بك هكذا، تبحث عن فرشاتك.. تجاهد كي تجدها، فُرشة أسنانها مُبعثرة مثل شعّرك المشعث حينما تصحو من نومك، كل سن في اتجاه، تمرر عليها المعجون ثم تحشرها في فمك، تحركها يمينًا شمالًا.. متأرجحًا كقطعة بندول، بعد الانتهاء تُدخلها في إحدى الشقوق على الحمام، تتجه لحوض الاستحمام، طست كبير من البلاستيك، تتقرفص داخله، تفتح الدُش فتأتيك المياه من أعلى؛ كنت قد تعبت من ملء الجردل كل يوم وإدخاله الحمّام، وفي إحدى سطلاتك المقدسة تلك أتتك فكرة أن توصل خرتوش الماء بالماسورة ثم تشنقه في سقف الحمّام، كم أنت عبقري يا “المجزوب”، قُلتها.

اكتسبت هذا اللقب حينما كنت درويشًا عند أحد المشايخ، فأنت دائم الغرق في حلقات الذِكر، منذ الصِغر وأنت تخدم عنده، يعدك كل مرة بأنه سيمسكك الطريق لتصير خليفة من بعده، تشعر بالفخر حينما تسمع هذه الكلمات من شيخك، تتخيل نفسك وأنت في مقامه، حولك العديد من الحيران في خدمتك، يأتيك الناس لتقضي حوائجهم، في تلك اللحظات تخدم بقوة ثلاثين حصان، يستغرب الكل من هذا النشاط المفاجئ. في ذاتِ مرة حاولت الدخول على الشيخ في موضوع طارئ – عادة لا يُسمح بالدخول من غير أن يُنادى عليك أو طلبك هو- لم تأبه لهذا كثيرًا فأنت خليفته على أي حال، كانت الغرفة التي يجلس عليها لقضاء حوائج الناس مظلمة نوعًا ما على غير العادة، واصلت تقدمك ليصدمك المشهد الذي وجدته فيه مع إحدى من يطلبون المساعدة وقضاء حوائجهم. منذ تلك اللحظة كفرت بهذا الشيخ ذوالأقنعة.

تأخذ حمامًا طويلًا، تخرج بعد ساعة من هذه الرحلة المليئة بالتأمل والتفكر في عجائب الخلق، تتوضأ، تدخل غرفتك علك تجد مكانًا خال تُصلي فيه، غرفة مبعثرة، شاحبة كأنها سكن للأموات، لطالما تساءلت كيف تسكن هنا وأنت كائن حي؛ لتتذكر بعد برهة أنت في عِداد الأموات منذ سنين مضت، سرير أكل الزمن حِباله يكاد يلتصق بالأرض في الجانب الجنوبي من الغرفة، دولاب ملابس أثقل المطر كاهل خشبه يأخذ كامل الجانب الغربي، في الجانب الشرقي كرسي حديد هرِم مليء بالصدأ.. شنطة سوداء ضخمة.. مكتبة صغيرة بها بعض الكتب المهترئة، في الوسط تربيزة كبيرة عليها العديد من الجرائـد.. كبابـي شاي متسخة يحوم حولها الذباب وأحيانًا بعض الصراصير، لم يكن أمامك خيار غير الصلاة خارج الغرفة.

تبحث في دولابك علك تجد ملابس نظيفة تخرج بها، تتذكر أن ملابسك جميعها عند الغسال منذ أسبوع مضى، لا خيار إلا أن ترتدي لبستك الأفريقية تلك وبنطال الجينز الأزرق، منذ ثلاثة أيام وأنت ترتديهم. تخرج للمواصلات، ينظُر إليك البعض بنظرات تحمل الكثير من الاستحقار، وأحيانًا بعض الشفقة، لا تأبه بهم، تركب المواصلات العامة بعد معاناة، يستجديك رجلٌ عجوز يقف على قدميه أن تُخفف عنه ليجلس مكانك، تتحاشى النظر تجاهه، وتسرح بخيالك بعيدًا، إلى أن تصل لوجهتك، تنزل في المحطة الوسطى -تعمل في إحدى المؤسسات.. ماسحًا للأرضيـة -، وعند البوابة يلتقي بك موظف الاستقبال، بلباسه الأنيق الذي لو حاولت ادخار راتبك كله ما استطعت أن تشتريه، يعطيك ورقة موقعة من المديـر، تتقافز الأحلام فـي مخيلتك، لعل حلمك قد تحقق، و زاد مرتبك أو تم ترقيتك لوظيفة أعلى، لكن سرعان ما تتبخر هذه الأحلام وأنت تقرأ..

.«نشكر جهودك معنا.. لقد تم فصلك»

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة