الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : ماذا يقول لنا العلم عن الخير والشر ؟

ترجمات خاصة : ماذا يقول لنا العلم عن الخير والشر ؟

good-evil-science-places-charlottesville.adapt.1900.1

مترجم عن مقال ناشيونال جيوجرافيك نُشِر بتاريخ السادس عشر من أغسطس 2017            

كتبه: Yudhijit Bhattacharjee 

تصوير:  Lynn Johnson

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)               

كان حادث إطلاق النار المروع في وقت متأخر من يوم الأحد على يد مسلح قتل ما لا يقل عن 58 شخصًا وأصاب أكثر من 500 آخرين في حفلة موسيقية محلية في لاس فيجاس هو آخر سلسلة الأحداث المروعة التي تؤجج حديث الأمة حول جذور الشر. تم تنفيذ المذبحة التي وقعت خارج منتجع وكازينو خليج ماندالي، وهذا هو أحدث إطلاق نار جماعي في تاريخ الولايات المتحدة، من قِبَل مطلق النار الذي  قام بإطلاق سيل الرشاش على الحفل المقام في الهواء الطلق بينما كان يجلس في غرفة بالطابق العلوي من الفندق، ولم تكن دوافع المسلح واضحة في الساعات التي تلت إطلاق النار. وقد وقع هذا الحادث بعد حوالي 15 شهرًا من مقتل 49 شخص في إطلاق نار على ملهى أورلاندو، والذي كان في ذلك الوقت الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة”.

إن  العنف والكراهية قد غذيا الكثير من الشرور التي لا توصف، مثل الإبادات الجماعية التي قام بها النازي الألماني، لكن البشر قادرون أيضًا على فعل الخير المذهل”.

كنا في ناشيونال جيوجرافيك نعمل على موضوع يخبرنا عن وجهة نظر علمية أكثر عن الخير والشر، وكنا قد نشرنا في بداية أغسطس الموضوع بعد حادث شارلوت فيل، عندما دهست سيارة إحدى المتظاهرات في تجمع من قبل المتعصبين عرقيًا للجنس الأبيض،  حيث ضمّ مجموعات من النازيين الجدد وجماعة كوكلوكس كلان، والآن قررنا أن ننشر الموضوع، مع خلفيات حادث فيجاس المأساوي،  كما ستظهر نسخة أخرى في عدد مستقبلي من المجلة”.

 كمثال على الإيثار البالغ قامت Ashley Aldridge بعمل بطولي برد فعل سريع، حينما قامت الأم البالغة من العمر تسعة عشر عامًا بعبور شريط السكة الحديدية حافية القدمين كي تقوم بإنقاذ رجل مقعد علق كرسيه المتحرك على شريط القطار، لتدفعه بعيدًا على الكرسي قبل أن يصدمهما القطار.

من نافذة مطبخها في أبرون، بولاية الينوي  كانت Aldridge  تستطيع بوضوح رؤية السكة الحديدية العابر على مسافة بضع مئات اليارادات، عندما رأت الكرسي المتحرك أول مرة، كانت قد انتهت لتوها من إطعام طفليها ذوي العام، وثلاثة أعوام الغذاء، وبدأت في غسل الأطباق – عمل منزلي آخر لا ينتهي.

عندما نظرت إلى الأمام، لاحظت Aldridge أن الكرسي المتحرك لم يكن يتحرك، بل كان عالقًا بين المسارات، كان الرجل يحرك ذراعه بشكل محموم، بينما كان هناك سائق دراجة بخارية بالكاد أبطأ من سرعته، سارعت Aldridge لتطلب من جارتها أن تهتم بأولادها حتى تستطيع أن تذهب وتساعد، ولكن حينها سمعت رنين بوابات العبور وهي تهبط معلنة أن القطار في طريقه، جرت حافية القدمين على الطريق المليء بالحصى على طول المسار الحديدي، عندما وصلت إلى الرجل، كان القطار يبعد أقل من نصف ميل، فشلت Aldridge في إزاحة الكرسي المتحرك، فقامت بلفّ ذراعها حول صدر الرجل من الخلف وحاولت رفعه ففشلت، وبينما كان القطار ينطلق بسرعة فائقة نحوهما، شدته برفعة قوية ووقعت إلى الوراء منتزعة إياه من الكرسي. خلال ثوانٍ، حطّم القطار الكرسي المتحرك حاملاً قطع من البلاستيك والفولاذ لمدة نصف ميل على خط السكة الحديد.

إن الرجل الذي أنقذته Aldridge عصر هذا اليوم في سبتمبر 2015 كان غريبًا عنها تمامًا. إن تصميمها الثابت على إنقاذه حتى مع الخطر الذي عرضت حياتها الشخصية له يفرقها عن الكثير من الناس، منهم سائق الدراجة البخارية الذي لم يقف. إن عملية إنقاذ  Aldridgeالبطولية هي مثال لما يسميه العلماء أقصى درجات الإيثار -تصرفات غير أنانية لمساعدة الآخرين مع المخاطرة بضرر شخصي عظيم- بالطبع ما لا يفاجئنا أن العديد من هؤلاء الأبطال مثل – Roi Klein وهو رائد عسكري إسرائيلي كان قد قفز على قنبلة حية لينقذ رجاله-  يعملون في المجالات التي تعتبر المخاطرة بحياة الأفراد الشخصية لحماية الآخرين جزء من العمل. ولكن هناك آخرين يعتبروا نساءً ورجالاً عاديون مثل      Rick Best, Taliesin Myrddin Namkai Meche, and Micah David-Cole Fletcher الذين تدخلوا للدفاع عن امرأتين شابتين مسلمتين واحدة منهم ترتدي الحجاب، حماية لهما من رجل كان يرميهما بإهانات عنصرية في قطار مسافر ببورتلاند بولاية أريجون، وقد تم طعن الثلاثة ونجا فليتشر وحده.

وعلى النقيض من هذه الأفعال النبيلة، يرتكب الإنسان الكثير من الأعمال المرعبة: القتل، الاغتصاب، الخطف، التعذيب. فلتضع اعتبارًا للحظة – حتى لو كان هذا شيئًا تافهًا- عدم الشفقة الرهيب الذي كان يتمتع به قاتل متسلسل مختل عقليًا مثل Todd Kohlhepp وهو سمسار عقارات من جنوب كارولينا، ترك أدلّة على عاداته في القتل على موقع الكتروني باستخدام  المجرفة القابلة للطيّ: “ اتركها في السيارة حتى تستخدمها عندما تحتاج لإخفاء الجثث”.

أو  فكّر في الوحشية المتعجرفة التي استخدمها Ariel Castro الذي قام بخطف ثلاث نسوة صغيرات، وحبسهن في بيته بكليفلاند، معرضًا إياهن للعبودية الجنسية لمدة عشر سنوات، حتى استطاعت إحداهن الهروب أخيرًا.

على الرغم من شذوذ هذه الوحشيات، فهي أشياء تحدث غالبًا لتذكرنا بالحقيقة السوداء:

البشر قادرون على ارتكاب أعمال وحشية لا توصف”.

إن الإيثاريين حدّ المبالغة مثل Aldridge، والمختلين عقليًا مثل Kohlhepp يقومون بإيضاح أحسن وأسوأ غرائزنا، ففي جهة من الطيف الأخلاقي نجد، التضحية، الكرم، وصفات نبيلة أخرى نعتبرها مثالاً للخير، وفي الجهة الأخرى، الأنانية، العنف، وقوى الدفع الماحقة التي نراها كمثال للشر.

في جذور كلا النوعين من السلوكيات، تقول الأبحاث؛ يقع ماضينا التطوري، فهم يفترضون أن البشر -والكثير من الأجناس الأخرى على درجات أقل- قد طوروا الرغبة لمساعدة بعضهم البعض، لأن التعاون بين أفراد المجموعة الاجتماعية كان عنصرًا أساسيًا من أجل البقاء. ولكن بما أن المجموعات كان يجب أن تتنافس من أجل الموارد، فإن الاستعداد لتشويه وقتل الخصم كان أيضًا شيئًا مصيريًا. 

نحن أكثر جنس اجتماعي على الكوكب، ولكننا أيضًا أكثر جنس عنيف على الأرض”. تقول Jean Decety عالمة نفسية في جامعة شيكاغو “إننا نملك وجهين، لأن هذين الوجهين مهمين لأجل النجاة”.

لقرون مضت كان سؤال كيف نشأ الخير والشر فينا مادة لجدال فلسفي أو ديني، ولكن في العقود القريبة، حقق الباحثون تطورًا عظيمًا نحو فهم العلم الذي يسوق الخير والشر. فكليهما كما يبدو مربوطين بصلة عاطفية جوهرية: العطف بمعنى التعاطف، كقدرة غريزية للمخ ليجرب ما يعرفه أو يشعر به الآخرون.

اكتشف الباحثون أن العطف هو الإضرام الذي يشعل بداخل قلوبنا الشفقة، دافعًا إيانا لمساعدة الغير في أوقات الضيق. كما تتبعت الأبحاث أيضًا السلوكيات العنيفة المضطربة واللا اجتماعية فاتضح أنها تفتقد للعاطفة التي تتفرع من دوائر عصبية ضعيفة، وهذه الرؤى الجديدة تعتبر حجر الأساس لحميات تدريبية وبرامج علاجية بهدف استجابة المخ للعاطفة.

لقد اعتقد الباحثون يومًا أن الأطفال لا يهتمون برفاهية الآخرين، وهذا استنتاج منطقي لو كنت قد جربت نوبات غضب الرُضع. لكن الأبحاث الحديثة أوضحت أن الأطفال يشعرون بالعاطفة قبل أول عيد ميلاد لهم بكثير.

قامت Maayan Davidov وهي عالمة نفسية في الجامعة العبرية بالقدس بمصاحبة آخرين ببعض الأبحاث، محللين سلوك الأطفال عندما يشاهدون أحداً ما في حالة عصبية – طفل آخر يبكي أو أمهم مدّعية الألم-.

عند عمر الستة أشهر فقط، يستجيب أغلب الأطفال لهذه المحفزات، باستخدام تعبيرات الوجه التي تعكس القلق أو الاهتمام، يبدي آخرون أيضًا بادرات الاهتمام مثل الانحناء للأمام ولمس الآخرين في أوقات الحزن. عندما يصلون إلى عشرة أشهر، يبدي الكثير من الأطفال “عاطفة إدراكية”، وهي محاولة فهم المعاناة التي يرونها بعد رؤية طفل يبكي لأنه صدم ركبتاه في الكرسي مثلاً، فيحول الطفل نظره ما بين وجه الطفل المتألم وركبتاه والكرسي. أما ذوي الثمانية عشر شهرًا، فيترجمون عاطفتهم إلى سلوكيات شبه اجتماعية مثل احتضان أحدهم أو إعطائه لعبة للتخفيف عنهم.

ولكن هذا ليس صحيحًا بالنسبة لكُلّ الأولاد، فهناك أقلية تبدأ في سن الثانية والثالثة، كما لاحظ الباحثون تقع تحت بند “التجاهل النشط للآخرين” عندما يشتكي طفل ما أنه أذى نفسه، فهؤلاء الطفال قد يضحكون منه أو غالبًا ما ينتقدونه قائلين: “أنت لا تتألم”. تقول Carolyn Zahn-Waxler ، أستاذة بجامعة وينسكون بولاية ماديسون، والتي تتعاون مع  Davidov أو ربما يقولون: “عليك أن تكون أكثر احتراسًا” – ويقولونها بنبرة إطلاق الأحكام – .

مع استمرار متابعة هؤلاء الأطفال إلى سن المراهقة، اكتشف الباحثون أنهم يملكون أعلى أرجحية لتطوير الميول اللا اجتماعية والوقوع في المشاكل.

في أبحاث أخرى، تم قياس الصلابة وانعدام التعبيرات العاطفية عند المراهقين، باستخدام أسئلة مثل هل يشعر المراهق المعني بدراسة حالته بالذنب عند ارتكاب الأخطاء، وهؤلاء الذين يحرزون نتائج عالية في الصفات “اللا عاطفية الصلبة” عادةً ما يميلون إلى الوقوع في المشاكل ذات الطابع السلوكي السيئ – مظهرين عدوانًا غريبًا على الأشجار، ومخربين للممتلكات، كما يعذبون الحيوانات. بعضهم ينتهي به الحال مرتكباً جرائم كبرى مثل القتل والاغتصاب والسرقات العنيفة، وعدد منهم في طريقه إلى أن يصبح مختلاً عقليًا كاملاً  في سن الرشد – رجال ذوي قلوبٍ باردة حذرة لا يحفلون عند ارتكاب أبشع الأفعال التي يمكن تخيلها.

إذا كان العجز في العاطفة بشكل عام في صلب السلوكيات السيكوباتية يمكن تقفّي أثره إلى مرحلة الطفولة، إذًا فهل الشّر مقيم في الجينات، يتلوى مثل الأفعى حول الشريط الوراثي منتظرًا لحظة الانقضاض؟

إن الإجابة على مثل هذا السؤال لا تُصنّف تحت خانات الإجابة بنعمٍ و لا.

مثل العديد من الأمراض، كل من الطبيعة والتنشئة لهما يد في تشكيل الأشخاص مضطربي العقول، بعض الدراسات التي أجريت على التوائم، قد أفضت بأن الصفات العاطفية الجافة عند الكثير من الأطفال والمراهقين موروثة من آبائهم، مؤكدة عنصرًا جينيًا قويًا، ولكن مع دراسة حوالي ستمائة طفل وُلِدوا لآباء ذوي تاريخ حافل بالسلوكيات اللا اجتماعية، نجد أن الأولاد الذين تمت تربيتهم من عائلات متبناة وفرت لهم جوًا دافئًا وبيئة مغذية عاطفيًا، كانوا أقل بكثير في إبداء الصفات القاسية عن هؤلاء الذين تمت تنشئتهم على أيدي والديهم البيولوجيين.

إن الأطفال المولدين بنقص في العاطفة، تقول Essi Viding عالمة نفسية في جامعة كلية لندن، عادة  لا يستطيعون الحصول على راحة. “يمكن لك أن تتخيل لو أن هناك طفلاً لا يستطيع إظهار العاطفة مثل الطفل الذي يتطور طبيعيًا، ولا يظهر التعاطف، هذا الطفل سيثير ردود أفعال مختلفة تمامًا في الناس من حوله – الأهل، المعلمين- عن طفل ذي عاطفة أكبر” وتقول: “والكثير من هؤلاء الأطفال بالتأكيد، يقيمون مع أهلهم البيولوجيين، لهذا فهم معرضون دائمًا لهذه الضربة المزدوجة، بحصولهم على أهل غالبًا ما يكونوا غير مؤهلين لدور الوالدين، وربما أقل شفقة وأقل خبرة في تنظيم مشاعرهم نفسها”.

حاول رجال الإطفاء يائسين أن ينقذوا ستة أطفال من عائلة Philpott  من بيتهم المحترق في  ديربشاير بإنجلترا، في ساعات الصباح الأولى في 11 مايو 2012، ولكن الحرارة والدخان كانا من الحدة، حتى أن طفلًا واحدصا فقط كان حيًا عندما وصل المنقذون أخيرًا إلى غرف نومهم أعلى السلالم. هذا الطفل أيضًا قضى نحبه بعدها بأيام بالمستشفى.

هذا وقد شكت الشرطة أن هذا تخريب متعمد، لوجود دلائل تشير إلى أن النار قد بدأت بسكب البترول من فتحة البريد في الباب. هذه التحقيقات ستسفر عن وجود مختل عقليًا.

سكان مدينة ديربشاير، قاموا بجمع آلاف الجنيهات لمساعدة والدي الأطفال Mick& Mairead Philpott في إقامة جنازة، وفي مؤتمر صحفي لشكر المجتمع، قدم Philpott بيانًا صغيرًا يشير فيه إلى مدى الحزن والكرب الذي يشعر به هو وزوجته، آخذًا في التمخط، والنشيج بمنديله الذي ظلّ جافًا طوال الوقت، وفي النهاية انهار  Philpott لكن مساعد رئيس الشرطة في ديربشاير عاد خطوتين للوراء ولاحظ أن التصرفات كانت غير طبيعية إطلاقًا، بعد أسبوعين ألقت الشرطة على Philpott وزوجته، حيث اكتشف المحققون أنهما قد أشعلا النار عمدًا في البيت للإيقاع بعشيقة  Philpott وتلفيق التهمة لها. وجدت المحكمة الزوجين مذنبين بالجريمة.

تزييف Philpott للحزن وعدم استطاعته الشعور بالندم من الخصائص التي تميز السيكوباتيين، وهم فئة من الأفراد الذين يجسدون الشر في الخيال العام، إن السيكوباتيين لديهم تجاهل تام لمشاعر الآخرين مع أنهم يتعلمون كيفية تقليد العواطف.

إنهم حقًا لا يملكون أية قدرة لتقدير أي شيء من العواطف، الإحساس بالذنب، أو الندم” يقول Kent Kiehl وهو عالم أعصاب في جامعة نيو مكسيكو، قرر دراسة السيكوباتية لأنه ترعرع في الحي الذي كان بيت القاتل المتسلسل Ted Bundy

هؤلاء فقط أناس مختلفين تمامًا عن بقيتنا”.

لقد أنفق  Kiehl العقدين الفائتين مستكشفًا هذا الاختلاف بمسح أدمغة السجناء. (حوالي واحد من كل خمسة سجناء ذكور في سجون أمريكا يسجلون نقاطًا عالية في خانة المختلين عقليًا، التي تم قياسها باستخدام قائمة مكونة من عشرين معيارًا مثل انعدام مقاييس الندم، التهور، وحوالي واحد من كل مائة وخمسين من عامة الناس).

منذ 2007 وباستخدام ماسح MRT تم تركيبه في مقطورة، حيث قام هو وزملائه بتصوير أربعة آلاف سجين نزيل وهم يؤدون بعض المهام المحددة، يقيسون منها الأنشطة المختلفة للمخ وحجم كل جزء منه.

المجرمون المختلون عقليًا قد أظهروا نشاطًا أقل في الـ amygdala  في أمخاخهم – الجزء الأساسي لاستيعاب العواطف وهي كتلة تشبه اللوزة في حجمها- مقارنة بالنزلاء الطبيعيين عندما تذكروا كلمات مشحونة عاطفيًا قد تم عرضها عليهم قبلها بقليل مثل (البؤس) ، (العبوس)، وفي مهمة لدراسة اتخاذ القرارات الأخلاقية، يسأل الباحثون النزلاء لتقدير مدى خبث وشر مجموعة من الصور المعروضة على شاشة -صليب يتم حرقه بجماعة كوكلوكس كلان، وجه مدمي من الضرب-؛ نعم التقديرات التي صرّح بها المختلون عقليًا ليست مختلفة كثيرًا عن السجناء الطبيعيين، لكن المختلين يميلون إلى إظهار نشاط أضعف في مناطق المخ المسئولة عن التفكير الأخلاقي.

على أساس هذه الأبحاث، وغيرها مشابهة لها، Kiehl مقتنع أن المختلين عقليًا لديهم ضعف في التراكيب المخية المترابطة – منها amygdala والقشرة المدارية الأمامية- التي تساعد على سير عملية إظهار المشاعر، اتخاذ القرارات، السيطرة على الحافز، ووضع الأهداف. “يوجد حوالي من 5% إلى 7% نسبة أقل من المادة الرمادية في هذه التراكيب لدى الأفراد ذوو الصفات السايكوباتية العالية مقارنة بالنزلاء الآخرين” يقول Kiehl

إن المختلين عقليًا يعوضون هذا الخلل باستخدام أجزاء أخرى من المخ ليحاكوا بشكل إدراكي ما يوجد في العقل العاطفي. “وهذا يعني أن المختلين عقليًا يفكرون فيما هو خطأ أو صواب بينما بقيتنا يشعرون به”. كتب Kiehl في الأطروحة التي ساعد في وضعها عام 2011.

عندما كانت Abigail Marsh وهي عالمة نفسية في جامعة جورج تاون في التاسعة عشر من عمرها، انزلقت سيارتها على جسر، بعدما كبحت الفرامل فجأة لتتفادى الاصطدام بكلب، وأخذت السيارة في الدوران خارج السيطرة حتى وقفت أخيرًا في زاوية من الإشارة. لم تستطع Marsh تشغيل المحرك وكانت خائفة جدًا حتى من أن تخرج، بوجود المركبات والمقطورات التي تنحرف من حول السيارة. توقف رجل ما بسيارته، وجرى عبر الطريق السريع وساعدها في تشغيل سيارتها. “ لقد خاطر هذا الرجل مخاطرة كبيرة بالجري على الطريق السريع، لا يجد أي تفسير منطقي لهذا غير أنه فقط أراد المساعدة” تقول  Marsh

كيف يمكن لأي أحد أن يتحرك لفعل شيء كهذا؟”.

استمرت  Mars في التفكير في هذا السؤال مرارًا وتكرارًا في رأسها، وبعد وقت ليس بالطويل من بدء عملها في جورج تاون، بدأت في التفكير هل هذا الإيثار الذي أوضحه الرجل على الجسر، القطب العكسي للسايكوباتية، فبدأت في البحث عن مجموعة من الأفراد الطيبين على نحو استثنائي لدراستهم، وقررت أن متبرعي (الكُلى) يشكلون مثالاً ممتازًا. هؤلاء هم أناس اختاروا أن يتبرعوا بكليتهم للغرباء، وأحيانًا يتكفلون ببعض التكاليف المادية دون حصولهم على شيء في المقابل. تواصلت Marsh وزملائها مع متبرعين من خلال Washington Regional Transplant Community وأحضروا تسعة عشر متبرعًا من حول المدينة لدراستهم.

عرض الباحثون على كل واحد منهم مجموعة من الصور أبيض وأسود لتعبيرات الوجه المختلفة، بعضها خائف، بعضها غاضب، الآخر حيادي، بينما كانت أمخاخهم يجري المسح عليها بالـ MRI لتوضيح كل من النشاط والتركيب.

أظهر المتبرعون استجابة أكبر في الـ amygdala من المجموعة الأخرى عند النظر إلى وجوه خائفة، واكتشف الباحثون أن المتبرعين لديهم 8% زيادة في نسبة الـ amygdala من المجموعة الأخرى. وفي دراسات أخرى مشابهة أجريت على مجموعة أخرى من السايكوبتيين قد أظهرت العكس: إن الـamygdale  في أمخاخ السيكوباتيين تنشط أقل من الطبيعيين عند الاستجابة للوجوه المرعبة.

“ إن الوجوه الخائفة تستنبط الاهتمام والقلق، إذا كنت لا تستجيب لهذه التعبيرات، سيكون غير مرجح أنك تشعر بالاهتمام أو القلق من أجل الآخرين”. أما متبرعي الكُلى فهم حساسون جدًا تجاه صعوبات الآخرين، بما أن الخوف من أخطر الصعوبات التي تواجه الناس -وربما كان هذا بسبب أن الـ amygdala لديهم نسبتها أكبر من الطبيعي المعتاد.

أغلبية الناس في العالم إما إيثاريون إلى أقصى درجة، أو سيكوباتيون، وأغلب الأفراد في المجتمعات لا يرتكبون أعمالاً عنيفة في المعتاد ضدّ بعضهم البعض، ومع ذلك فهناك الإبادات الجماعية -وهي عمليات القتل الضخمة التي تتطلب انفعالات وتعقيدات مجموعة كبيرة من الناس، فدائمًا ما مزقت المجموعات المؤسسة على اتجاهات عرقية، ثقافية أو دينية مجموعات أخرى.

إن غرف الغاز النازية أبادت ملايين اليهود، الخمير الحمر ذبحوا الكمبوديين في ساحات القتال، قبائل الهوتو برواندا بخناجرهم القانصة ذبحوا مئات الآلاف من التوتسي، وإرهابيو الدولة الإسلامية داعش أقاموا المجازر لأزيديين عراقيين- في الواقع كل جزء من العالم قد شهد إبادة جماعية. أحداث مثل هذه تقدم دليلاً مروعًا على أن الشرّ في استطاعته السيطرة على مجتمعات بأكملها في قبضته.

كيف يمكن أن يصبح صوت الضمير غير متكافئ للجنود في الإبادات الجماعية، شيء يمكن أن نفهمه من خلال التجارب المعروفة التي أقيمت في 1960 على يد العالم النفسي Stanley Milgram في جامعة يال، في هذه الدراسات، يطلبون من الأفراد موضع الدراسة القيام بتوصيل صدمات كهربائية لأحد الأشخاص عندما يجيب على أسئلة خطأ، ومع كل إجابة خاطئة يجب عليهم زيادة نسبة الفولت، وعندما كان يتم استجواب أحد هؤلاء المستجوبين، والذي كان في الحقيقة ممثل في لباس المعمل، رفع الأشخاص الذين يتم دراستهم درجة الصدمات الكهربائية لدرجة خطيرة للغاية. إن هذه الصدمات لم تكن حقيقية، وصرخات الألم التي سمعها الأفراد موضع الدراسة كانت مسجلة مسبقًا، ولكنهم عرفوا بعد هذه التجربة. هذه الدراسات أوضحت ما وصفه  Milgramالإرادة المتطرفة للبالغين في أن يذهبوا إلى أقصى مدى عند أمر السلطات”.

العلماء الذين درسوا الإبادات الجماعية قاموا بتحديد المراحل التي يمكن أن تتسبب في ارتكاب الأشخاص اللطفاء لجرائم القتل. إن هذا يبدأ عندما يُعَرِّف القادة المراوغين الهدف على أنه “الآخر” ويدّعون أنه يُعتبر تهديدًا لمصالح المؤيدين، وعاجلاً ما يصف القادة أهدافهم على أنهم دون البشر، ماحين العاطفة داخل المجموعة تجاه الآخر. بعدها يصبح المجتمع مشلولاً، فالأهداف مميزة الآن بأنها ضدّ.“من يخططون للإبادة الجماعية يقولون: إمّا أنت معنا أو ضدّنا”. يقول Gregory Stanton وهو مسئول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية، ومؤسس لمؤسسة مراقبة الإبادة الجماعية، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل لمنع عمليات القتل الجماعية.

في بعض الأحيان فهذه المجموعات المُستهدفة تُجبر على التحرك إلى مناطق محددة يسهل رصدهم فيها، لتبدأ بعد هذا مرحلة التحضيرات، حيث يرسم مهندسو الإبادة قوائم القتلى، الأسلحة المخزنّة، ويخططون كيف ستنفذ كل رتبة عسكرية القتل، ثم تبدأ المذبحة.

الكثير من الجناة لا يبدو عليهم التأثر أي نوع من الندم، ليس لأنهم لا يستطيعون الشعور به -مثل القتلة السيكوباتيين-، ولكن لأنهم لم يجدوا طرق تعقلن هذا القتل.

لاحظ James Waller  وهو عالم إبادات جماعية في جامعة ولاية كين بنيو هامبشاير “قابلية العقل البشري المذهلة على تبرير وإعطاء مغزى لأسوأ الأفعال”، فعندما أجرى مقابلات مع عشرات من رجال الهوتو المدانين بقتل التوتسي، بعض منهم قطعوا الأطفال بالفئوس حتى الموت، وكان تبريرهم كما نقل  Waller:

لو لم أفعل هذا، لكان هؤلاء الأطفال كبروا ونضجوا ليقتلوني، هذا شيء أساسي لحماية قومي، شيء أساسي لشعبي كي ينجو”.

 

إن قدرتنا على الشعور بالعاطفة وتوجيهها ناحية الإشفاق ربما يكون فطري، ولكنه ليس ثابتًا، ولا النزعة لتطوير الصفات السيكوباتية وغير الاجتماعية راسخة جدًا بداخل الأطفال بحيث لا يمكن تغييرها، في الأعوام الأخيرة أظهر الباحثون احتمالية قمع الشرّ في بداية النمو وتحسين غرائزنا الاجتماعية السابقة.

إن احتمالية منع الأطفال العنيفين من التحول إلى مجرمين بقية حياتهم قد وُضِعَتْ قيّدْ الاختبار فيMendota Juvenile Treatment Center  بولاية ويسكونسن، وهي منشأة تحوي الجانحين الخطيرين، ولكنها تدار كمصحة نفسية أكثر منها سجن. المراهقون الذين يدخلون تلك المنشأة يكونون ذوي سجل إجرامي طويل -المراهقون الذين يعتبرون خطرًا على أنفسهم وعلى من حولهم، “هؤلاء أناس جوهريًا قد سقطوا من الجنس البشري- فليس لهم أية صلة بأحد، وهم في وضعية مخاصمة مع الجميع” يقول  العالم النفسي Michael Caldwell كبير الأطباء في الطاقم.

يحاول المركز قبل أي شيء، وأولاً، أن يبني علاقة مع هؤلاء الفتيان، بالرغم من سلوكهم الهجومي والعدواني، حتى عندما يقذف نزيل فيهم الغائط، أو يرش العاملين بالبول -وهي حالة شائعة في المؤسسات الإصلاحية- يستمر العاملين في معاملة المذنب بطيبة، وعلى حسب تصرفاتهم يحرز الفتيان نقاطًا على مقياس الغضب، فإذا أحسنوا التصرف، يكسبون بعض المميزات في اليوم التالي مثل فرصة للعب ألعاب الفيديو، ولكن لو سجلوا نقاطًا سيئة بالدخول في شجار مثلاً، لا تتم معاقبتهم، هذا بالطبع مختلف عن أغلب المؤسسات الإصلاحية التي يردعون فيها السلوك السيئ بالعقاب في المقابل.

مع الوقت يبدأ الفتيان في تحسين سلوكهم” يقول Greg Van Rybroek مدير المركز، فصفاتهم الصلبة اللاعاطفية تختفي، وقدراتهم المحسنة على إدارة مشاعرهم والسيطرة على دوافعهم العنيفة يبدو أنها تتحمل ما وراء حوائط Mendota، المراهقون الذين عولجوا في هذا البرنامج قد ارتكبوا مخالفات أقل بكثير بعدما تم إطلاق سراحهم بخمس سنوات من هؤلاء الذين عولجوا في مكان آخر. “نحن لا نملك أي سحر” يقول Van Rybroek  “ولكننا في الواقع قد خلقنا نظامًا يرى العالم من وجهة نظر الشباب ليحاول تحليله بأسلوب وسطي وملائم”.

على مدار العقد الفائت اكتشف الباحثون أن عقلنا الاجتماعي طيّع حتى في سنّ الرُشدّ، ويمكن تمريننا لنكون أطيب وأكثر كرمًا Tania Singer رائدة في الدراسات التي أوضحت هذه الإمكانية وهي عالمة أعصاب اجتماعية بمعهد ماكس بلانك للعلوم الإنسانية المعرفية والدماغ في لايبزيج، ألمانيا، وجدت هي وزملاؤها منذ عدة أعوام فائتة أن استجابة المخ العاطفية عند رؤية إنسان آخر يتعذب لا تؤدي بشكل أوتوماتيكي إلى الرغبة في المساعدة بل يمكنها أن تؤدي إلى ما يسمى بالضيق العاطفي-وهو إحساس سلبي يجعل المشاهد يرغب في ترك الشخص الذي يتعذب للحفاظ على شعوره بالرفاهية الشخصية أو السلامة الشخصية-.

   جربت Singer وآخرون تأثير العديد من التدريبات التي تعزز الإشفاق، هناك تدريب شهير مأخوذ من العادات البوذية يتضمن استغراق الفرد المعني بالدراسة في التأمل في شخص ما يحبه-الوالدين، أو طفل على سبيل المثال- موجهين الطيبة والدفء إلى هذا الفرد بالتدريج تمديد هذه المشاعر نحو المعارف، الغرباء، وحتى الأعداء في دائرة موسّعة بلا نهاية من الحب. مجموعة Singer قد أظهرت أن من تدربوا بهذا التأمل المحب والطيب كان لهم ردود أفعال عاطفية أكثر- التي يتم قياسها بتفعيل دوائر مخيّة معينة- عن الذين لم يتمرنوا عند رؤيتهم لأفلام أناس يتألمون.

في دراسة أخرى  قامت بها Singer وزملاؤها حيث درسوا تأثير التدريب على المساعدة والإشفاق باستخدام لعبة حاسب آلي، المرشد فيها إيموجي (وجه تعبيري ضاحك) إلى صندوق الكنز فاتحًا الأبواب طوال الطريق، فيمكن للاعب أيضًا أن يختار بوابات لوجوه ضاحكة أخرى تتجول باحثة عن الكنز. وجد الباحثون أن الأفراد الذين جربوا هذا التدريب قد كانوا مساعدين أكثر من الآخرين تجاه هذه الوجوه الضاحكة- التي تعادل الأغراب في الحياة الواقعية-.

إن إمكانية قدرتنا على تشكيل عقولنا لتكون أكثر إيثارًا تعتبر احتمالاً نبيلاً لمجتمعاتنا، فإحدى الطرق لاستقطاب هذا المستقبل نحونا أكثر هي تفعيل تدريبات الإشفاق في المدارس، ففي رأي Singer امتلاك العاطفة، أن يصبحوا أكثر تعاونًا، أكثر إيثارًا، أكثر اهتمامًا بالآخرين وأن يتقبلوا مشاعرهم الصعبة- إعداد أطفال بهذه الكفاءات الأساسية سيساعد في تحويلهم إلى مواطنين أكثر مسئولية”.

النتيجة يمكن أن تكون عالم أكثر خيرًا مأهولاً بأناس مثل Ashley Aldridge ، حتى تخسر الطيبة الانعكاسية روعتها وتصبح صفة مُعرّفة للإنسانية.

 

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر