قمرة

hqdefault

بقلم : صدِّيقة فوزية 

          كانت العربة تسير بوتيرة متعبة..يجرها حصان تتابعت خطواته مللا واستسلاما لمصير ظل يمارسه منذ وعى على الدنيا ؛ نفس الطريق بين السهوب ..

 راح يفكر بما يجعله ينسى ترويضه المجبر لمهمة لم تخلق لها الأحصنة! لكن ماعساه يفعل..؟

كانت أيضا تفكر، وقلبها يحلّق بين ما مرّ وما ستراه.. لم يتوقف القلب العاشق عن الخوف والترقب منذ قال لها زوجها :

“-السي أحمد مريض..لازم نزوروه و نطلّو عليه ..الراجل صاحبنا ومُولى خير علينا “

.. فابتلعت غصة في أعماقها..وحاولت أن تبدو عادية..

 -“مابه السي أحمد ؟؟ خير إن شاء الله ؟”

-“كان في المعتقل..عذبوه بزاف ..”

بدت الطريق طويلة وباردة، وهي لا تفكر إلا به.. السي احمد الرجل المهيب..كم يكون مدى آلامه يا ترى ؟ قلبي فداه.

سحقًا للاستعمار..متى قد يحل عنا ؟ “

 ثم حين صاح سائق العربة مبشرًا بأنهم يقتربون من أرض السي احمد،  راحت تنظر إلى الجبال الشامخة ..وتستنشق رائحة الصنوبر تعبّق الهواء..

لقد كان على حق حين كتب شعرًا عن الأوراس؛ لا يمكن ألا يصاب بالرهبة من يراها، تلك القمم.

 وصلت العربة، وبين الترحيب الكبير لأهل الدار..كانت تبحث عن وجهه.. !

 كان البيت كبيرًا جدًا بغرف لا عدّ لها، ونساء وبنات كثيرات ترتدين الملحفة الشاوية كلهن؛ مطرزة بأجمل الرشمات،  وطغت الوشوم الزرقاء على جباههن حتى الصغيرات منهن.

وأبدت النساء خصوصًا زوجة السي احمد إعجابها الواضح بجمال “قمرة”.. ثم تمنين لها، كما يفعل الجميع منذ زواجها القريب، أن تنجب عددًا كبيرًا من الأبناء خاصة والبنات!

بعد الغداء، دخلت النساء برفقتها لرؤية سيد البيت المريض، فاندفعت فيضانات شوق من أعماقها وهي تراه؛ ممدّدًا على فراشه، بهي التعب المرتسم على وجهه الحبيب، وكانت تكابد جهدًا كبيرًا كيلا ترتميَ في حضنه.!

حين اعتدل في جلسته وهو يرحب بها، ويشكر زيارتها وزوجها؛ صديقه العزيز..بدا أثر الجراح جليًا على محياه، ويده “المكسورة” المرفوعة ب”محرمة الشامي” المزركشة إلى صدره..فاعتصر قلبها الألم.

وربما لم تخفَ عن عيونها اللماحة تلك الرعشة الخفيفة على شفتيه، تُراها من أثر المرض ؟؟

 أم أن الحب المعتلج في روحه غلبه كما غلبها.!

-“على سلامتك، سي أحمد..انشالله راك مليح “، صوتها المجدول بكل بالوجد نفذ إلى روحه ليغشيها بالسلام..كم حلم بصوتها وعينيها..كم حلم بها..!

-“الحمد لله، أنا بخير.. الآن “، ففهمت لزوم وجود “الآن ” في جملته؛  مازال الحب قائمًا في قلبه، يعيد ذكرى اللقاء الجميل، في “المرسم “..كيف يمكن أن يغيب عن باله وبالها.؟

 كانت صينية القهوة قد حضرت، ومعها حكايات المعتقل وصمود ” الخاوة” في وجه التعذيب القاسي..

 السي أحمد كان مكلفًا بمهمة الاتصال والتنسيق بين القيادات في المناطق العسكرية بالشرق فكانت بجعبته كل الأخبار،  واعتقد الماريشال الفرنسي المشرف على المنطقة أنه بالقبض عليه يكون قد عثر على كنز استخباراتي حقيقي، لكن بسالته – هو ورفاقه – لم يكن ليسري إليها أي شك..

الولاء كان للوطن، ولا شيء غير الوطن.

وقص عليهم المجاهد الكبير كيف أعجب الماريشال بصلابة” السي مصطفى بن ب والعيد” ورفقائه أمام أشد أنواع الوحشية والتعذيب، تمامًا كما أعجب الجنرال الفرنسي ” بيجار” ببسالة  ابن الأوراس الأشم “العربي بن مهيدي ” وهو يجابه التعذيب مبتسمًا؛ فقال عنه مقولته الشهيرة :”لو أن لي ثلة  من العربي بن مهيدي ,لفتحتُ العالم “، وقال أنه يعجز عن ترويض هؤلاء الرجال الذين اختاروا كرامة العيش أو تسليم الروح دونها..فداء لعشق الوطن ..

 وبين الحكاية والحكاية، ومشاعر تجيش بالزهو القومي الثائر، كانت أعينهما تلتقي، فتسيل الثلوج المتبقية على قمم الأوراس شوقًا حارقًا، وتحكي العيون ملاحم من نوع آخر، لا يفهم صمتها إلا العشاق.

 كانت نظراته، ذلك الكبير في “الدوار” ترنو إلى شفتيها ترتشف القهوة من حافة الفنجان، فيعصف به الحنين إلى ذكرى القبلة الأولى، ذات غفلة من الزمن، طعمها ما يزال عالقًا أبدًا على شفتيه.

فابتسمت ” قمره ” للخاطر الذي أسره وتواطأت أفكارها معه، بعيدًا عن الحاضرين، إلى مرسم اللقاء، حيث لا أحد سواهما وذاك الحب الذي جمعهما بغير موعد.

لا شيء سوى قبلتهما الخالدة..”وبناتها “! من ارتشافات صغيرة تجوب خليج الجسد، وثورات الرغبة غير الموزونة – كشعر “الجرموني “الملحون يصدح في الأعراس –

 لأول مرة  في سنواتها القليلة  شعرت ” قمره” بكل ذلك الهيام، برجل.. لم يكن رجلا فحسب، لقد اختزل الرجولة كلها..

…ومن كرم الضيافة عند أهل “الدوّار”،  ألا يغادر الضيف البيت لأيام كاملة، أقلها ثلاثًا. فمكثت “قمرة” الآتية من أقصى الشمال، بنت البحر والرمال وزوجها، قليلًا بعد. تمتعت في خلال ذلك بمشاهدة الجبال الشاهقة الارتفاع، كأنها تروم عناق السماء، تتسابق على سفوحها لُجج  المياه الفضية العذبة، يتسابق الصفاء فيها، أيها يعكس لون السماء أحلى.

لم تكن تخلُ بلدتها من مثل تلك اللجج، لكنها هنا تنبع باردة كالثلج، منعشة كالصباح الأوراسي المبهر، شديد الإشراق؛ ما إن تفتح عينيها كل صباح،  حتى تغمرها النسمة الخضراء الباردة جدًا، محملة برائحة الصنوبر التي تملأ المكان،  وصياح الديَكة العالي، ترحب بيوم أمل جديد، وتتحدى بعلو أصواتها يد المستعمر التي ظلت تكتم كل صرخات الحرية،  تنبعث من الحناجر والقلوب والعقول الحية الثائرة أبدًا، لم تطمسها وطأة القرن وأكثر. ثم صراخ الصغار من أبناء السي احمد وأخويه، اللذين كانا يعيشان في كنفه تحت سقف بيت واحد؛ كثير من الأبناء على” قمرة” لتحفظ ابن من هذا وأم من هذه!     

  لكنها شعرت فعلًا في هذا البيت الكبير بتكاثف الأسرة -على كبرها- حيث يمتثل كل فرد منها لمن يكبره سنًّا، امتثالًا نابعا من محبة احترام؛ فلا يعلو صوت أو تُرد كلمة بحضور الأكبر منهم سنّاً.

واستأنست بأحاديث النسوة وبناتهن الأقرب إلى سن الزواج، كلما اجتمعن حول “الطاجي ” لطهو كسرة الخبز، أو أي طعام آخر.. كانت أحاديثهن باللهجة المحلية «الشاوية”، لكن إكرامًا لها، كُنَّ تتحدثن بالعربية المكسرة. عدا تلك العجوز” مّا حدّة “؛ التي لم تكن ترضى بالتنازل عن عرش شاويتها أبداً..!

كانت طوال الوقت تدير “مغزل الصوف” بحركة دائرية لا تنتهي، والخيوط الرفيعة تتناوب بين أصابعها كالسحر، وعيونها ترقب الوافدة الجديدة بتفحص مربك، فلا تنتهي من سؤالها حتى في وسط الحديث، كأن تفكيرها بها لا يقطعه شيء !

 وتتطوع إحدى البنات بترجمة أسئلة ” مَّا حدّة ” وربما بتأكيد على تخفيف حدتها بل وحذف الأجزاء النابية منها:_” لماذا لم تحبلي للآن ؟؟”

-“لماذا لا تضعين زيت الزيتون على شعرك كل صباح؟! هذا أمر ضروري ليكبر ويطول حتى لو كان شعرك..جميلًا يعني؟”، قالت ذلك وهي تميل برأسها- الذي ناء بحمل المحارم- لتتبع مسار الضفيرة الشقراء الطويلة ، ضفيرة “قمرة”.

– ” ثم لماذا لا تلبسين جوارب الصوف يا بنت؟ ألا تبرد قدماك البيضاء جدًا هذه ؟؟هيا يا “الريم”- وهي زوجة السي احمد ، أعطها زوجًا من جواربك الصوفية؛ إنها “الفطيرة “يا ابنتي، وهي أشد بردًا من الشتاء نفسه “. كل هذا و”قمرة” لا تفعل أكثر من أن تبتسم وتجيب بكل أدب ممكن؛ فالعجوز “ما حدة “- على خرفها- كانت الآمرة الناهية بالبيت الكبير وهو شأن كل العجائز في “البلاد” .

في الغد، قادهم الأخ الأصغر لسيد البيت – نيابة عنه لمرضه- لزيارة مكان بعيد قليلاً..لكنه السحر تنزّل من عرش الرحمان على الطبيعة العذراء؛ إنها “غوفي” البهية بشرفاتها المطلة على الجنة، وغُرَفها المنحوتة في صخر الجبال ؛ كأن الجن نحتها وليس الإنسان .

 سحر طاغ يأخذ بأنفاس الزائر، والينابيع المتفجرة من أعالي القمم؛ كأنها تمتد من عيون الجنة، تترقرق نزولًا على الصخور الصفراء والبنية، فيرسم مجراها لوحة آسرة من ألوان عمودية الجمال، أبرزها الأبيض..

 ثم وهي تلامس الأرض، ترتمي في أحضان العزة ارتماءً تتطاير منه القطرات لعنفوان اللقاء؛ تلك الأرض المرفوعة الرأس دائمًا ..حتى وهي منبسطة.

“-ما أجملك يا أرضنا !”،  فكرت “قمرة” ومن معها وهم يهيمون في الجمال الإلهي، كأن كل واحد منهم كان منفردًا بالطبيعة الأخاذة.

 ” أرضُك بدماء الشهداء تخضّبَتْ  – ” لن تكوني للمغتصب مهما

    لدى عودتهم آخر المساء، كانت “غوفي ” قد زادت من تعلق العاشقة بهذه الأرض وصاحبها، فلم تعد تطيق صبرًا لتراه..لكن واجب الضيافة كان يحتم عليهم تناول العشاء، وقصعة الشخشوخة التي جهزها الجيران بكل حب من أجل ضيوف الدار.

 هكذا كانت العادات؛ ضيوف الدار هم ضيوف كل الجيران. وفي آخر يوم وهم يتحضرون للرحيل، كان كل الجيران يحضرون هدية مختلفة للضيوف، حتى تنوء العربة بحملها.

..لم تستطع “قمرة” أن تنتظر أكثر، فاختلست غفلة النسوة وهمست في أذن البنت الجالسة أمامها تسألها عن أبيها .. فأشارت الطفلة إلى الخارج إلى وجهة ما، لم تفهمها “قمرة” وهي تقول:

 “-ليس أبي يا خالتي..عمي هو عمي “!

فانتبهت ” مّا حدة ” شزرًا لهما ويبدو أنها، على طرشها المزعوم ، كانت تسمع دبيب النملة.!

ارتبكت “قمرة” بشدة وشعرت أن نظرات العجوز تفضح ما بها !! ثم بعد انتهاء فورة العشاء وما يليها من تنظيف وترتيب، تجمع الكل حول سيد البيت وهو يجلس تحت الشجرة الكبيرة، الضيوف وما تيسر من  العائلة. كان البدر مكتملًا، فلا حاجة للقناديل. وبدا وجه السي أحمد أبهى تحت الضوء الرباني .

 كان يجلس هناك يفترش “الحنبل ” المصنوع بيد نسوة الدار من الصوف و شعر الماعز، موشومًا برموز جميلة تعكس عمق الحضارة البربرية الضاربة في جذور التاريخ. وافترش الجميع “حنابل “أخرى، وجيء بأغطية لمن يريد أن يدفئ قدميه. كان هناك يرتجل الشعر الملحون، ويملي، لكسر يده، على ابن أخيه الذي كان يغطس قلم المداد الخشبي في دواة الحبر المصنوع محلياً.. كل شيء كان يصنع في المكان..

حتى قصائد الحب الجميلة ! كان الفارس يحرص على كراريسه وأوراقه حرصًا بالغًا، فهو بالإضافة إلى مهمة الاتصال بين قيادات الثورة، كان مدرسًا للغة العربية، وهي مهمة شاقة اضطلع بها رجال من” الخاوة” لإعادة بناء الهوية الوطنية التي بذلت فرنسا كل جهدها لتطمسها، فيضيع أبناء الشعب بين فقدان اللغة والدين وتراث البلد العريق.

كان ما يكتبه السي احمد وبعض شعراء الملحون مثل “بن قيطون”وغيره يسري في صفوف الجزائريين فيزيدهم عزمًا وتصميمًا على افتكاك الحرية، وكانت قصائد الحب، المجبول غالبا بالحرمان، تزين مجالس الناس وتروي عطشهم لحديث القلوب.

توقف السي احمد عن نظم الملحون حين التأم الشمل، فترجاه الجميع أن يكمل، وكانت “قمرة” تختلس النظر إليه كلما سنحت الفرصة، وهو كذلك، فاسترسل في شعره يسرح بنظره بعيدًا إلى الفضاء.

“قلبي مهموم ما نرقد مايجيني نوم..

ولْفي بحذايا ومادرا وش بيّا.

مالقدّ الموسوم  من طيب المشموم..

مسبوغة لنجال شهلت عينيا.

يا خضرة لريام يازينة لفهام..

 حنّي عالمغروم وروفي بهدية.

ثم فكر قليلًا وقال لكاتبه :

“-استنّى ياولد..أمحي خضرة لريام واكتب (يا ريمة ) لريام..”

-“حاضر أعمّي ..حاضر “

 وابتسمت زوجته “الريم ” لقمرة ابتسامة خجلى تنبهها للإشارة على تفضيله استعمال اسمها، لكن العجوز أردفت على كلامه بقسوة وحزم : “قمرة، ياولدي، قمرة.. اكتب قمرة مكان الريم “!!

فرمقها السي احمد بنظرة متسائلة حادة و بعيون مفتوحة عن آخرها.. فاسترسلت بنفس الحزم والهدوء:

“- لازم نكرموا ضيفتنا يا ولدي، اليوم “قمرة “، والريم ماعندها وين تروح !!”

” يالدهائها ” مّا حدة “!، فكرت الضيفة ورعدة تسري في كل أوصالها..

تراها فضحت سر الهوى تلك العجوز ؟ !

وجالت نفس الفكرة في بال الشاعر المهيب؛ حتى أن الشحوب بان على وجهه، فساد الصمت..

ليت أحدًا يقول شيئًا !

ثم كأن صوت تنحنح أحد إخوة السي احمد أنقذهم فجأة من صمتهم الحائر، وانتقل الحديث بقصد واضح إلى الرفاق المحبوسين في سجن “الكدية” بقسنطينة، ومن مات من الشهداء ومن لا يزال يكافح الاستعمار في الجبال؛ وحده حديث الوطن قد يمحي كل لبس.

وتذكر السي احمد بعض الأوراق التي أمر الولد ابن أخيه بإحضارها،  ثم وزعها على الضيوف وهو يشرح لهم كيف عليهم أن يملؤوها؛ وهي أوراق من قيادة الثورة تثبت أن حاملها قد شارك في تحرير وطنه مجاهدًا كان أو فدائيًا أو مسبلًا، كضمان لحق كل واحد بعد نيل الحرية.

هكذا كان الشعب البسيط ؛ يؤمن بالاستقلال إيمانًا لا يشوبه شك، حتى قبل أن يأتي.

  طالت سهرة الأنس إلى الساعات الأولى من الفجر وكانت النسوة يتسللن في كل مرة إلى داخل الدار ليسكتن صغيرًا يبكي أو يجهزن إبريقًا آخر من القهوة..وأشياء أخرى كثيرة، وكانت قمرة تحاول مرافقتهن للمساعدة لكن تلاقي الصد اللطيف.

في الصباح، ومع بزوغ أشعة النور، تفاجأت الضيفة وزوجها أن العربة التي ستقلهما عائدين، كانت مجهزة تنتظرهما، محملةً بالكثير جدًا من الهدايا التي ظلت النسوة تجهزنها طوال الليل.

وقف كل أهل الدار مودعين وشاكرين للضيوف لكرم الزيارة، وكانت عينا السي احمد آخر ما علق في بال قمرة وقلبها.. ثم في الطريق إلى الشمال، راح الحصان يفكر من جديد، كيف عليه أن يتماشى ما بقي من حياته لأداء مهمة لم تخلق لها الأحصنة، وراحت قمرة تستحضر العيون المودعة، من صندوق وجدانها الغالي؛ كنزاً يكفيها لدفء أيام قادمة من برد الوحدة.

   ثم وهي تلقي برأسها المتعب، من السهر وضجيج الأفكار، إلى الخلف، أحست بشيء غريب..فأمسكت بضفيرتها الكثيفة الشقراء..وإذا بزجاجة عطر اندست بين ثنياتها !! إنها هديته الغالية؛ لم تدر كيف وضعها هناك أو متى، لكنها كانت منه، هي أكيدة. هذه وكل ما كان منه، ومن قد يكون، سيبقى أثمن موروث لها.

ابتسمت “قمرة” لخاطر الذكرى حين كان اللقاء “بالمرسم ” في ظلال الزيتون بأرضها، وحبيبها السي احمد يشجيها بشعره الملحون عنها.. وهو يتوسد صدرها وعيناه لا تفارقان الوجه الجميل، لا حواجز تفصل القلبين المتيمين منذ أول نظرة بينهما، منذ أول رشفة من قهوتها أعدتها له ول”الخاوة” وهم ينزلون ضيوفًا من الجبل…….

صيف1962، فرحة الاستقلال، وكل أبناء الجزائر من كل حدب وصوب ينسلون  إلى أرض الشوارع التي اكتظت بالفرحة العارمة؛ لم يشهد الجميع فرحة أجمل منها في كل حياتهم؛ فرحة الحرية.

مهرجانات بلا سابق تنظيم راحت تملأ الأجواء بالأناشيد والأهازيج والدموع، الكل يحضن الكل..أخوة النجاح كانت. و”قمرة” مثل كل الجزائريين نزلت مع زوجها وابنتها إلى الفرحة الغالية، تقبل كل شبر من الوطن. لأيام كان الجميع ينامون خارجًا، في دفء الحرية، يلتحفون العلم غطاءً .

  وقد تذكر زوج “قمرة ” تلك الأوراق الثبوتية التي سلمها لهم الشهيد “سي أحمد “! فأسرع يخرجها من الدرج السري في الخزانة..ويريها بفرح ل “قمره”:” إنها الأمل في معيشة كريمة ..أمام هذا المجهول المنتظر.”

في آخر المساء، أخذت ” قمرة” ورقتها، واعتزلت صخب الشوارع إلى مشوار صغير، نحو المرسم “، وسبقت دموع الألم الغزيرة خطواتها المتعبة.

وهناك عاد بها كل شيء لكل شيء..

“-آآآه..يا أحمد..آه.. لست ادري هل أزغرد فرحة بالحرية التي عشتَ لأجلها، أم أنتحب لفراقك القاتل.؟

 نعم أنا سعيدة لفرحة وطني، لكن الحلم بعدك جحيم. ماذا افعل بقلبي وبهذه الأوراق التافهة ؟

هل يحتاج وطني لإثبات أني فعلت ما استطعت لأجله.؟ أي ثمن قد يدفعه لي الوطن، بعدك ؟ كنتَ أنت فرحتي..والآن لا شيء إلا ذكراك.”

ثم استسلمت لنوبة بكاء حزين، حتى ابتلت الورقة بدموعها، وغفت بتعب على الأرض الطيبة، فهفّتْ روُحُ من أولئك الذين “عند ربهم يرزقون “.. وغطّتها بلحاف من أمان…

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة