الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في رواية “أخبار البنت مياكايا” للكاتب إبراهيم اسحق

قراءة في رواية “أخبار البنت مياكايا” للكاتب إبراهيم اسحق

6e3b8a3c-285b-4d83-858a-075f76230349

بقلم: الجزولي إبراهيم                          

مقدمة 

إذا كانت الكتابة كشف للعالم ولجوء إلى الضمير فإن القراءة هي عملية خلق من القارئ بتوجيه من المؤلف ، فمن جهة يعد الجوهر الوحيد حقا للعمل الأدبي هو “ذاتية ” القارئ ، هكذا يقول سارتر في كتابه الموسوعي ما الأدب ، الولوج إلى عالم إبراهيم إسحق لهو أمر شيق وشائك في نفس الوقت لان هذه التجربة الإبداعية الشامخة تحتاج إلى دراسات ضخمة ونحتاج إلى الوقوف عندها طويلًا حتى نسبر أغوارها ونستكشف عوالمها العجائبية ولغتها الشاعرية ، كما بهرني عالمه السردي الرشيق الذي تتعانق فيه الجمل وتتشابك فيه الأحداث ومجتمعاته التي يغوص فيها وكأنه راصد وخبير اجتماعي ، هذه القراءة ليست سوى احتفاء بالكتابة نفسها .

سيرة الكاتب الذاتية 

إبراهيم إسحق قاص وروائي وكاتب سوداني ولد عام 1946م بقرية ودعة جنوب شرق الفاشر تلقى تعليمه الأولي بالفاشر ثم امدرمان ، هاجر إلى السعودية عام 1982 ثم عاد إلى ارض الوطن في 2006 له العديد من المؤلفات منها رواية حدث في القرية التي كتبها عام 1969 ثم أعمال الليل والبلدة ومهرجان المدرسة القديمة وفضيحة ال نورين وأخبار البنت مياكايا التي نحن بصددها ثم وبال في كلمندو ، وله العديد من القصص القصيرة منها أناس من كافا وعرض حالات كباشية وحكايات من الحلالات ، وله دراسات أيضاً وهي الحكايات الشعبية في إفريقيا ورسالته للماجستير هجرات الهلاليين من جزيرة العرب إلى شمال إفريقيا وبلاد السودان ، كما له عشرات المقالات والدراسات بالصحف والمجلات .

حاز على جائزة الآداب والفنون التشجيعية في مهرجان الثقافة والآداب والفنون 1979 ، تقلد منصب رئيس إتحاد الكتاب السودانيين 2008 ، وعضو في عديد من الجهات الإبداعية والثقافية .

إبراهيم اسحق قامة إبداعية ورقم في الأدب السوداني وله تجربة ثرية وغنية .

ملخص صغير .

تشتمل الرواية على 138 صفحة من القطع الصغيرة وتحتوي على ستة عشر فصلاً من غير عناوين الفصل الأول فيه ليلة السمر التي رويت فيها الحكاية وهي عادة أصيلة في المجتمع السوداني ذو الثقافة الشفهية ، ثم يشير إلى التمازج الافروعربي وتعاقب الأزمان وكأنما يحثنا للرجوع إلى التاريخ ، في الفصول الخمسة التالية يتطرق إلى الجانب العربي الذي يتمثل في أسرة المعلة ويفصل طرائقهم في الحياة ويتناول قضايا مهمة جدا مثل موضوع السراري الذي سكت عنه معظم المثقفين السودانيين ، في الفصل السابع تظهر النياريث مياكايا حفيدة الرث الوحيدة الجميلة السوداء بطلة الرواية ، من الفصل السابع حتى الخامس عشر ينخرط السرد في الحياة الاجتماعية لقبيلة الشلك مبينا ثقافتها وطرائقها الحياتية كما يتداعى السرد في الجانب الإنساني والوجودي لبعض الشخوص وفي هذه الجزئية يتعرف اونالا “عون الله” عن قرب على مجتمعه الأصل .

التقنيات .

استخدم الكاتب في هذه الرواية تقنية تعدد الأصوات أو ما يعرف بالبوليفونية ” pholiphonie” وهي مستلفة من عالم الموسيقى وتم استخدامها في حقل الأدب والنقد ، وهي تقنية تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة وبالتالي تتعدد الآراء ووجهات النظر .

بالرغم من أن الرواية تاريخية وبدا صوت الراوي واضحًا إلا أنه يتخفى كثيرًا متيحًا الفرصة للشخوص الرئيسية لتبدو أصواتهم واضحة وهي أشبه بتقنية السرد التناوبي وهنا تبرز موهبة الكاتب ودرايته . كما توجد حكايات صغيرة جانبية أو ما يعرف بتكتيكات الحكي داخل الحكي وهي من التقنيات التي تروح عن القارئ وتكسر الملل لديه .

 

القراءة الرئيسية .

يشار في بداية الرواية أنها مستوحاة من التاريخ وقد حدد الزمان والمكان اللذان جرت فيهما الأحداث وهو القرن السادس عشر الميلادي والموقع هو النيل الأبيض من ملتقى النيلين إلى نهر السوباط وبحر العرب ، هذه المنطقة هي من أهم مناطق التماس بين المجموعات الإفريقية المتجذرة في هذه الأرض والمجموعات العربية الوافدة ، يورد الكاتب نماذج لحالات تمازج بين المكونات المتجاورة برغم الحذر والحيطة التي تتخلل حياتيهما كما ورد ، ولكن هل هذا التمازج تم بأريحية وسلام أم نتج عن صراع وعنف ؟

قبل أن نشرع في الإجابة على هذا السؤال دعونا نستدعي تعريف رولان كوس للرواية التاريخية : إن مفهوم رواية يعني وهم وتخيل واختراع وإبداع من قبل الكاتب ، أما التاريخ فيعني أحداث ماضية ، أي واقع ماضي . فالرواية التاريخية إذا هي وهم وتخيل يتخذان من الماضي إطاره المرجعي مع رغبة طموحة في المحايدة وإعادة البناء والتوضيح .

يبدأ السرد مفصلُا الحياة بشموليتها في الحي حيث أسرة المعلة راصدًا أدق تفصيلات حياه القرويين مبينًا دور الجدة في التنشئة بما تمتلكه من مخزون ثقافي وقيمي ، ثمة يؤكد الكاتب على أن الثقافات الإفريقية حافلة بالأساطير ومليئة بالحكايات الغرائبية ، عندما رأى شمام اينابور وزوجها في البحر اختبأ حتى يرى المعجزة التي تحفل بها ثقافته وهي أن السود يتحولون إلى تماسيح ( لو انه صحيح ما تقول به جدات الحي عن أنهم جواسيس تماسيح أو تماسيح جواسيس فقد يتسنى له الليلة متلبدًا هناك بين شجيرات الشط أن يرى احدهم ينقلب نوعين ) ص 28 .

وعندما اعترضت فرس البحر سير اينابور وزوجها ترنمت وقرأت لها لكي تتركهما يعبران إلا أنها لن تفلح رغم ما بينهما من قرابة ، فتقول الأسطورة بان جدة الشلك تمساحة ( ترنمت أمامها عين الحور وتعذرت لها بكل كلام حفظته عن أبيها فما أجدى .. يقولون أنها وكل القرابات الدنيا تنسى أحيانا علاقتها بالشولو ) ص 33 .

وتناول الكاتب أيضاً التراث الديني ودوره في الحياة الاجتماعية ومكانة الشيوخ في المجتمعات الإسلامية ، عندما اختفى غانم أخذت والدته المعاطي تبكي بلا انقطاع فأتوا لها بشيخ الحي فاسكت عنها الحزن والنواح ( وقد استطاعت عزيمات ورقيات الشنقيطي الدءوبة أن تلهم المعاطي نهاية) ص 45 .

ثم يعرج السرد إلى النقطة التي تنقلنا إلى ارض الشولو ، وفي هذه المساحة يتناول الكاتب العلاقة الجدلية بين الطبيعة والإنسان وكيف للبشري أن يتغلب على شراسة الطبيعة وقسوتها والطبيعة تجبرنا على الإبداع وابتكار أدوات جديدة ، والفترة التي قضاها اونالا والموفي وغانم في الغابة كانت غنية ومليئة بالإبداع .

إن موضوع التمازج والخليط الافروعربي يشغل من الرواية المحور الأساسي والكاتب أتى بنماذج مثالية وشخوص يملؤها السلام والحب وكأنما هي رسالة لإنسان الحاضر مقتطفة من تجارب الماضي ، وكثيرون يرون بان هذا قفز على الحقائق التاريخية غير آبهين بمهمة الأدب ورؤية الأديب للعالم والأشياء ، لكن علينا أن نعي بان هذا تناول أو عرض للوثائق التاريخية داخل الإطار الروائي ، كما علينا أن نعي أيضا أن التخيل الروائي أكثر أملا وثقة من الوقائع التاريخية وكما يقولون يمكن للرواية أن تكون أكثر غنى وإقناعا من التاريخ

يبدو اونالا وكأنه انتابه قلق وجودي كيف لا وهو الذي يحمل في داخله ثقافتين نقيضتين ويرى أن مصيره معلقا بين هذا وذاك ( ربما تذهب لتحرر أعرابيا هو صديقك من إسار السود ، فتقع بنفسك في إسار الاعاريب ) ص52 . لكنه أي اونالا يمتلك عقلا فذا وحكمة غريبة مما جعل الزلال تسميه ب ” كتاب الحكمة ” ، وبحكمته هذه يهادن على الطرفين لكن مهمته هذه تحتاج إلى تنازل وتضحية وصبر وحيلة ( يبدأ أبوه وشمام بالتعادي ، وهو الآن يهادن على الطرفين )ص52 . ولكن تأبى الدماء إلا أن تتربص به فلا فكاك له من هذا القدر المحتوم فالتاريخ الدموي يعاد أمام عيناه هذه المرة ، عندما توقفت رحى القتال بين فيفيتي وغانم انغمس اونالا داخل نفسه محدثا لها بأمل وألم ( هذا لا يدوم..لا يدوم .. الزلال وكوناتايا أقوى من لزعات الوجائع وغيرها ، فكيف التفاصل ؟ ومن الذي يوقف الذي بدا ؟ ) ص 127 .

انخرط اونالا بسهولة في مجتمع الشولو والذي ساعده في ذلك حفظ حكاوي والدته عن ظهر القلب وحكاياتها كانت شاملة تفصيلية ، فافرغ ذاكرته المشحونة بالحنين والأمكنة والشخوص والعادات والتقاليد وكل ما ينتمي إلى هذه الأرض ، ثم تكوينه المورفولوجي فهو الشلكاوي القح ، وبسهولة أيضا يجد جدته كوناتايا كان هذا من أكثر المشاهد تأثيرا وإنسانية (وجهها يتبدل وتكسوه رقة متناهية تتماوج فيها الأحزان والأفراح – عينا اونالا ترقرقتا بالدمع ) ص 83 . العودة إلى الجذور أو إلى الأصل وهي من المشاعر الغريبة التي تؤكد ميل البشر الفطري إلى أصولهم وجذورهم متحديين تأثيرات الزمان والمكان والتاريخ والثقافة التي شكلتهم والتحولات التي طرأت عليهم ، إلا أن اونالا كان متشظي الذات متآكل الدواخل حين ما جاش ما بداخله (ما إن أكملنا الشهر وها أنا ذا قد أصبحت من الشولو وسأرجع إلى الحي فأصبح إعرابيا أتكلم بلسانهم وأتزوج منهم وأفكر مثلهم ) ص 102 .

كما تناول الكاتب أيضا موضوع السراري وهو من المسكوت عنه في التاريخ السوداني بل حتى في راهننا هذا ، والسراري مفردها سرية وهي الأمة التي بواتها بيتا واتخذتها للملك والجماع كما جاء في قاموس مرتضى الزبيدي ، وهي من القضايا المورقة وجزئية مظلمة ورجعية من تاريخنا ووصمه عار في تاريخ الإنسانية عموما ، فالكاتب رغم شجاعته التي تحسب له في طرق هذا الباب الصدئ إلا انه لم يتداعى ويفصل حياه أفراد هذه الفئة ربما نسبة لتعقيداتها الاجتماعية والثقافية وكثيرًا ما يحدث في السرد التاريخي فان الكاتب يتجنب عن قصد عرض أو إثارة الأحداث التاريخية الحساسة فاكتفى بالإشارة إلى الأسماء مثل البيقاوية والعنجاوية والمندلاوية أما فيما يخص اينابور فلم تنخرط في حياتها الجديدة وظلت منكفئة على نفسها عدد من السنين محافظة عل لغتها وخصوصيتها الثقافية ( عدة سنين مضت حينما اتسقت العشرة بين الحي وعين الحور ) ص 32 .

هذه الثقافة التي تورثها إلى ابنها اونالا وعندما ذهب اونالا إلى ارض الشولو لم ينقصه أي شيء فافرغ ما في ذاكرته من الحكايات المتراكمة التي حفظها عن ظهر القلب مما مكنه من الانخراط بسهولة في مجتمعه الأصل .

ومن الأحداث المشوقة والتي أبدع فب سردها الكاتب هي تنصيب الرث عند الشولو التي أضفت بعدا جديدا للرواية ما بين الأسطورية والواقعية ، ومن أهم شروط اختيار الرث “الملك ” أن يكون سليم الجسم موفور الصحة قوي ليس لديه إشكال في بنيته الجسمانية وسابو فيافيتي الملك والد مياكايا بلغ من العمر عتيا (مسكين سابو فيافيتي إذ لا يجدر بالرث في هذي الأرض أن يبلغ المشيخ مثل ذكر الحرباء حتى تبدأ الأمة تزجر منه نحسا )ص76 .

مما جعل الكهنة يرعونه حتى لا يموت قبل ينصبوا رثا جديد ( والكهنة ينهكون ابتهالا هذه الأيام إلى جوك حتى لا تبقى للشولو أمامهم إلا الكوارث – من رعايتهم للرث قد يؤجلون استعادة روح النيكانج من بدنه المتهازل ) ص88 . جوك هو الإله الخالق عالم الغيب عند الشلك ، والنيكانج هو مؤسس القبيلة وهو روحها ورمزها العظيم له قوة خارقة وقدرات أسطورية ومن اعتقادات الشولو انه إنه لم يمت بل تبخر في الهواء حتى تبقى روحه تحرس القبيلة وترعاها لذلك عند تتويجهم للرث الجديد يجيئون برمز النياكانج لكي يسبغ روحه على الرث الجديد فتحل فيه ، وفي حالة سابو فيافيتي فإن القلق والضجر يسيطر على شعب الشولو عامة لان أهم ما في الأمر هو روح النيكانج ، فهناك من يريدون نزعها منه على سلامتها وهو رأي له مبرراته كما يرى أغلبية الكهنة مما دعا النياريث تيدو يانج أن يدعو الرث إلى مواجهة بينهما تنتهي بموت احدهما ، النياريث تعني حفيد أو ابن الملك أي الأمير ، تيدو يانج هذا المغرور الذي تعجبه نفسه قوي وعنيف جدا فانتهت المواجهة بقتل الرث سابو فيافيتي .

الرث له مكانه خاصة في نفوس الشلك فهو ليس ملك وحسب بل يعتقدون إنه يلعب دورا إلهيا ، لذلك فإن الرث لا يتصرف كشخص عادي ولا يظهر تصرفاته الشخصية أمام العامة ، لذلك فإن عملية اختيار الرث سرية للغاية وتقليدية فلا احد يدري من هو المختار ، ومن أهم مواصفات الرث أن يكون ذو أخلاق عالية ولبق وحسن التعامل مع أفراد قبيلته وواسع الصدر وعلى درجة من الحكمة .

والرواية تظهر الاختلاف والتباين في كل شيء بين البشر وتسلط الضوء على نمازج حياتية غنية بالتراث والعادات والتقاليد ، والأدب هو آلية فعالة في إبراز ثقافة الشعوب والتعريف بها ويؤكد أن إنسان هذه المجتمعات رغم بساطته إلا إنه مسكون بالخير والحرية والجمال .

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة