مرآة الأرق

9115011ddc6b95b295502cf78cd9b474

1

ساعات الأرق هي من أجمل لحظات اليوم. حسنًا، قد تعترض بشدة لكن دعني أحاول مجددًا. توحي كلمة الأرق في نفوسنا الشعور بالضيق غالبًا لكن هذا لا يجزم بسوئه حقًا. فالبعض منا قد يتمنى النوم لينسى حاضره أو فكرة مستقبلية تتربص به، و البعض الآخر يلجأ للأرق متعمدًا حتى تخف تلك الكوابيس- المرتبطة بشيء في ماضيه- عن زيارته. و فئة أخرى تجد في الأرق فرصةً للكتابة أو لقراءة صفحات إضافية من كتاب مهمل على جانب الفراش. أعتقد أن ما أود قوله هو أنه لا وجود لشيء سيء تمامًا من كل الزوايا، باستثناء ما هو حقًا سيء في جوهره بحيث لا يختلف في أمره اثنان.

هناك إذاً تدرجات من اللون الرمادي بدلًا عن منظار الأبيض و الأسود، و التي في النهاية تنتمي لمونوكروم لوني واحد يبدأ بالأبيض مارًا بالرمادي و منتهيًا عند الأسود.

تتجلى فكرة الانعكاس أجمل ما يكون في المِشكال. ففكرة المونوكروم اللوني الواحد الذي يحوي درجات الرمادي على تباينها توجد هناك في المشكال- الكالديسكوب- الذي هو عبارة عن آلة بصرية مكونة من منظار أنبوبي مظلم يحوي بداخله مرايا متموضعة بزوايا مختلفة بحيث تسمح لمن ينظر من خلال الثقب أن يرى أثر انعكاس الضوء الساقط من الجهة الأخرى على الأشياء. يأتي أصل الكلمة- الكاليدسكوب- من اليونانية و تعني ينظر إلى أشكال جميلة. و هذا لأنك تبصر أنماطًا متماثلة لذات الشيء المنعكس.

هناك بعض الأعمال الأدبية التي يراها البعض انعكاسًا للواقع، و التي تمنحنا النظر من خلال الكاليديسكوب الذي يضعه لنا المؤلف أمام صفحات كتابه، و من هؤلاء النيويوركي الروائي و السيناريست بول أوستر. حيث نخوض في روايته (رجل في الظلام) عوالم متوازية  لراوي يستأنس بالأرق بعيدًا عن مشاعر الحزن و الفقد التي تغلف واقعه. و عوالمه التي يخلقها في ساعات الأرق تلك رغم تدرجاتها الرمادية ليست في النهاية إلا انعكاسات لخيالات في رأس ذات الكاتب الذي لا يكف عن التدخل في رواياته مانحًا لنفسه وجودًا خالدًا داخل النصوص.

و في مقابل انعكاس خيال الكاتب ذاك، تُرى لأي انعكاس من ذاتك تنحاز. أتفضل ما هو جميل مما يساعد على إخفاء تشوهاتك، أم ما هو قبيح مما له دور في تهذيبك و الكشف عن داخلك الجميل. أيهمك انعكاس صورتك على مرآتك الداخلية بقدر ما هي منعكسة على مرايا الآخرين. نرى في رواية (صورة دوريان جراي)1 للبريطاني أوسكار وايلد ما آلت إليه اللوحة الجميلة التي رُسم بها بورتريه لوجهه من انمساخ نتيجة للعبها دور المرآة الداخلية لهذه الشخصية و اضطرابه الذي وصل في نهاية الرواية لانتحاره، لكن هذا لا ينفي قدرة المرآة على أن تفتح عينك الداخلية على الاستنارة. فليس ما تنظر إليه بذات أهمية كيفية نظرتك له.

2

نجد في ذات الرواية لأوستر ما يخلقه الأرق من عوالم متعددة و ما ينتج عنها و عن رؤاها المنعكسة عنها من أن ينفصل الشخص عن ذاته و الواقع في ما يعرف باضطراب تبدد الشخصية، فنرى البطل يصف هذا الشعور بقوله:

أشعر أن هناك خطب ما بي، خطأ في الآلية، جزء خرب أثر على سير العمل. لا أتحدث عن الضعف الأخلاقي. بل عن عقلي، تركيبي العقلي. نوعًا ما صرت أحسن حالًا الآن، على ما أعتقد، تبدو أن المشكلة تضمحل مع تقدمي في السن، لكن في ذلك الوقت، في الخامسة و الثلاثين، الثامنة و الثلاثين، الأربعين، كنت أحيا بشعور ينتابني بأن حياتي لم تنتمي يومًا لي، بأنني لم أسكن ذاتي حقًا، بأنني لم أكن يومًا حقيقيًا. و لأنني لم أكن كذلك، لم أكن لأتفهم مدى تأثيري على الآخرين، مقدار الضرر الذي بإمكاني تسببه، الأذى الذي قد أصيب به من أحبوني. مثلت لي سونيا سندا، كانت صلتي الوطيدة الوحيدة بالواقع.” 2.1

لم يعد تولد هذه الحالة في عصرنا الحالي بالشيء النادر حيث إيقاع الحياة السريع و المهام المتعددة على عاتق المرء و محاولة لحاقه بيوم التسليم لتقرير أو مشروع ما أو تناول أدوية معينة كلها قد تتسبب بحدوثها. و قد لا نعرف كيف نعبر عن حالة الانفصال و الخدر الناتجة عن كل هذا، لكن شخصيات كأوجست بريل السبعينية في الرواية و هدسون ميلبانك في فيلم 3(Numb) للمخرج هاريس جولدبيرج تمنحنا شيئًا من السلوى.

نرى شيئًا من تداخل العوالم بظلالها الرمادية و ما ينتج عن شعور تبدد الحقيقة و المحيط في فقرة تأملية لاحقة في الرواية:

أرى يدا سونيا على لوحة البيانو. تعزف مقطوعة لهايدن، لكني لا أسمع شيئًا. ليس للنوتات من صوت، ثم تدور على المقعد و تأتي ميريام راكضة نحو ذراعيها، ميريام ذات الثلاث سنوات، صورة من الماضي البعيد، ربما حقيقية، ربما متخيلة. بالكاد أستطيع تمييز ذلك. الصورة الحقيقية و المتخيلة متماثلتان. الأفكار حقيقية، حتى تلك التي لأشياء غير حقيقية. نجوم غير مرئية، سماء غير مرئية. صوت تنفسي، صوت تنفس كاتيا…. ليلمسني أحدكم. ضع يدك على وجهي و حادثني….”2.2

3

في كتاب آخر صادر عن مكتبة الأسرة لعام 2015 تحت باب علوم اجتماعية للكاتب د. محمود رجب و بعنوان (فلسفة المرآة)، هناك ذكر لمفهوم التعددية الناتج عن المرآة بتوضيح أمثلة عدة منها مرآة التيلسكوب التي تكشف عن المستقبل البعيد و الماضي السحيق في تعدد البعد الزمني في فصل أنواع المرآة تحت النوع الرابع و هو مرآة السحر. أيضًا في إشارة الفيلسوف و الشاعر لوكريتيوس لتعددية الصور من ظهور الأشباح أمام المرآة المقعرة  فتصبح بما تعكسه  من صور متحولة أداة لخلق عوالم متعددة في فصل أفعال المرآة. و كذلك في تعدد الصور و انعكاساتها الروحية الضامة للكل في المرآة المستوية المهشمة و ما في ذلك من استعارة القديس توما الأكويني لها ليبين سر القربان المقدس حيث جعل جسد المسيح الواحد يسري في كل كسرة من الخبز المتكثر و الخمر على نحو ما ذكر في فصل كرم المرآة. كما طرح مفهوم التعددية في نهاية السفر الروحي الرابع عند متصوفة الإسلام في مقام الاستقامة “الذي هو رؤية الوحدة في الكثرة و الكثرة في الوحدة هو الموضوع على الأصالة في التصوف القائم على المشاهدة أو التأمل الانعكاسي (المرآوي).”4 دون أن يحل السالك في الآخر.

تتكرر ذات فكرة الانعكاس في الحكمة الصينية القديمة متمثلة في التاو، حيث يذهبون أبعد قليلًا من فكرة الانعكاس للقول بتناوب المتضادات حتى تنعدم القطبية تمامًا في مذهبهم هذا. فقد جاء في إحدى ترنيماتهم:

الوجود و اللاوجود ينجمان عن بعضهما بعضًا، الصعب و السهل يكمل بعضهما بعضًا، الطويل و القصير يقابل بعضهما بعضًا، العالي و المنخفض يسند بعضهما بعضًا، الصوت و الصمت يجاوب بعضهما بعضًا، القبل و البعد يتبع بعضهما بعضًا، لذا فإن الحكيم لا يبادر إلى فعل شيء و يعلم بدون كلمات”6.1

فيشرح الكاتب معنى ما جاء فيها بقوله: “ تحت هذه المظاهر المتنوعة التي تتبادل التأثير و تنشأ في تزامن معًا يقبع التاو. إنه الوحدة التي تجمع الذوات إلى بعضها، و تجمعها إلا ما لا يحصى من الظواهر الحية و الجامدة، حيث يتخذ كل جزء معناه من الكل، و يتخذ الكل معناه من الأجزاء، و تؤول التعارضات على المستوى الظاهري إلى تواحد على المستوى التحتي.” 6.2

ثم يستطرد في شرح صلة ما تقدم بمفهوم الذاتوية بقوله: “ كل شيء يمتلك خصائص مختلفة و متعارضة أيضًا. و هذا ما يقود التاوي إلى القول بوحدة الأضداد و النظر إلى المظاهر في “ذاتويتها”. فحين تدرك ذاتوية الأشياء، أي وجودها الذاتي بصرف النظر عن خصائصها النسبية، تكون قد أدركت جوهر التاو.” 6.3

و هكذا يكون كل انعكاس هو ذات الشيء متناوبًا.

إن كان لي أن أختار أجمل انعكاس/ درجة من اللون الرمادي الذي صادفني مؤخرًا فهو حتمًا ما كان في رواية (سالباتييرا)5 للروائي الأرجنتيني بيدرو مايرال، و التي يحكي فيها ابن الشخصية الرئيسية عن والده الأصم و طريقته الفنية في أن يعكس معنى حياة قرية كاملة و مشاعر سكانها على النهر- اللوحة. فكل رسوماته تلتقي عند ذات الخلفية و هي النهر الذي ينساب على طول البلدة الأرجنتينية حيث تقع أحداث الرواية.

و الآن أخبرني، هل لازلت معترضًا حيال نظرتي للأرق. و لكن ماذا أفعل! لستُ هنا لأجعلك توافقني لكن ربما لإميل سيوران ذلك السحر الذي أفتقر له بدوري حيث يقول في ابتهال الأرق: “قد تصل حالة اليقظة إلى نهاية، و لكن إشراقها يستمر في داخلك، لا حصانة للمرء الذي يبصر في العتمة، لا يستطيع المرء أن يستخلص دروسها بدون أخطار؛ هناك أعين لا يعود بوسعها أن تتعلم شيئًا من الشمس، و هناك أرواح سقيمة من الليل لن تشفى أبدًا.”

ختامًا ربما تساعدنا محاولة الرؤية من خلال الكالديسكوب إلى تكثيف زوايا النظر لمسألة ما، رغم أني لا أضمن لك الخروج سليمًا، فقد تصاب ببعض الدوار جراء الشكل المعدَّل/ المشوَّه أمامك و الذي نحتاجه حتى نمحو آراءً مسبقة كوناها من العقل الجمعي دون أن نتفكر فيها، أو نتيجة الاستعجال لأمر طارئ لا يحتمل التريث.

إذن يحثنا الكالديسكوب على رؤية الجمال من خلال الانعكاسات المتداخلة للشيء، فمن خلال الانعكاس و ليس المباشرة نجد وقتًا للتأمل في مسائل الكون و وجوديتنا. و بالحديث عن الجمال، أترككم بمطلع قصيدة للأمريكية إميلي ديكنسون تخبرنا فيها بمعرفة الحقيقة و الجمال بطريقة دائرية- منعكسة- غير مباشرة حتى يتسنى لمستقبلها بأن يتقبلها دون أن تكون صادمة، و أن يجد معنى بعد أن يتعب قليلًا. تقول إذن:

قل الحقيقة كاملة

لكن قلها متدرجة”7

………………………..

1- The Picture of Dorian Gray, Oscar Wilde, Published by Penguin 1994

2- Man in the dark, Paul Auster, Published by Henry Holt and Company, LLC, First edition 2008, p.125 and p.144

3- Numb 2007, Director Harris Goldberg

4- فلسفة المرآة، د. محمود رجب، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2015، ص252

5- سالباتييرَّا، بيدرو مايرال، ترجمة مارك جمال، دار الكرمة 2016

6- التاو تي-تشينغ: انجيل الحكمة التاوية في الصين، لاو تسو، ترجمة فراس السوّاح، دار علاء الدين للنشر و التورزيع و الترجمة، الطبعة الأولى ، 1998، ص26 و ص27

7- ترجمة رامي زكريا

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان