الرئيسية / احدث التدوينات / قصص مناهضة الاستعلاء حول العالم (2) : كفاح اللامرئيين

قصص مناهضة الاستعلاء حول العالم (2) : كفاح اللامرئيين

black-children-and-men-standing-behind-a-barbed-wire-fence

بقلم رهام حبيب الله

أحد أكثر الديمقراطيات استقرارًا في أفريقيا ،والدولة الأغنى والأكثر تنميه في القارة، والأكثر تنوعًا سكانياً، ولكنها في الوقت نفسه أحد أسوأ النماذج للاستعلاء العرقي حول العالم ، ستكون جنوب أفريقيا نموذجي لهذا المقال:

جنوب أفريقيا _ موطن قوس قزح :

“عندما سأل الصحفي السمراء العشرينية: ما هو شعورك وأنتم ستشاركون غداً في الاقتراع لأول مرة في تاريخ بلادكم ؟ اقتربت منه في حيرة وقالت : ما هو معنى اقتراع ؟ ،هل تقصد أن سيدي سيسمح لي باستخدام المرحاض ؟”

جنوب أفريقيا من الدول القليلة حول العالم التي تسلطت فيها أقلية تبلغ 20% من أجمالي السكان،ولكن هذا التسلط لم يحدث فقط عام 48 بتطبيق سياسة الفصل العنصري بل كان نتاجاً لتراكم الثقافة العنصرية لسنوات طولية ،لذا يلزمنا استعراض بعض الخطوط التاريخية التي شكلت ملامح العنصرية في جنوب أفريقيا.

تاريخ الصراع :

Apartheid

               

يعود تاريخ هجرة الأوروبيين إلى جنوب أفريقيا لعام 1625 عندما تمكن (يان فان ريبيك)الموظف الهولندي في شركة الهند الشرقية الهولندية من تأسيس محطة تموين السفن الشركة في منطقة (الكاب)، ولأجل إنتاج المواد التموينية للسفن، قام (ريبيك) بجلب العمالة من هولندا وهكذا بدأت الهجرة والاستيطان بدافع العمل أو بحثًا عن الحرية السياسية والدينية( بنت الشركة سورًا هائلًا يمنع السود من الاقتراب من أملاك الشركة وموظفيها). وعندما عجزت الشركة عن استيعاب الأعداد المتزايدة للمستوطنين بدؤوا بالعمل كصيادين أو في التجارة مع السكان الأصليين، وهكذا ظهر خلال القرن الأول من الاستيطان ما أطلق عليهم تاريخيًا اسم (البوير الرحل).

عندما احتلت بريطانيا منطقة الكاب عام 1795بدأت مرحلة التدفق الواسع للمهاجرين الإنكليز والاسكتلنديين الذين كانوا على العموم أكثر ثقافة وثروة وتماسًا مع أوروبا الصناعية من المهاجرين (البوير)، فأصبح الناطقون بالإنكليزية هم النخبة في مستعمرة الكاب ،وعندما ألغت الحكومة البريطانية نظام الرق في عام 1833 ووضعت قوانين حددت من إمكانية البوير من الاستحواذ على أراضي جديدة لهم وحرمتهم من التوسع، تجمع البوير(الذين أطلق أبناؤهم على أنفسهم تسمية الافريكانز )في عملية هجرة واسعة من مستعمرة الكاب إلى داخل البلاد منذ عام1834 ( الهجرة الكبرى) مندفعين نحو إيجاد أراض جديدة لهم والتحرر من السيطرة البريطانية، خلال هذه المسيرة بدأ البوير بانتزاع الأراضي الزراعية من السكان الأصليين فجرت المذابح ضد قبائل الهوتنتوت والبوشمن، وكانت معركة (نهر الدم) التي جرت في 16 كانون الأول 1838 من أشهر تلك المعارك بين المستوطنين البوير وقبائل الزولو ، وبهذا بدأت الصراعات بين البوير والسكان الأصليين بغرض انتزاع الأراضي، أو فيما بين القبائل بسبب التنافس على ما تبقى من أراضي, ثم في وقت لاحق بين البوير ومستعمرة الكاب البريطانية خصوصًا بعد اكتشاف الماس والذهب ، وبعد أن مات الآلاف في معارك الانكلو-بوير صدر أخيراً عام 1910 قانونًا تم بموجبه إنشاء اتحاد جنوب أفريقيا فسمح للبوير الاشتراك في السلطة بجانب البريطانيين ،أي أصبح الحكم بريطاني-هولندي بينما تم منع الأفريقيين تمامًا من حق المواطنة والمشاركة السياسية داخل الاتحاد.

نشوء القومية :

منذ هبوط الرعيل الأول للهولنديين عزلوا أنفسهم عن القبائل الأصلية ،ثم قطعوا صلتهم بالمجتمع الأم وسلخوا أنفسهم من تيار النمو الأوروبي في محاولة لمواءمة الظروف الجديدة أدى ذلك لتكوين نزعة فردية شديدة زاد من دعمها اعتمادهم على الدين في بنائهم القومي،حيث استندوا على عقيدتهم المسيحية الكالفينية التي نشأت في القرن السابع عشر والتي استوحوا منها اعتقادًا راسخًا بأنهم شعب اختاره الله وأن( السود الوثنين لا حق طبيعي لهم في أنفسهم ولا حق لهم في امتلاك الأرض) ،كما أن المواجهة بين الافريكانزر والاستيطان الإنكليزي أضافت عنصر دعم أخر في بناء قومية الافريكانز، فقد أصبحت المصاعب التي واجهت الهجرة الكبرى هي الفكرة التي بنيت عليها القومية ، ولا يزال أحفاد رواد الهجرة يتعالون على من ظل في مقاطعة الكاب تحت الحكم البريطاني، ثم تسميتهم للحرب مع البريطانيين بحرب الاستقلال وكذلك تكوينهم للغة خاصة بهم قوامها الهولندية مع بعض المفردات من اللغات الإفريقية ولغة الملايو.

وعلى الطرف الآخر تميز المجتمع الناطق للانجليزية عن الافريكانز بأنهم ظلوا على اتصال دائم بثقافتهم الأصلية في الوطن الأم، وظلت الأفكار الليبرالية هي مصدر التحرك السياسي والاقتصادي والاجتماعي للإنكليز في جنوب أفريقيا ،فاتسعت الهوة بين الفئتين بالرغم من انتمائهم لحضارة مشتركة هي الانجلوسكسونية واعتناقهم نفس الديانة .

لم أذكر الأفريقيين هنا لأن الحديث حول النزعة القومية كان متعلقًا فقط بالأفريكانز وكان الصراع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حول حقوقهم هم , وكأن الأفريقيين الذين يشكلون ثلاثة أرباع السكان لا وجود لهم.

الفصل العرقي:

مالان

في صبيحة 4يونيو 1948تولى الدكتور دانيال فرانسوا مالان(الهولندي الأب) رئاسة وزراء جنوب أفريقيا، فبدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع الاجتماعي عندما أضاف هذا الحزب إلى الممارسات العنصرية في المجتمع طابعًا سياسيًا وقانونيًا من خلال جعل سياسة الفصل العنصري (الأبارتهايد،وتعني حرفيًا الطابع الفريد) الإيديولوجية الحاكمة للدولة ؛صدر أول قانون عام49 والذي منع التزاوج بين الأعراق،ثم في العام 50 قانون تسجيل السكان الذي ألزم جميع السكان بحمل بطاقة تعريفية توضح هويته العرقية،عدل هذا القانون عام 52 لتصبح “مراجع” بدلًا عن البطاقة يتعرض الفرد للسجن والغرامة إذا لم يحمل معه “الكتاب المرجعي”،عام 51صدر قانون البانتو الذي حصر البانتو في ثمانية مستوطنات تشكل13%من مساحة البلاد سميت ارض البانتو ،تبعه عام54 قانون التوطين الذي نقل جميع الإفريقيين في البلد إلى داخل ارض البانتو( مابين العام 60و83 جرد ما يزيد عن 3.5 مليون إفريقي من منزلة في واحدة من أكبر عمليات الإزالة الجماعية في التاريخ الحديث ) ،في العام 53 وضع قانون فصل الخدمات فتم بموجبة فصل المواصلات والنوادي والمطاعم والمدارس وغيرها وقانون العمل الذي وضع مزيدا من القيود علي الأفارقة،ثم قانون تعليم البانتو في العام 55والذي نزع التعليم من يد المبشرين وحولته للحكومة التي حددت طريقة التعليم علي حسب العرق .

المقاومة والتغيير:

بدأت حركة مناهضة سياسات التميز العنصري وتم تنظيم العديد من أساليب المواجهة السلمية، ففي عام 1952 تم تدشين «حملة تحد» والتي شملت اتحاد عدد من الكيانات مثل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والمؤتمر الهندي الجنوب أفريقي والمؤتمر الشعبي للملونين: تقدم أكثر من 800 متطوع إلى المحكمة مطالبين بإسقاط قوانين التمييز إلا أنه تم إلقاء القبض عليهم جميعًا ووجهت لهم تهمة خرق حظر التجوال ودخول مرفق مخصص للمواطنين البيض دون تصريح،وحملة مقاطعة الحافلات احتجاجًا على انخفاض الأجور، وغيرها من أساليب العصيان المدني؛ مما دفع الحكومة إلى إصدار قانون السلامة العامة في عام 1953 والذي يهدف لمواجهة عمليات العصيان المدني تلك وفرض عقوبات تصل إلى الحبس لمدة 5 سنوات.وفي العام 56 نظم إتحاد المرأة في جوهانسبيرغ مسيرة شاركت بها  20 ألف سيدة من مختلف الأعراق إلى مقر مجلس الوزراء مطالبين بإسقاط قانون المرور ، وفي عام 60 تحرك مجموعة من السكان السود لمدينة شاربفيل إلى مركز الشرطة مطالبين باعتقالهم كنوع من أنواع المقاومة، فأطلقت الشرطة النار عليهم وتسببت في مقتل 67 وإصابة ما يزيد عن 180 من المحتجين بحجة أنهم وصلوا المركز دون تصريح مرور؛ مما دفع العديد من سكان شارفيل إلى مخاطبة قادة المؤتمر الشعبي بأن العمل السلمي لا يفيد ويجب أن تتم مواجهة تلك السياسة مواجهة عسكرية؛ مما دفع المؤتمر لتكوين عدة أجنحة عسكرية، فجابهتها الحكومة بحملة اعتقالات واسعة زادت على ال140 من قادة الأحزاب السياسية وأجرت محاكمة ريفونيا 63-64 التي حكمت علي نيلسون مانديلا وولتر سيسلو بجانب آخرين بالسجن مدى الحياة، كما صدر قانون الأمن العام الذي يسمح باعتقال أي شخص لمدة 90 يومًا دون أمر رسمي أو المثول أمام المحكمة ،ثم قانون يمنع حيازة الأسلحة غير المرخصة ،فزاد الخناق على المقاومة العسكرية.

ما يجعل جنوب أفريقيا أحد أقوى النماذج هو إصرارها على المقاومة لمدى سنوات طويلة بالرغم من ازدياد تسلط نظام الدولة البوليسية الوحشي؛ فاستمرت الإضرابات والإعتصامات المتكررة ، تزامنت مع ضغوط خارجية مثل قرار الأمم المتحدة عام63 الذي منع الدول من بيع الأسلحة لجنوب أفريقيا، ثم قرارها في نفس العام بيع النفط، ثم تعليق كل المبادلات الثقافية والتعليمية والرياضية ،وانسحاب الشركات العالمية بعد أن تكررت الإضرابات في المصانع والمناجم وتصاعد أعمال العنف،ثم قرار الأمم المتحدة لعام 86 بفرض جزاءات وعقوبات اقتصادية .كل هذا وضع جنوب أفريقيا أمام كارثة اقتصادية ، مما دفع الرئيس بوتا في محاولة منه لتهدئة الوضع إلى الإقرار بوجود مجالس تشريعية خاصة بالملونين والآسيويين (لازالت الأغلبية السوداء غير مرئية) ولكن واجه ردود فعل داخلية من البيض والسود على السواء.

بعد تنحي بوتا أعقبه دي كليرك عام 89 وقام بإلغاء أشهر قوانين الفصل العنصري كما أعترف بشرعية الأحزاب المناهضة التي تم حظرها منذ الستينات كما اطلع سراح السجناء السياسيين وأخيرًا السماح بإجراء انتخابات متعددة الأجناس عام 94 للمرة الأولى منذ قيام اتحاد جنوب أفريقيا فاز بها نيلسون مانديلا لينتهي بذلك عهد الفصل العنصري .

تعقيب :

ربما يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: لماذا استجاب الحزب الحاكم وغير من سياسته؟

تأسس الحزب الوطني علي يد الجنرال هرتزوج عام ۱۹۱۲ ، الذي عرف بتشدده وعنصريته وهو صاحب نظرية (إن المجتمع الأسود المتأخر لا يستطيع النهوض بمستواه إلى درجة المجتمع الأبيض الحديث وانه من العبث تضييع الوقت والجهد في محاولة تغيير الحقائق)، ومن أعقبه على رئاسة الحزب (مالان) لم يكن أقل تشدداً ،حتى أن مفكري الحزب عام56 ألغوا حق الملونين المحدود في الانتخاب حتى لو كانوا ناطقين للأفريكانية، ولكن داخل الحزب انشقت مجموعة صغيرة شكلت تياراً معتدلاً اعتمدت على البراغماتية في حين أعتمد المتشددون على إيديولوجية النقاء القومي في سياساتهم ،ومع ذلك ظلت السلطة في يد المتشددين حتى عام 90 . لم يكن لحزب بهذه المبادئ أنه يغير سياسته بكل بساطة ولكن الصورة الحقيقية أنه عندما ازدادت الضغوط الداخلية والإضرابات في البلاد والعقوبات الخارجية التي أدت إلى انهيار اقتصادي علم الحزب الحاكم أن التغيير قادم لا محالة فأراد أن يكون جزءاً من اللعبة بدلاً من أن يترك الأمر في يد السود وأدرك أن بقاءه خارج العملية يعني تهميش دوره السياسي مستقبلاً،وقد رأى أنه حتى لو نجحت الأغلبية السوداء في الانتخابات فإن البيض يسيطرون على القوى الاقتصادية والبوليس كما أنها الفئة المؤهلة وظيفياً لذلك ستجعل الإصلاح صعباً حتى تعود لسدة الحكم مرة أخرى وباختيار السود هذه المرة.

الفصل العنصري أحد إفرازات الاستعلاء العرقي وإن كان الأكثر قبحًا ولكنه واضح وسهل التغيير مقارنه بالتفرقة الاجتماعية ،قصة تحرير جنوب أفريقا المبهرة أنهت فقط الفصل المقنن بالتشريعات والقوانين ولكنها وُضعت أمام تحدي أصعب وتحرير لن تقوم به صناديق الاقتراع ؛الوصول لمرحلة التعايش السلمي بين القبائل الأصلية التي عانت من العبودية لقرون طويلة ،والأقليات التي عاشت ما يزيد عن ال300عام،وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.

عندما وجه أحد الصحفيين سؤالًا ل ثامبو أمبيكي (أحد رموز التحرير والرئيس الذي أعقب مانديلا لفترتين متتاليتين : سيدي الرئيس الأسبق بعد حكمك لعشرة سنوات مازالت الأوضاع سيئة وهناك الكثير من القضايا العالقة مثل السكن وانخفاض الأجور وغيرها ؟ أجابه بهدوء : وهل تكفي عشرة سنوات لإصلاح ما فعلته 300عام من الاضطهاد .

ما قدمته التجربة الجنوب الأفريقية للعالم هو برهان على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم ،وأنه مهما طال أمد الظلم فلابد لليل من نهاية.

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان