الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في “قرابين نيكانق “

قراءة في “قرابين نيكانق “

11228047_504900689677089_202572579557703789_n

الوطن..الكلمة المقلوبة للأنين .. 

أتريدون أن تصير الشعوب فاضلة ؟ ابدؤوا إذن بتلقينها حب الوطن”. جاك روسو 

هكذا تتفتح أزهار نيالاو الذابلة عندما تفصح عن قداسة الوطن ، هذه الكلمة  “الوطن” هي واحدة من الكلمات التي سافرت طويلاً قبل أن تصل إلينا بالمعنى الذي صار لها اليوم. ففي اليونانية واللاتينية، اللتين قدمتا الأصل الاشتقاقي لجميع اللغات الأوروبية الحديثة، لم تكن كلمة “الوطن” تعني أكثر من المرعى أو البيت أو تراث الأب أو قبر الأسلاف .. 

 .. 

قرابين نيكانق .. 

هي مجموعة شعرية للشاعرة نيالاو حسن ايلول وهي قرابين لكل الدماء التي هدرت في الحروب .. 

نيكانق  هو الأب الروحي لقبيلة الشلك وبمثابة اله أو رب . وقبيلة الشلك ذات نظام سياسي مركزي تحت قيادة ملك أو سلطان يطلقون عليه لقب «الريث» ويجمع الريث بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية في صيغة مشابهة للتقاليد المصرية الفرعونية القديمة.ويقوم «الريث» بتفويض بعض سلطاته أحياناً إلى العمد والمشايخ الذين يمثلونه في الدوائر العشائرية الخاضعة لهم، ويتوج «الريث» في احتفال كبير تنتهي مراسمه في فشودة عاصمة المملكة وتنظم طقوسه حدود المملكة كلها. 

وهناك نشير إلى أن جميع الأفراد مجتمع الشلك ينتظمون في كل خطوات تحضير مراسم التتويج كل حسب دوره وفق النظم والعادات والتقاليد. فالكل يتمتع بحقوق وواجبات تجاه القبيلة التي يحفها «الريث» بسلطته المستمدة من مبادئ (نيكانق) مؤسس المملكة الذي يستوحي رؤيته من (جوك) وهو يمثل الخالق في نظر الشلك. 

وللشلك تراث فني عريق ونجد أن آلة الربابة تمثل الأساس الموسيقي في فن الغناء والرقص في الأفراح الخاصة.ويربي أبناء الشلك الحيوانات للأغراض الاجتماعية في المقام الأول، وعلى رأسها سداد مهر الزواج والديات، كما تعتبر مظهراً من المظاهر الاجتماعية التي تحدد مكانة الشخص داخل المجتمع من حيث الغنى والجاه، هذا إلى جانب استخدامها في العديد من المناسبات مثل طقوس المطر عندما يتأخر في الهطول . 

إهداء :

إلى جميع نساء ورجال جنوب السودان . 

هكذا أشعلت نيالاو أعواد الثقاب في ظلمة ذاكرتها وتقدم قرابينها بحواسها وإدراكها لجوهر وأسرار عذابها ..

القربان .. 

إلى الدكتور جون قرنق دومبيور 

إن كنت نائماً ارقد في  الأرض الموعودة 

 

… 

 

يسير ليلاً على شارع من الزمن ، 

من الشمال إلى الجنوب

كل المسافات تبدو طويلة . 

المسافة بين فنجان القهوة والشفاه المتلهفة 

بين الشمس العريقة وذاكرتنا المتبخرة .

تسلق حافي القدمين 

لرعاية نجمة الحياة . 

على الرغم من السيف الذي احرقه في الرقبة

والعطش الذي استهلكه في حب الوطن 

والخدوش الخفيفة على وجنتيه  

ركع بركبة مجروحة 

ونثر المحبة في ثقوب الثعابين  

وتميمة مخفية 

بين الشفاه والصدر 

والآن يبدو نائماً 

لكنه لا ينام 

لا يزال هنا ودائماً هُنا 

توقظه الرغبة في إرسال بعض الأحلام 

قدمناه قرباناً لـ يوك 

ليكون الأيادي التي تطلق سراح الفجر 

وتكشف عن اللغط بين خيوط العنكبوت الهزاز 

فشلنا في رؤية اللهب من عينيه 

مثل سفينة حزينة 

أبحرت حين أتت الرياح خفيفة 

رحل ، ولكنه هنا 

هاهو يعود يمشي بيننا 

كما يسقط المطر على الأرض ! 

قدم جنوب السودان روح الدكتور جون قرنق قرباناً لـ يوك ، وهو اله في ثقافة قبيلة الشلك ، كما قدمه شمال السودان قرباناً للنيل وأحلامهم التي لم يأت مورفيوس لتحقيقها ، رجل أحب السودان كاملاً دون لعنات انقسام لذلك أصبحت رؤيته خالدة وانتظار سطوع شمس السودان الجديدة .. 

يا شمس الجنوب الجميلة .. 

يا شمس سماء الجنوب الجميلة؛

يا طقوس لغة حبيبي الحارة .

السماء تئن من معارك الليل 

ورائحة الدخان و الألم ! 

يا شمس السماء العظيمة 

يا العين الإلهية ؛ 

جففي البكاء في جلودنا الحزينة ، 

يا شمس الإله في منصة الأفق المتلألئة 

كل يوم نعيش على خناجر الريح ؛

و كل يوم ننتظر أن تموت نار الحروب ؛

لنرمي عليها بقوس ورمح !

عرف بورخيس الشعر بأنه شيء حميمي جداً ، جوهري جداً ، لذلك لا يمكن تعريفه دون الإفراط في تبسيطه . فمحاولة تعريف الشعر شبيهة بمحاولة تعريف اللون الأصفر ، أو الحب ، أو تساقط الأوراق في الخريف . لا اعرف كيف يمكن أن تُعرف الأشياء الجوهرية . 

وقد أظهرت نيالاو جوهر حزنها على أرضها المبتلة بالدماء ، والدخان يحجب رؤية الغد الآتي . ذاك الغد الذي حلمت به وحلم به الكثيرون لكن سرعان ما يفزعهم صوت الرصاص .  

شعور حزين تصيغه الشاعرة نيالاو بإنسانية 

وكانت رثاء للوطن و إنسان إفريقيا .. 

هذه القارة المليئة بمفاتن الحضارة والطبيعة ، هي غذاء لهذا العالم لكنها أُغرقت في الجوع ولعنات الحروب وأصبح إنسان إفريقيا هو قربان للألم والمعاناة .

تميمة لشجرة المانجو .. 

 

 لا بدَّ لي أن أعبرَ

 

بينَ كلابِ المدينةِ

 

ومُوسيقى الصباح

 

تحت الرَّصاص

 

لكي أكتبَ على ساقِ شَجَرةِ المانجو

 

هذه القصيدةَ كذكرياتٍ تُمارسُ الحِيَلَ على يومٍ ماطر،

 

الطقسُ مُجَرَّدُ اِبتسامةٍ مُلتَوية

 

يمارسُ الانزلاقَ من خلال ثُقب السماءِ المضطرب

 

يَنِزُّ غرائبيةً غامضةٍ،

 

كغناءِ مشعوذٍ في أحلك أيام يناير الباردة !

 

ينبغي أن تكون هذه القصيدة زُنبقة

 

أو تقويمًا حيًّا في أنشودةٍ قديمةٍ

 

نُقِشَتْ في العَتَبةِ السِّريةِ للظلامِ الأَبدي

 

أو امرأة ترتدي شِبْشِبَها الصيفيِ

 

تَهُزُّ رأسَها وتقول:

 

أنتَ يا حبيبي على قيدِ الحياة

 

وَظِلُّ حذائِك يشبهُ البندقية قليلاً

 

تَحولتْ فقط لتصبح بروميثيوس

 

النساءُ يعرفن كيف للموتِ أن يكون سعيدًا

 

لذا يفضلنَ النَّوافذَ المفتوحةَ،

 

وابتسامةَ شجرةِ المانجو؛

 

والليلَ أو هذا الشعورَ السَّريع

 

الذي يشبه أسئلةَ نسيجِ الوجودِ بين الرَّعْدِ

 

والعاصفةِ خارجَ النافذة

 

أو مِحنَةَ العذاب البطيء لصورة السماء المنهارة،

 

حين يُغادرُ الرِّجَالُ للحَربِ .

 

لأنَّ النساءَ يعرفن كيف يكون الجُنودُ

 

أكثر الناس مقدرة على العشق

 

ويعرفن أنَّ الجنودَ يضعون الدانتيل على ظِلِّ الزِّناد

 

ويكتبون قصائدهم على جسد المرأة برائحة الهواء

 

لكن قصيدتي المنقوشة على ساق شجرة المانجو

 

لم تجرؤ على الوَعْدِ بوصولِ الصَّباح

 

ولا على النومِ تحت الأمطارِ النَّديةِ العَذبة،

 

ولا بالقُبْلةِ الحُلوةِ بين دِفءِ يَدَيكَ،

 

لأنَّ حُروفَها المُتلألِئَةِ غَرَقت

 

في الأزرقِ العَميقِ لرَائحةِ البَارُود!

بروميثيوس أحد الجبابرة في الميثولوجيا الإغريقية  ، وجد البشر الأوائل أنفسهم على هذه الأرض محاطين بكم كبير من الظواهر الطبيعية الغامضة والمخيفة في كثير من الأحيان ، ونظرًا لعجزهم عن فهم أو تفسير الكثير من هذه الظواهر قاموا بنسبة كل ما جهلوه إلى القوى فوق الطبيعية، أو الآلهة … فاعتبر اليونانيون القدماء صوت الرعد مثلًا ” عراكًا بين الآلهة ” … وفسروا طلوع الشمس كل يوم وغروبها بأنها تجر من قبل آلهة كل يوم … وهكذا كان حال كل البشر.

ونظرًا لعنف الطبيعة وعشوائيتها ضدهم ، فقد ولد هذا نوعًا من الحدة أو العداء والخوف من تلك الآلهة التي ترسل الموت والمصائب كثيرًا ، وترسل أحيانًا الخير والبركة ، فسعوا إلى إرضاء تلك الآلهة المتجبرة بشتى الوسائل من العبادة والقرابين . 

قبيلة الشلك مليئة بالطقوس الدينية التي تشبه الميثولوجيا الإغريقية ، من حيث العبادة والقرابين ونيالاو شاعرة ذات أخيلة جامحة جمعت بين ثقافة قبيلة الشلك والحضارة الإغريقية التي تعمقت فيها ..

عن أبو بكر العوض

mm
كاتب وشاعر من السودان